المرايا المستوية والمعادلات السورية!

جمال الشوفي

لم يزل المشهد السياسي السوري لليوم يتحرك بكل الاتجاهات المحلية والدولية والإقليمية بشكل متسارع يكاد لا يهدأ ولا يلتقط أنفاسه. فاليوم يتم الحديث عن قرب الوصول لتفاهم أمني سوري إسرائيلي، مترافق مع دعم أميركي للإسراع بتنفيذه وتهدئة التهديدات العسكرية التي طالما حاولتها إسرائيل الفترة الماضية لتغيير معادلة أمنها الحدودي والإقليمي. كما ويتم الحديث عن مقاربات أخرى لحل ملف السويداء في الجنوب السوري وفقاً لخريطة الطريق الثلاثية والدور الأميركي الأردني في تنفيذها، ويبدو أن كلا الملفين مرتبطين ببعضهم بعضاً خاصة وأن إدارة ملف أحداث تموز في السويداء كانت وما زالت قابلة للاستثمار السياسي بطرق خبيثة خاصة من قبل إسرائيل. في حين بالجهة المقابلة برز ما كان متوقعاً في أحداث حلب بالشيخ مقصود والأشرفية وذلك بعد فشل المفاوضات الأخيرة حول إتمام اتفاق 10/اذار أو أول نيسان العام المنصرم بين السلطة السورية وقسد والدخول في مواجهة عسكرية جديدة؛ وليس فقط تعج مواقع التواصل الاجتماعي لتناول أحداث أمنية متعددة ربما يكون بعضها كبير ومهم وبعضها بات متكرراً بالمشهد السوري، وللأسف بات مألوفاً رغم آلامه. فالمشهد السوري وما ينتابه من تقلبات وتناقضات وفوضى متعددة الأطراف، بات علينا وضع عنوان واضح له: “الصراع على السلطة ومواقع النفوذ”، لكن!
لكن، ويبدو أنه سنكرر هذه الـ “لكن” كثيراً، هل ستأتي هذه المتغيرات والتناقضات والصراعات بنتيجة ما ترضي الأطراف السورية عامة؟ أم ستأتي لصالح طرف على حساب الآخرين؟ وما موقع المتغيرات الدولية في هذا المشهد السوري المعقد والمتراكب؟ والسؤال الأبرز في هذه الـ “لكن” هو هل هذه الصراعات ذات أرضية مادية بعينها كما حدثت نتيجة الثورات الأوروبية حين تبادلته طبقة النبلاء والبرجوازية والعمال والعسكر مثلاً؟ أم ستبقى رهينة أطرنا القَبلية وأساسها صراعات طائفية دون مفهوم الدولة وحسب؟
في الشرح الذي أقدمه للطلاب الجامعيين في مادة الضوء، وبغية إيصال فهم مطابق للحالة الفيزيائية الطبيعية للخيال الوهمي الذي تشكله المرآة المستوية، أستخدم مفردات حياتهم اليومية السورية: تستيقظ نشيطاً، تغسل وجهك وتتجه لمرآتك، طالباً أو طالبة، وتبدأ بترتيب وجهك وشعرك، ويسرد بك الخيال: ما أجملني، ما أحلاني، حين سأدخل الجامعة الآن ستمشي خلفي جحافل الطلاب/الطالبات! كل وخياله…. ولكن ما أن يخرج الطالب من منزله بعد جولة من الخيال الخصب، يُفاجئه سائق السرفيس بالقول: لا تسكر الباب بقوة يا “فهمان”! ويتكرر المشهد على الحواجز متعددة الأشكال والألوان… والذهول يقتات من حلم الجمال الذي يحمله ويقرضه الواقع رويداً رويداً. وفي باحة الجامعة، كلٌ منشغل في همومه والرؤوس ملتوية بين الأكتاف. يا للعجب، أين ذهب كل الجمال وخيالاته؟ أين جحافل الطلاب/الطالبات التي تلاحقني فتنةً وجمالاً! وهنا أتابع شرح الفيزياء مكثفة في مقاربتها لحياتنا السياسية: إنه وهم المرآة المستوية، فخيال المرآة وهمي وليس حقيقي رغم أنها تعكس الواقع بشكله الخارجي! وكلٌ ينظر لنفسه بعين ذاته وحسب فيصيبه دوار الوهم الذي تشكله المرآة مجرد خيال! بينما للواقع أبعاد مختلفة لا تعكسها تلك المرآة المستوية، ولنقل حياتياً: إنه الاكتفاء برؤية أنفسنا دون الآخر فماذا بعد؟
رؤية الذات، الفردية، الجماعية، العامة، السياسية، الفكرية، الأدبية، الشعرية وأي ذات تتشكل أو تشكلت واستوت على ما هي عليه لذاتها نُصفها وهمٌ، والنصف الآخر اختلاط بين المعرفة والحقيقة من جهة والقدرة على الموضوعية، والتي تسمى بالشفافية أو النقاء في مستويات الذات من جهة أخرى. في حين تقييم الذات، أو أي مشروع خاصة السياسي، يحدث عندما يُنظر لها بعيون الآخرين والمعايير المادية…. وحيث لا يمكن مقاربة الفعاليات الحيوية البشرية على أنها مجرد عمليات طبيعية ميكانيكية مباشرة النتيجة، لكن يمكن بكل حال اعتبار العمليات الطبيعية ونماذجها العلمية كعمليات حيوية للإنسان تفيد في تقييمه لإنتاجه وحضوره الوجودي. فإن كانت الرؤية من خلال المرآة المحدبة دلالة تضخيم، والمقعرة دلالة تقزيم وتصغير، فالمرآة المستوية دلالة وهم! في حين أن رؤية التعدد الثقافي والديني وغناه المجتمعي يمكن تطويره لمنظومة قانونية تسمى المواطنة، تلغي الوهم وتعتمد التعدد، تلغي رؤية مظلوميتي وفقط، سنية كانت أو كردية أو درزية أو غيرها … في حين تبحث عن مظلومية السوري بذاته العامة، بحقوقه المدنية والسياسية، هو ما زلنا نفتقره لليوم بسوريا! ما يجعل أحداث الشيخ مقصود والأشرفية اليوم متكررة بأكثر من طريقة بسوريا ما بعد الثورة ومن ذات البوابة: كل يقف عند مظلوميته وحقه وفقط فيما فكرة الحق العام لم تتشكل بعد!
الوهم اليوم يقتات من كل السوريين: وهم هيمنة القوة سواء كانت سلطوية أو انفصالية أو عرقية أو دينية طائفية، هو المشهد الذي يعكس خلفه انفجار الهويات ما دون الوطنية لسدة الصراع في سوريا.
والمؤلم في هذا قدرة الدول الخارجية على النفوذ بين هذه الهويات المتصارعة طائفياً والمساهمة في تحريك أحداث الواقع السوري واستثماره بكل حرفية ومكر. في حين نغط نحن في غفلة من التاريخ وعطالة عن الزمن والإنتاج في صراع محلي سيكون الجميع فيه خاسر، وستشكل هذه الصراعات بمجموعها مرحلة قاتمة من المشهد السياسي السوري يدفع ثمنه المدنيون للأسف مرات ومرات. والوهم السياسي ونزعة التفوق الطائفي الديني هو عنوان المرحلة المحمول عسكرياً على صراعات دامية، أياً كان مسببها ومفتعلها. ونتائجها هي حصاد وهم التفوق وحسب، فالتاريخ معياره الأساسي تحقيق خط الاستقرار العمومي، في حين فوضى الصراعات عنوان لتقويض الاستقرار والفوز بالمكاسب، وهذه أيضاً بذاتها وهمٌ مركب. فالاقتضاء السوري بتنوعه العام والمعادلات الدولية والإقليمية فيها من الصعب أن تحسم مواقفها من سوريا مع جهة وحيدة وفقط أياً كان لونها أو عرقها، بقدر إدارة لعبة الصراع وتحقيق مكاسبها الخاصة المبنية على تأجيج وهمنا الذاتوي الطائفي السياسي. هذا ولم ندخل في سلسلة الوهم الوجودي الفردي، حيث كل فرد يغالب رؤاه في أن يصبح ذو سلطة ما، أو نموذج فريد في الحياة، ورغم أنه حق الفرد والحياة، لكن ثمة ما يمكن أن يقال في هذا السياق بطريقة مختلفة تعكسها التفاعلات والإنجازات الإيجابية للفرد في محيطه مع الآخرين!
الصراعات الجارية اليوم، وأي صراع عسكري سوري-سوري، يبدو أنه وفق صموئيل هنتغتغون صراع المكاسب والمصالح المادية، لكنه أبداً ليس صراع حضارات كما يحاول أن يروج له بعض السياسيين هنا وهناك، فإن كان بإحدى أوجهه صراعا بين السلطة مركزية الطابع وسلطات طرفية متعددة، لكنه بذات الوقت صراع مكاسب كان يمكن تلافيه بالحوار ووضع مصلحة المواطن السوري أولاً قبل أي مكسب سلطوي هنا أو هناك، مركزي مهيمن أو طرفي انفصالي.
من نافلة القول أن نقول أن المرايا تكذب! لكنها تخدع، والمشكلة الأكبر الاستمرار بالوهم والخداع للذات قبل الآخرين، فهذه سياسة تدوّر الوهم وتجعله سلعة للبيع والشراء، في حين حال السوريين الحقيقيين يقول: دعونا ننظر بأعين بعضنا، في محننا في آلامنا، في تاريخنا في حاضرنا وألا نكتفِ من رؤية أنفسنا بمرايانا المستوية! فنحن اليوم بحاجة ملحة لخطاب سوري يعكس رؤانا جميعاً في إطار مختلف عن أوهام الرؤى المنفردة وحسب…

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى