
انتهت أسابيع من التهديد بضرب إيران مع قصف الطائرات الأميركية والإسرائيلية مجموعةً كبيرةً من الأهداف في طهران وعدة مدن إيرانية صباح يوم السبت، لتبدأ الحرب التي أكدها الرئيس الأميركي في مقطع مصوَّر قال فيه إن العملية ستكون ضخمة ومستمرة لمنع إيران من تهديد أميركا. وقد ردّت إيران بقصف أهداف في دولة الاحتلال ومواقع أميركية في عدة عواصم في المنطقة.
هناك عدة أمور جديدة في التطورات الجارية حاليًا، ولعلّ من هذه الأمور أن دولة الاحتلال الإسرائيلي في الحرب الماضية هي من بدأتها، ثم التحقت بها الولايات المتحدة بعد عدة أيام بقصف المواقع النووية. لكن هذه المرة بدأت الحرب بإدارة مشتركة، بعد أسابيع من نشر العديد من الأصول العسكرية الأميركية في المنطقة، التي قد تكون قادرة على شن مئات الضربات لأسابيع. (فقد وصلت أكثر من 200 طائرة حربية، مدعومة بعشرات طائرات التزوّد بالوقود وطائرات الاستطلاع). وقد أكد كلٌّ من نتنياهو وترامب الشراكة في تنسيق وشن الحرب على إيران. كذلك تميّزت التطورات الحالية بسرعة الرد الإيراني مقارنة بالمرة الماضية، وباتساع نطاق الرد واستهداف مواقع أميركية وبنية تحتية في عدة دول عربية.
إيران، التي أبدت استعدادًا للتفاوض عبر ثلاث جولات لم تُثمر، أسهمت في تأخير هذه العملية؛ إذ انتهت جولة المباحثات الأخيرة قبل يومين في جنيف، بالرغم من العروض الإيرانية التي شملت إغلاق عدة مواقع نووية. وقد يكون التأخير متعلقًا بالوصول إلى مكان خامنئي.
من زاوية أخرى، يُعتقد أن هدف إسقاط النظام كان أوضح بكثير في خطابي نتنياهو وترامب، حيث خاطبا الشعب الإيراني ودعواه إلى التخلّص من الاستبداد، مبيّنين أن هذه هي الفرصة الوحيدة للشعب الإيراني. وتشير التقديرات، على المدى المنظور، إلى أن قدرة النظام الإيراني عالية على امتصاص الاحتجاجات، كما أن طبيعة المطالب الأميركية، بالتعاون مع إسرائيل، تضعف شرعية أي حراك شعبي ضد النظام. كما أنه من الواضح أن النظام الإيراني استعدّ على المستوى الأمني الداخلي ببدائل، ولكن من المبكر الحكم على هذا الأمر من اليوم الأول للعدوان.
ولعلّ اغتيال خامنئي هنا يُعدّ عاملًا مُغيّرًا في المعادلة السابقة، إذ انتقل الحديث من البعد النفسي إلى ضربة كبيرة أزالت رأس الهرم وعددًا من القيادات التي جاءت بديلة لقيادات أخرى اغتيلت قبل ثمانية أشهر، وبالتالي يُحدث هذا الأمر هزّة في البنية الأمنية. ولكن، في الجانب المقابل، حاولت إيران إظهار أنها متماسكة من خلال مجموعة من التصريحات التي أدلى بها بزشكيان وعباس عراقجي.
لا تُعدّ الضربات على إيران مفاجئة؛ فقد بدأت إسرائيل تعدّ العدة للعودة إلى الحرب منذ بداية وقف إطلاق النار في نهاية يونيو الماضي. وكانت هناك تقديرات تشير إلى إمكانية توجيه ضربة مع اندلاع احتجاجات على الأوضاع الاقتصادية في إيران قبل شهرين، لكن يبدو أن الضغط الإسرائيلي والاستعداد الأميركي حينها لم يكونا كافيين للذهاب فورًا إلى الحرب.
كما أن إيران، التي أبدت استعدادًا للتفاوض عبر ثلاث جولات لم تُثمر، أسهمت في تأخير هذه العملية؛ إذ انتهت جولة المباحثات الأخيرة قبل يومين في جنيف، بالرغم من العروض الإيرانية التي شملت إغلاق عدة مواقع نووية. وقد يكون التأخير متعلقًا بالوصول إلى مكان خامنئي.
حتى مساء السبت، كان استهداف إيران لإسرائيل أصغر من وابل الصواريخ الذي استهدف إسرائيل في يونيو سابقًا، وما تزال دولة الاحتلال الإسرائيلي تتكتم على أماكن وحجم الاستهداف، بالرغم من وجود تقارير وشهود عيان يفيدون بوقوع إصابات في عدة أماكن. وكان يُعتقد أن حجم الرد المُقلَّص على إسرائيل قد يعني إمكانية العودة إلى التفاوض، ولكن في اليوم التالي ارتفعت وتيرة القصف المتبادل، وسقط قتلى أكثر في إسرائيل، كما وردت تقارير عن وجود قتلى من الجنود الأميركيين.
كذلك، حتى ما قبل الإعلان عن اغتيال خامنئي، كان يُعتقد أن الإيرانيين لم يصلوا إلى قناعة بأن تغيير النظام هدفٌ قد اتُّخذ فعليًا من قبل الإدارة الأميركية. وفي حال وصولهم إلى هذه القناعة، قد يكون حجم وطبيعة الأماكن المستهدفة أكبر وأخطر، وقد يشمل بنى تحتية للطاقة في المنطقة. كما لوحظ عدم وجود تدخل من الحوثيين وحزب الله حتى الآن، في ظل إدراك أنهم سيتدخلون في حال وصل الأمر إلى احتمال انهيار النظام. ولكن بعد اغتيال المرشد الإيراني وعدد من القادة الكبار، فإن هناك إمكانية كبيرة لتوسّع مجال الأهداف ونوعيتها، خاصة مع إعلان إيران الرسمي نيتها الثأر لدم المرشد، كما قال بزشكيان وغيره.
ومن الواضح أن الأطراف تتحدث عن حرب تمتد لأيام وربما لأسابيع، في حين يُبقي الإطار المحدود نهاية هذه الحرب – على الأقل عند تحليل محتوى التصريحات – غير محسومة. ولكن من الواضح أنه لا يمكن التنبؤ بالمدى الزمني للحرب، لأنه حتى الآن، وبالرغم من تراجع قوتها، ما تزال إيران تقوم بعملية ضبط لدور حزب الله والحوثيين والحركات القريبة منها في العراق، بما يتناسب مع سياستها التي تتجنب الحرب الشاملة.
الوضع الداخلي في إيران، سواء تصاعد الاحتجاجات ضد النظام أو تماسكه، سيكون من العوامل المؤثرة في المشهد في الأيام القادمة.
يبدو ترامب مستمرًا في عملية الضغط على إيران وصولًا إلى تغيير النظام، كما أن تصريحات بعض الدول الأوروبية، مثل ألمانيا، تدعم مثل هذا النهج. لكن تفاعلات السياسة الأميركية الداخلية، التي يرى قسم مهم منها أن الحرب لم تكن ملحّة وكان يمكن تجنبها بطرق أخرى، قد تكون مؤثرة في سير التطورات، خاصة إذا سقط المزيد من القتلى الأميركيين. كما أن هناك بداية لتشكّل مسار احتجاجي في الشارع الأميركي.
الأمر الواضح أن إيران أبدت صلابة أمام الموقف الأميركي، ومن غير المرجّح أن تستسلم بسهولة أمام الضربات العسكرية، خاصة أنها – على ما يبدو – قامت باستعدادات جيدة للتعامل بشكل مختلف مع التطورات، لكن هذا الأمر سيكون مرهونًا بالواقع، خاصة مع الاستمرار في ضرب بنية المنظومة الأمنية.
ختامًا، هناك عدة عوامل، منها حدود القدرات العسكرية للأطراف، وخاصة إيران، إذ إن مخزون إيران العسكري سيكون عاملًا محددًا ومهمًا في تحديد مدة الحرب، فضلًا عن اللعب على ملفات حيوية مثل ملف الطاقة في المنطقة. كما أن الوضع الداخلي في إيران، سواء تصاعد الاحتجاجات ضد النظام أو تماسكه، سيكون من العوامل المؤثرة في المشهد في الأيام المقبلة. وأخيرًا، لا تُعدّ هذه الحرب مقتصرة على الأماكن التي تتساقط فيها الصواريخ؛ فهي تهزّ البنية الإقليمية بأكملها، ونتائجها ستكون كبيرة جدًا مهما كانت.
المصدر: تلفزيون سوريا


