مخاطر الطائفية السياسية على مستقبل سوريا الجديدة

عبد الله تركماني

لا تتحول التعددية الطائفية إلى مشكلة تهدد الدولة الوطنية إلا عندما تفتقر هذه الدولة لشروط بناء المواطنة المتساوية كإطار لتفاعل الأفراد، وغالباً ما تحاول هذه الدولة نفسها أن تغذّي العصبيات الأهلية أو تعبئها في سبيل تأمين قاعدة اجتماعية مضمونة لها.
وفي سوريا ما بدأته مراحل تكوُّن الدولة الحديثة من إعلاء شأن الوطنية السورية الجامعة عملت سلطة “آل الأسد” على تقويضه وتدميره، واليوم تحاول أطراف مؤثرة في السلطة المؤقتة حشد الأكثرية السنية مقابل المكوّنات الأخرى.
وجود الطوائف لا يعني وجود الطائفية بمعنى تحويل الطائفية لمشروع سياسي ومحاولة فرضه على مكوّنات المجتمع الأخرى، ولكن طالما أنّ الطائفية تعبير عن التعددية الطبيعية للمجتمع، فلماذا تتحول في سوريا إلى مصدر للأحقاد وخراب الدولة؟
ووفق تعريف د. برهان غليون في كتابه “مسألة الطائفية ومشكلة الأقليات”، فإنّ الطائفية السياسية هي التعبيرات السياسية للدين والتدين، أي الوجود السياسي للطوائف، وهي حتماً ترتكز على أرضية ثقافية واجتماعية ونفسية، كما يُسمّيها د. عزمي بشارة في أحد مقالاته “وعياً طائفياً اجتماعياً يومياً”.
وفي الواقع فإنّ وجود الطوائف لا يعني وجود الطائفية، بمعنى تحويل الطائفية لمشروع سياسي ومحاولة فرضه على مكوّنات المجتمع الأخرى، ولكن طالما أنّ الطائفية تعبير عن التعددية الطبيعية للمجتمع، فلماذا تتحول في سوريا إلى مصدر للأحقاد وخراب الدولة؟
إذ يبدو أنّ بنية السلطة المؤقتة تأسست على:
أولاً: دولة سلطانية تقوم على تبعية المجتمع الأهلي لها، والفتنة الأهلية الدائمة، وقد ظهر ذلك جلياً في مجزرتي الساحل والسويداء.
ثانياً: حجاب بنيوي بين “الدولة الظاهرة” (الموظفون التنفيذيون الذين لا سلطة لهم، ولا حرية) و”الدولة المخفية” (المركب السياسي، الأمني، المالي، الذي يملك القرار السياسي، وهو المنظمة الأكثر سرية وعنفاً وتطرفاً وصفته السنيّة حاسمة).
ثالثاً: احتكار تعريف الوطنية، بما تعني التكتم التام على الطائفية والممارسات المرتبطة بها، في حين أنّ “أخوة المنهج السلفي” هم الذين أعادوا إنتاج الانقسامات الطائفية وخفّضوا الوزن السياسي للرابطة الوطنية السورية الجامعة.
رابعاً: نظام الأمراء والشيوخ والأعيان وقضاء الحاجات، حيث يوجد نافذون في جماعاتهم المحلية أو الدينية يقومون بالوساطة بين هذه الجماعات ومركز الدولة المخفية، مما أتاح لكثير من هؤلاء أن يحققوا ثروات طائلة من خلال حصصهم في محاصيل الفساد المستشري في مفاصل الدولة وتحت مظلة صفقاتها المجزية، حتى صارت السلطة، في حقيقتها، نوعاً من الشراكة بين طبقة واسعة من الأثرياء والمتنفذين، بما فيهم بعض مافيات النظام البائد.
ولا شك أنّ سلطة “آل الأسد” شكّلت عصبية علوية سلطوية، عملت على اللعب في التنوع المجتمعي، وتحويله إلى أسوار عازلة بين مكوّناته، وذلك بأن يحظى بعض أبناء الطائفة العلوية بموقع متميز وقيادي في المؤسسة العسكرية وفي الأجهزة الأمنية.
وجود كثرة من العلويين في المفاصل الحيوية من سلطة “آل الأسد” ووجود نفوذ كبير لهم في مختلف دوائرها لا يعني أنها سلطة علوية، فماذا عن وجود أعداد كبيرة، بل نسبة أكبر بكثير من نسبة العلويين إلى مجموع الشعب، في عداد من دخلوا سجون تلك السلطة من المعارضين العلويين؟
وبذلك كانت الطائفية أداة حكم للبقاء في السلطة “إلى الأبد”، ونزع الصفة العامة للدولة وإنتاج الدولة الخاصة، القائمة على الولاء الشخصي، مع تطييف الركائز الأمنية والعسكرية للنظام. ولكنّ الطائفة العلوية كانت أسيرة لسلطة آل الأسد، وما نشهده اليوم أنها تحولت إلى “فلول” تستحق الملاحقة والتصفية.
إنّ وجود كثرة من العلويين في المفاصل الحيوية من سلطة “آل الأسد” ووجود نفوذ كبير لهم في مختلف دوائرها لا يعني أنها سلطة علوية، فماذا عن وجود أعداد كبيرة، بل نسبة أكبر بكثير من نسبة العلويين إلى مجموع الشعب، في عداد من دخلوا سجون تلك السلطة من المعارضين العلويين؟ ثم ماذا عن شركاء السلطة من غير العلويين ممن حققوا بنفوذهم وفسادهم ثروات طائلة لا تقل عما حققه النافذون الفاسدون من العلويين؟
إنّ الطائفية مسألة ممارسات وأفعال، وليست مسألة نيات وماهيات، فالمسألة ليست مسألة الطائفة العلوية، بل هي مسألة إحالة الدولة إلى مزرعة للفساد يرتع فيها النافذون على حساب الأكثرية الساحقة من الشعب الذي بذلت السلطة المؤقتة كل جهودها لتحويل أبنائه من مواطنين لدى الدولة المدنية الحديثة، إلى رعايا محكومين بالاستقطابات الطائفية والمذهبية.
المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى