
(1)
شنّت إسرائيل عدواناً مسلّحاً على إيران السبت 28 الشهر الماضي (فبراير/ شباط)، وانضمّت الولايات المتحدة إلى إسرائيل فعلياً بعد ساعات. وردّت إيران على العدوان بشنّ ضربات صاروخية وهجمات بالطائرات المسيَّرة على إسرائيل. لكن ردّات فعلها تجاوزت ذلك إلى شنّ عدوان مسلح على دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ما أحدث رعباً بين مواطني هذه الدول، وسبّب أضراراً مادّيةً وبشريةً من دون سابق إنذار ومن دون مبرّر. وقد أدانت الدول الخليجية المُعتدى عليها العدوان الإيراني على سيادتها، فهذا من حقوقها السيادية، لكنّ دولاً منها تجاهلت إدانة العدوان الإسرائيلي على إيران الذي كان السبب.
تملك الدول الخليجية وسائل متقدّمة لإلحاق الضرر بإيران، لكنها أكثر عقلانيةً
(2)
هناك اختلافات في بيانات الدول الخليجية المُعتدى عليها من حيث لغة الخطاب تجاه الفعل الإيراني؛ فبعضها اعتمد كلمة “عدوان” في خطابه السياسي وبعضها الآخر استخدم “استهداف”، وشتّان بين المصطلحين سياسياً. وفي خطابي هذا، أعتمد مصطلح “العدوان”، لأنّه حقيقةً يمثّل اعتداءً إيرانياً مسلّحاً من دون مبرّر على سيادة دول ترتبط معها بعلاقات دبلوماسية وعلاقة جوار، وليست في حالة حرب معها. وحتى في خلافاتها مع إيران، لم تستخدم العنف لاستعادة سيادتها على الجزر العربية التي احتلّها الشاه في 30 نوفمبر/ تشرين الثاني 1971. ومعروفٌ تاريخياً أيضاً أن إيران احتلّت دولةً عربيةً ذات سيادة في 1925، وهي دولة الأحواز المعروفة بـ”عربستان”، ولم ترفع دول الخليج العربية صوتها تأييداً لمطالب شعب عربستان في الاستقلال، أو حتى تستقبل طلّاباً منها للدراسة في جامعاتها أو مدارسها، مراعاةً لمشاعر إيران، ورغبةً في علاقات جوار حسنة. ورضينا بتسمية “الخليج” بدلاً من استخدام الاسم التاريخي “الخليج العربي” مسايرةً لإيران. ومع الأسف، إنهم في المقابل يعتبرون عدم مطالبتنا، وعدم العمل من أجل تحرير الجزر المشار إليها، وعدم مساعدة السكّان العرب في غرب إيران لاستعادة دولتهم العربية ضعفاً منّا لا غير.
وتبرّر القيادة السياسية في طهران عدوانها على دول الخليج العربية بأنّها تستهدف القواعد الأميركية في المنطقة، علماً أنّ هذه القواعد لم ينطلق منها عدوان على إيران، وإنّما جاء العدوان من حاملات الطائرات الأميركية في البحار والمحيط الهندي، وليس من أبراج سكنية في البحرين التي كانت من أهداف العدوان الإيراني، أو محطّة رادار في شمال قطر، أو القاعدة الأميركية في أقصى جنوب غربي قطر، ولا يوجد قاعدة عسكرية أميركية في مطار دبي المدني… يقيني أن الدول الخليجية قادرة بما تملك من وسائل قوة متقدّمة على إلحاق الضرر بإيران سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، انطلاقاً من مبدأ الدفاع عن النفس، لكن هذه الدول العربية أكثر عقلانيةً في التعامل مع جوارها الإيراني. وقد كانت عُمان من جديد الأهداف للعدوان الإيراني، علماً أنها الوسيط بين طهران وواشنطن في الوصول إلى تفاهم بعيداً عن الحرب، ولم تشفع لها جهودها. كما كانت قطر المحامي الصادق لإيران في المحافل الدولية، وكانت وسيطاً في قضايا إيرانية أميركية، وحقّقت إنجازات لصالح إيران، ومع ذلك لم تشفع لقطر هذه الجهود، علماً أن هذا هو العدوان الثاني على قطر من السلطات الإيرانية من دون أسباب جوهرية.
على دول مجلس التعاون مجتمعة إعادة النظر في صداقاتها مع بعض الدول، ومنها إيران والولايات المتحدة الأميركية
(3)
الإدارة الأميركية ثور هائج متوحّش في الساحة الدولية، فهي تختطف رئيس دولة ذات سيادة وزوجته من غرفة نومه وتجعله سجيناً لديها، مع أن فنزويلا ليست في حالة حرب مع الولايات المتحدة. كما حاولت هذه الإدارة الإساءة لضيفها، وهو مَلِك عربي، أمام كاميرات التلفزة العالمية من دون أيّ مبرّر، وهي تساوم دولة على سيادتها (أوكرانيا) لصالح دولة أخرى، وتشنّ حرباً مسلّحةً على إيران، مرّةً تحت ذريعة تجريدها من مشروعها النووي، وأخرى بغرض إسقاط النظام في طهران، ومرّة ثالثة عقاباً على قتل متظاهرين إيرانيين ضدّ حكومتهم. وأخيراً وصل تغير الأهداف إلى إعلان التخلّص من برنامج إيران الصاروخي. والحقّ أن الهدف الأعظم عند الرئيس الأميركي هو إرضاء إسرائيل طمعاً في الفوز بالانتخابات التكميلية المقبلة في نوفمبر/ تشرين الثاني.
آخر القول، على دول مجلس التعاون مجتمعة إعادة النظر في صداقاتها مع بعض الدول، ومنها إيران والولايات المتحدة الأميركية، وعلى الدول الخليجية التي تقيم علاقات مع إسرائيل إعادة النظر في تلك العلاقة، وإلا سنكون من النادمين.
المصدر: العربي الجديد






