قراءة في رواية: يد خفيفة وروايات أخرى

عبد المجيد عرفة

إسلام أبو شكير روائي سوري متميز، تعرفت على كتاباته حديثا جدا. وانا اعتبر نفسي ممن اطلعوا على اغلب النشر الروائي السوري وخاصة بعد قيام الثورة السورية.
المهم اخبرني احد اصدقائي وهو مثلي يقرأ روايات سورية وعربية ويكتب عنها. اخبرني هل لدي اي رواية للكاتب اسلام ابو شكير؟ قلت له لا ليس لدي وفوق ذلك لم اسمع بالكاتب سابقا. قال لي هو روائي سوري له أسلوبه الفريد بالكتابة وله روايات كثيرة منها رواية “ساعات .. ساعات”. وارسلها لي لأقرأها. وسرعان ما سألت “عمو غوغل” عن اسلام ابو شكير ووجدت له روايات عديدة أنزلتها و وضعتها في دور القراءة.
بدأت بقراءة رواية “ساعات… ساعات” بصراحة استغربت الأسلوب واندهشت انني خرجت من الرواية احمل انطباعات مختلفة. اولها انني ادركت انني امام أسلوب كتابة يعتمد المباشرة بالتعبير عن ذات الشخصية المحورية بالرواية، هو الرواية. نعم متمحور حول نفسه دائما التكلم مع ذاته، وهو يتعايش مع محيطه الذي ليس عاديا ولن اقول غرائبيا. هو كذلك يعني نحن أمام شخص متمحور حول نفسه يحادثها دوما وفوق ذلك يعيش وقائع ليس مألوفا أن نعيشها. مثلا كل من يلتقي به بدء من بواب البناية التي يسكنها حتى ركاب الباص حتى في عمله هم نسخة عنه. اين الآخرين ؟ وحتى عندما أرادت الرواية أن تقفز بالحدث خطوة للأمام جعلت الشرطة تستدعيه و صاحبنا يلبس ملابس ضابط كانت بحوزته؟. كيف ؟ لا نعرف ثم ليصل إلى هناك ويخبره المسؤول أن شخصا ما قد فُقد. وليعرف بعد ذلك أنه هو المفقود. بالطبع عرف ذلك من إنكار كل من يلتقي به لوجوده. يعني موجود لكن بلا جسده وبلا أي قدرة على التواصل مع الآخرين. اجد نفسي هنا متلبسا في محاولة عقلنة الحالة. لكن الرواية نفسها لا تحاول أن تفعل ذلك. الغرائبية واللامعقول والتمحور حول ذات الشخصية المحورية وانتقالها العشوائي من خاطرة لاخرى ومن واقعة لاخرى. تجلنا مندهشين من هذه الرواية، وسألت نفسي ماذا يريد إسلام أبو شكير أن يقول لي كقارئ بروايته ساعات… ساعات ؟. وجائني الجواب هل اراد ان يقول اننا وصلنا الى مرحلة أصبحنا فيها نكرة غير معترف بانسانيتنا. بعدما كانت ذواتنا هي كل حياتنا و في ظروف جديدة خسرنا هذه الذوات واصبحنا نكرة. بالنسبة لذواتنا وبالنسبة للعالم المحيط. قد يكون ؟!!…
وقلت لنفسي هناك مشكلة ما لعلها انني هاوي في النقد الأدبي رغم قرائتي للمئات من الروايات والكتابة عنها. ولعل هذه الرواية تنتمي للحداثة وما بعد الحداثة وأن التمحور حول ذات الفرد هي محور تفكيره وسلوكه. والعقلنة قد تكون موضة قديمة ويجب تجاوزها…
ومع ذلك قلت أعطي لنفسي ول إسلام أبو شكير فرصة واقرأ رواية أخرى وخاصة أن رواياته قصيرة بعدد صفحاتها. وبالفعل انتقلت إلى رواية القنفذ و لأكون صادقا مع نفسي ومع القراء كان الانتقاء عشوائي لان عناوين الروايات عائمة. وبصراحة كان انتقائي موفقا. فقد كانت الرواية واضحة المعالم منذ البدء إنه بشار الأسد الذي يتابع مع والدته اللحظات الاخيرة لحياة والده حافظ وما تلا وفاته. الرواية أيضا تدور في عقل بطلها بشار وسرده لما عاشه وما يحيط به وما يجب أن يفعلوه ليتم انتقال السلطة السلس له كما خطط حافظ قبل ذلك ومنذ سنوات.
استعاد بشار طفولته وانه شبه نكرة ضمن العائلة وان الأضواء سلطت على باسل وأنه كان الوريث في الحكم بعد والده ولذلك قرر والده إرسال بشار إلى بريطانيا لدراسة طب العيون، والعيش بعيدا عن السياسة، وكيف عاش هناك ومع عقده وتصرفاته وهوسه بالنساء وأنه وفي لحظة فارقة أصبح محور الاهتمام واعيد إلى سورية ليتم تجهيزه ليكون الوريث بعد مقتل أخيه في حادث سير. أعيد وخضع لإعادة تأهيل ليكون وريثا لحافظ الأسد في حكم سورية.
كانت هذه الذكريات بحلوها ومرّها تدور في ذهنه وهو ووالدته يقومان بتواصلاتهم مع رجالات النظام خدام وطلاس ودوبا والآخرين ليتم إخراج مسرحية ترشيح الرئيس بمجلس الشعب وتعديل سن الرئيس من ٤٠ سنة إلى ٣٤ سنة لتطابق عمر بشار. لكن ما يحصل حوله يفاجئه وامه. بدأ يموت كل من حولهم تباعا بعوارض سكتة قلبية مفاجئة. بدأت بمربيته وطالت بعد ذلك كل المحيطين به في القصر حيث جثة ابيه. ووصل الموت لأمه ولم يبقى الا هو… ذهب لينظف أسنانه وينام…
طبعا اسلام ابو شكير فرادته هنا أيضا عدد صفحات الرواية ٩٦صفحة والمكتوب منها ٨٠ صفحة والرواية كتبت في عام ٢٠١٣م. وكأّن اسلام ابو شكير اراد ان يقول ان المجزرة مازالت مستمرة في سورية التي مضى على ثورة شعبها ثلاث سنوات وبشار الأسد لم يترك وسيلة إلا واستعملها لقتل الشعب السوري. نعم الحدث مازال مستمرا في الزمن ويحتاج لتدوين قادم.
صدقت صديقي اسلام ابو شكير. لقد اصبحنا اصدقاء لقد اعدت لي الثقة بقدرتي التحليلية والنقدية.
ومع ذلك قلت أقرأ عملا ثالثا قبل ان اغامر وانشر ما توصلت إليه. وبدأت بقراءة زجاج مطحون . منذ البداية الرواية تحمل نفس اسلوب اسلام ابو شكير الذي أدركته من القراءات السابقة وهو الكتابة بضمير المتكلم كبطل وحيد. الغرابة واللا معقول يظهر منذ بداية الرواية اربعة يجدون انفسهم محبوسون في شقة مغلقة بلا أي اتصال مع الخارج. فيها كل اسباب العيش والاربعة هم اسلام ابو شكير نفسه يتشاجرون كل يريد ان يؤكد انه اسلام ابو شكير وليس الآخرين. ثم يقبلون بعضهم و يتعايشوا. ليتبين انهم اسلام ابو شكير بأطوار عمره. العشرين والثلاثين والأربعين والخمسين.
تحصل الحرب فيكبرون قفزة واحدة ليكونوا زيادة عشر سنوات. ثم يموت أحدهم ولا يعرفوا كيف يتخلصون من الجثة. ثم تختفي لوحدها. طبعا العالم الخارجي يتواصل معهم لا نعرف كيف وهم لا يعلمون. الكل يتحدث بلغة الأنا عن نفسه وكلهم واحد. بمرور الزمن ستحصل الحرب كما اسلفنا ولا نعلم عنها شيئا وتاريخ نشر الرواية عام ٢٠١٦م. يعني صراع الثورة والنظام على أشدّه ولا أفق لحل ما. واصلا اسلام ابو شكير محجوز بكل أطوار سنينه داخل هذا المكان المغلق -الوطن- يعيش به مرغما ينتظر أن تلبى حاجاته وأن يكبر وأن يموت وان تغادره جثته. هو على هامش هامش الحياة وينتظر أن تكون له نهاية ما ، أي نهاية.
يأس مطلق مما يحصل في بلادنا. سماها اسلام ابو شكير الحرب. هي كذلك لكن حرب من مع من؟. التجهيل هنا عن تحديد المتحاربين ظلم للشعب الضحية من حرب النظام ضدٌه في حرب إبادة.
عندما أنجزت رواية زجاج مطحون قلت يجب أن أقرأ ايضا لم ارتوي بعد. ولا بد من مزيد من الانارة على تجربة اسلام ابو شكير الروائية.
قرأت يد خفيّة ، عدت التقي اسلوب اسلام ابو شكير في الكتابة. بطل فرد مطلق يتكلم بضمير المتكلم ويسرد حياته. أدركت المكان انه في الإمارات ويعمل في صحيفة ما يكتب أسبوعيا. يعيش منضبطا مع ذاته ونمط حياته المبرمج بدقة في كل شيء. متمحور حول ذاته. يحاور ذاته كل الوقت. يراجع محفوظاته في شنطة تضم الكثير مما يجب رميه يتوقف عند صورة. هي له وليست له. لا يتذكر شيئا ويتذكر ما لا لم يحدث. ويعيد إنكار ما تذكره أو يتذكر ما أنكره. يعود لنلتقط شذرات حياته السابقة التي نجدها “ك إبرة في كوم تبن” وهو مستغرق في حياته المنغلقة على نفسه. عمله والنص الذي يكتبه وجارته الجميلة التي تهاجمه في أحلامه. وهو غير متأكد في أحلامه أم الواقع؟. ويعود شذرات الى الماضي. فلانة التي التقت به وقبلته كحبيب سابق. وهو لا يذكر. ويذكر تلك التي احبها واحبته وكانوا شركاء في النضال وفي الجامعة. وعلم نهايات مفجعة طالت البعض: أمراض وموت وضياع. ايضا هناك حرب في بلاد هي بلاده .
لكن الاسترجاع يأتيه هكذا كما اشعاعات شهب في سماء مظلمة يتذكر أنه كان جزء من عمل سياسي معارض وكان له رفيقات ورفاق وكانت علاقاتهم عميقة منفتحة وممتلئة بكل الرغبات والامنيات والإشباع الجسدي. ولكن الاعتقال طالهم وكانت حياتهم بالاعتقال جحيم وبعده موت بطيء. واليوم هناك في البلاد حرب تأكل كل شيء. وهو يسترد ذاكرته في ختام الرواية لقد كان مع آخرين في معتقل وكانت دماؤهم من جراء التعذيب تسيل على الأرض…
وأصبحت بعد ذلك بحر من دماء الوطن …
نعم سننتظر طويلا خارج زمن الرواية حتى تتحول الدماء لقوة مقاومة وقدرة على المواجهة وصناعة نصر وبناء وطن حر كريم عادل أو هكذا نحلم.
في الختام:
لم اكتفي بما قرأت لأصل إلى تحليل ارضى عنه لكتابات اسلام ابو شكير الروائية. لكن استطعت ان اكتب ما كتبته هنا وأزيد:
لم اقرأ سابقا لأحد كتب سردا بهذه الطريقة. سرد بلغة المتكلم. تمحور حول ذات البطل الأوحد للرواية. لا زمان ثابت ولا مكان محدد أو مؤكد، والاحتمال هو السائد والحقيقة غير محددة المعالم. اننا نطارد هواجس مسكونة في صاحبها. يستدرجها ويطلق بعضها لنا ونتحول لصائدي سراب. هل هو اعتراف بأن الذات الانسانية عصية عن الإدراك من صاحبها. فكيف يدركها الآخرون نقلا عن صاحبها؟.
ولكي لا نظلم الصديق اسلام ابو شكير ورواياته. اننا في نهاية كل رواية تجعلنا نسأل ونتساءل. لعله أراد كذا أو كذا. ويدخلنا في لعبة مطاردة ذبابة الوعي التي تنتقل من فراغ الى فراغ إلى ما لا نهاية.
لعله نمط روائي حديث وحديث جدا. أو نمط روائي ابتدعه إسلام أبو شكير…
بكل الأحوال نحن أمام كتابة جديدة ومتميزة وتحتاج أن نصبر عليها حتى تستوي او حتى نستوعبها . وتصبح نمطا وان نعرف كيف نسبر أغوارها. وقد تكون هي هكذا باطنا وظاهرا ونمطا.
نعم نحن في عصر الجديد في كل شيء…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى