
تبرز المعاهدات السياسية والعسكرية بصفتها المثال الأكثر وضوحا للواقعية السياسية، تلك الواقعية المبنية على قراءة موضوعية للمعطيات العسكرية والسياسية والاقتصادية- الاجتماعية، واستنتاج الحلول والاجابات المؤقتة التي يمكن أن تعمل كرافعة صعودا نحو تراكم القوة وبالتالي تغيير موازين القوى لصالح طرف من الأطراف.
وفي التاريخ العربي الاسلامي أكثر من مثال حول ذلك النهج أبرزه صلح الحديبية الذي نص على هدنة عشر سنوات بين قريش والمسلمين وكانت بنوده الظاهرة لصالح قريش لكنه كان في النهاية لصالح المسلمين، وهناك صلح بريست ليتوفسك الذي وقعته الدولة الروسية بعد ثورة أكتوبر البلشفية وتخلت فيه عن طموحات روسيا القيصرية في أوكرانيا، وبولندا وفنلندا وليتوانيا واستونيا ولاتفيا، كل ذلك مقابل إنهاء الحرب لتتمكن الدولة الروسية الجديدة من النهوض وبناء اقتصادها بسلام. لكن الروس أصروا على عدم التنازل عن الأراضي الروسية وقبلت ذلك دول المحور وهكذا وقعت المعاهدة التاريخية.
بدون شك فإن وضع الدولة السورية الناشئة يستوجب كف يد اسرائيل عن تهديد سورية، والتدخل في أوضاعها الداخلية، خاصة بعد أن اتضح أن كافة خيوط الحركات الانفصالية تنتهي عند تل أبيب، وأن اليمين الاسرائيلي الحاكم يرغب في رؤية سورية ضعيفة وغارقة في الحروب الأهلية وصولا للتقسيم.
والجميع يعرف أن الدولة الوحيدة القادرة على كبح جماح نتنياهو وحكومته هي الولايات المتحدة الأمريكية، وأن الولايات المتحدة لن تتمكن من كبح جماح حكومة اليمين الاسرائيلي سوى بتقديم بديل يتمثل في ضمان أمن حدود اسرائيل الشمالية مع سورية والجولان المحتل بعد العام 1967 .
من أجل ذلك كان مبررا ومفهوما توجه السياسة السورية الخارجية نحو عقد معاهدة تعيد تفعيل اتفاق فصل القوات للعام 1974 وبالتالي انسحاب اسرائيل من المنطقة منزوعة السلاح التي احتلتها ضمن الأراضي السورية والاعتراف بسيادة الدولة السورية والكف عن أعمال التوغل والاعتداء على الأجواء السورية وقصف الأهداف العسكرية والاستراتيجية.
تسعى الحركات الانفصالية وفلول النظام البائد والمعارضات التي تعمل لهدم الدولة السورية للحشد والتعبئة ضد الدولة السورية في مزاودات رخيصة ومكشوفة في حين ينكشف كل يوم مدى ارتمائها في الحضن الاسرائيلي وتهافتها على نيل رضى الحكومة الاسرائيلية وعرض خدماتها دون أي تحفظ لتأمين دعم اسرائيل لإسقاط الدولة السورية.
لكن الشعب السوري في أغلبيته الساحقة لم يظهر أي اهتمام بمزايدات أعداء الداخل، بل قابل تلك المزايدات بازدراء كامل.
مع ذلك فلابد من الفصل بين مسألة تفعيل اتفاق فصل القوات لتأمين كف يد اسرائيل عن العدوان والتدخل في سورية وبين مسألة التطبيع مع اسرائيل التي تخضع لاعتبارات أخرى تتصل بالجولان المحتل وبالقضية الفلسطينية.
كما أن مسألة التطبيع لا يمكن مناقشتها بدون الانتهاء من المرحلة الانتقالية، وانتخاب جمعية تأسيسية تمثل الشعب السوري تمثيلا ديمقراطيا، فهي وحدها المؤهلة لاتخاذ مثل تلك القرارات المصيرية التي تمس مستقبل سورية دولة وشعبا.
وغني عن القول إن مجلس الشعب الحالي هو مجلس مؤقت ينسجم مع ضرورات المرحلة المؤقتة في طريقة تشكيله وصلاحياته ولا يمكن تصور أن صلاحياته تتسع لمناقشة وإقرار مسألة التطبيع مع اسرائيل.


