الدراما السورية.. بين تمثيل الضحية والتمثيل عليها في زمن الجرح المفتوح

ضاهر عيطة

أيعلمُ القائمون على شؤونِ الدراما السورية أنّها، في أساسها، سواء أكانت تراجيدية أم كوميدية، هي ثقافة وفنّ ودين وسياسة، وليست مجرّد ترفيه وتسلية؟ هكذا تعامل معها الفراعنة والإغريق والرومان، وكافة أنظمة الحكم على مدار تعاقب حضارات العالم. وفي الحضارة الحديثة، بعد أن وُجدت الكاميرا والسينما والتلفزيون، احتضنت هذه الوسائط جانبًا كبيرًا من الدراما، وأخذت على عاتقها ما كان مرهونًا بالمسرح وحده. فتحرّرت الدراما من الفضاء الثابت، وانتقلت إلى فضاءات أرحب. ومنذ ذلك الحين، لم تعد الدراما مجرّد فنّ للفرجة أو وعاءً للثقافة والسياسة فحسب، بل غدت أيضًا صناعةً وتجارةً.
ولعلّ كثيرين يعلمون أنّ هوليوود تُعدّ من أعرق المؤسسات العالمية في إنتاج الدراما، بما تمتلكه من شركات واستوديوهات ومنتجين ومبدعين، ظلّوا، على مدار عقود وما زالوا، ينتجون كمًّا هائلًا من الأفلام والمسلسلات. استطاعت الولايات المتحدة الأميركية، من خلال هذه الصناعة، أن تجعل المتخيَّل تاريخًا لها، تصوغ له رموزًا وأساطير وقيمًا وأخلاقًا، وأن تمنح المواطن الأميركي منزلةً عليا، فتصوّره بوصفه الإله الحديث والمخلّص الأوحد على هذه الأرض. وهكذا صاغت ثقافةً وسياسةً في خدمة مشاريعها وأهدافها، هذا فضلًا عن تريليونات الدولارات التي تصبّ في خزائنها من هذه الصناعة.
وقد سارت معظم دول العالم في الاتجاه ذاته، إذ تعاملت مع الدراما بوصفها صناعةً استراتيجيةً.
أي إنّ الدراما ليست لعبةً يتسلّى بها الأطفال، بل هي ثروة، وعصب اجتماعي، وفكر، وفن، وثقافة، وسياسة. وسوريا أحوج ما تكون إلى مثل هذه الصناعة. لكنّ الصناعة لا يمكن أن تجدي نفعًا، لا في الثقافة ولا في السياسة ولا في الربح، إذا جاءت بمنتج غير مدروس، لا في تصميم شكله ولا في سباكة مضمونه.
وهنا قد نفهم أنّ العديد من الأعمال الدرامية السورية التي بدأت تُعرض على الشاشات مع مطلع شهر رمضان صُنعت على عجل، ومن دون دراسة وافية، وذلك بحكم الظروف وضغوط الزمن، وهو ما بدا واضحًا للعيان في الشكل الذي أتت به. ولكن ماذا عن المضمون؟ عن ما وراء الشكل، ذلك الذي يحاكي الوعي والضمير، وما يُفترض أنّه البوصلة التي تروم الدراما السورية المضيَّ إليها في المستقبل؟
أن تكون الغاية الأولى من هذا التبنّي تلميعَ صور ووجوه البعض، تلك العالقة في ذاكرة المشاهدين، وإن جاء ذلك على حساب التعتيم على صور ووجوه الضحايا وتركها عالقةً في الضباب، فهذه خطيئة كبيرة..
وللحقيقة، إذا ما أمعنّا النظر في الأعمال التي تناولت الحقبة الأسدية وسردية الثورة السورية، سنجد أنّها وضعت نفسها في محنة كبيرة، ووقعت في خطايا عديدة، سواء في حقل الثقافة والسياسة، أم في امتحان الترفيه والتسلية. وربما سيجعلها هذا صناعةً غير صالحة، لا للعرض ولا للطلب، ولن تُدرَّ دخلًا وطنيًا، إلا ما قد يستقرّ في جيوب الممثلين من أجور وأرزاق أتتهم من جرّاء اشتغالهم على أدوار تتبنّى سردية الثورة والضحايا، وهو جهد عظيم يُشكرون عليه.
لكن أن تكون الغاية الأولى من هذا التبنّي تلميعَ صور ووجوه البعض، تلك العالقة في ذاكرة المشاهدين، وإن جاء ذلك على حساب التعتيم على صور ووجوه الضحايا وتركها عالقةً في الضباب، فهذه خطيئة كبيرة، سيّما وأنّ هذه الأعمال كانت قد تصدّت لموضوعة حدث سوري فظيع ورهيب وجليل، ولم تزل آثاره وأحداثه مستمرة حتى لحظة تصويرها. بالكاد كان المشاهد ينزف دمًا ودمعًا، وربما على بُعد متر أو مترين من موقع التصوير، ونزيفه لم يزل مستمرًا، وكذا حال الأرض والأبنية الغارقة في الخراب والحطام.
لكن القائمين على هذه الأعمال بدوا، فيما قدّموه حتى الآن، وكأنّهم يسردون حكايةً غائرةً في عمق التاريخ، لم يبقَ منها غير فتات أحداث يمكن سردها بخفّة وبساطة، وأحيانًا بسخرية وإسفاف ظهرت ملامحهما في الحوارات والمشاهد والأداء والأحاسيس. وإذا ما تمّ الانتقال من شارع إلى شارع، ومن حيّ إلى حيّ، ومن بيت إلى بيت، ومن سجن إلى سجن، ومن جلّاد إلى جلّاد، ومن ضحية إلى أخرى، يُمثّل الممثل، ومعه المكان والزمان، أنّهم يتألّمون ويتعذّبون ويعانون، وكأنّ المخرج ومهندس الديكور وغيرهما لا يعلمون أنّهم، إذا ما أتوا بممثل دعم الإبادة الأسدية، فمهما ابتكروا وأبدعوا، ومهما سكب الممثل من عرق ودمع، فلن يُصدّقه المشاهد، وسيكتشف أنّه يكذب عليه، لأنّه سيقارنه بالدور الذي كان يؤدّيه في واقع الحياة السورية. ومهما صرخ وصاح وهو يؤدّي الدور، فلن يصدّقه الذي كان يؤدّيه في واقع الحياة السورية. وبذلك، مهما بذل الممثل من جهد ليبرّئ نفسه ممّا كان غارقًا فيه من إثم، لن يفلح.
قد يظنّ مثل هذا الممثل أنّ المشاهد سيغضّ الطرف عن ماضيه من خلال الفن، لكنّه مخطئ في ظنّه؛ إذ إنّ الدور بحدّ ذاته أكبر منه ويرفضه، وسرعان ما يجد نفسه وقد وقع في مستنقع خيانة الفن. وهو يعلم، خصوصًا إذا ما كان دارسًا أكاديميًا للفن، أنّ فنّ التمثيل ليس مجرّد أداء دور، إنّما هو موقف إنساني إزاء حدث يجري في هذه الحياة. وإلّا، فلماذا درس وحلّل واشتغل على الشخصيات التي مثّلها حين كان طالبًا؟ ومن المفترض أنّه على علم تام بأنّ الممثل، حين يؤدّي دورًا، إنّما يُجسّد موقف شخصية من حدثٍ يجري في الحياة، لا موقفه هو.
ولهذا ربما بات من الضروري أن يضع الممثل في اعتباره، حين يقف أمام الكاميرا ليمثّل، أنّه لا يفعل ذلك ليراه الناس هو، إنّما ليروا الشخصية التي يؤدّيها. فهم بدورهم كانوا قد درسوا وحلّلوا شخصيته على مدار أربعة عشر عامًا، وعرفوا مواقفه في الثورة السورية، ولذلك صار لا يؤدّي، في رؤوسهم وعقولهم، إلّا ذلك الدور. وهذا ما سيُضعف من حضور الشخصية المؤدّاة.
وما دامت واحدة من خطايا بعض الأعمال الدرامية السورية عالقةً في هذا الجانب، فلنا أن نسأل: كيف تمّ توزيع الأدوار فيها لأولئك الذين ساندوا الإبادة الأسدية؟ أهو عمل قصدي، أم إكراه مُورس على لجنة صناعة الدراما السورية؟ أم أنّ ذلك نابع عن قلّة وعي وخبرة؟
ولنا هنا أيضًا أن نتذكّر ما حدث قبل شهور، حين عبّر السوريون عن استنكارهم لما رُوِّج عن مسلسل «قيصر»، ورفضهم تناول موضوعة المعتقلات على هذا النحو من الاستغلال والاستخفاف. وكانت لجنة صناعة الدراما قد وعدت بإيقاف العمل والنظر فيه، ليعود ويُنتَج كاملًا تحت عنوان فرعي «لا زمان ولا مكان» كتبرير وتمريرٍ للمسلسل، في حين أنّ صور بشار الأسد مُعلَّقة على الجدران، وقد طُعِّم بأغنية أدّتها أصالة نصري، ليُصار أخيرًا إلى بثّه على الشاشات كوجبة درامية للصائمين والسكارى والجرحى وذوي الضحايا والمفقودين. ألا يشير هذا إلى أنّ هناك شيئًا خطيرًا يحدث في الخفاء؟
والخطيئة الثانية لا تقلّ فداحةً عن الأولى، حين يرى المشاهدون عذاباتهم وآلامهم في مثل تلك الأعمال وقد تحوّلت إلى مشاهد تختزل حكاياتهم ومآسيهم في مادة للترفيه والتسلية والتبرئة، يُساء فيها إلى ذاكرتهم وتاريخهم بأسلوب طرحٍ تخلّله كثير من الألفاظ النابية والصراخ والعنف والتعذيب والدم. أفلا يعي القائمون على صناعة الدراما السورية أنّ المشاهدين الضحايا، وما أكثرهم في سوريا، سوف يموتون ويُذبحون ألف مرة حين يأتي من كان يصفّق لموتهم وذبحهم وينكر عذاباتهم ليمثّل دورهم في الدراما؟ وحين يرون ما جرى لهم في المعتقلات، ولا سيّما مع النساء، يُعاد تمثيله بهذه السوقية وبهذا الاستخفاف؟
هي المرّة الأولى التي يلتفت فيها السوريون إلى مقاطعة الأعمال الدرامية، وقد أدركوا أخيرًا أنّها لا بدّ أن تكون جزءًا منهم، ومعبّرةً عنهم..
ولعلّ هذا وغيره ما دفع البعض من السوريات والسوريين إلى إطلاق حملات لمقاطعة المسلسلات التي استغلّت عناوينها وأحداثها للمتاجرة بآلامهم وعذاباتهم وذكرياتهم الموجعة.
قد تبدو مثل هذه الدعوات أمرًا عاديًا للوهلة الأولى، بوصف المشاهدين ناجين من سجون الأسد، ولديهم أبناء وبنات وآباء وأمهات وأشقاء وشقيقات قضوا شهداء في المعتقلات وتحت البراميل وفي البحار. غير أنّها، في جانب منها، ليست كذلك على الإطلاق، إنّما تُعدّ حدثًا عظيمًا في حياة السوريين، يدلّ على أنّ وعيًا جديدًا يتشكّل لديهم، تأسّس من ثمن التضحيات الفادحة التي دفعوها في ثورتهم.
فهي المرّة الأولى التي يلتفت فيها السوريون إلى مقاطعة الأعمال الدرامية، وقد أدركوا أخيرًا أنّها لا بدّ أن تكون جزءًا منهم، ومعبّرةً عنهم، وحاجتهم إليها مثل احتياجهم إلى الماء والخبز والطحين. ولن يقبلوا بعد اليوم أن تعود وتُفرض عليهم من فوق كما في الحقبة الأسدية، حين كان يُمثَّل الممثل لأجل السلطة ولأجل نفسه. ومن هنا يقتضي الأمر من العاملين في الشأن الدرامي أن يعيدوا حساباتهم في كلّ ما يفعلون ويصنعون.
بتواضع شديد، أقترح على الممثلات والممثلين ممّن وقعوا في خطيئة التأييد للإبادة الأسدية، ولأجل أن يتحرّروا من أدوارهم العالقة في عقول السوريين، أن يطالبوا الجهات المعنية بأن تُنتج لهم سلسلة حلقات وثائقية يُستضافون فيها فردًا فردًا، من قبل صوتٍ مجهول يمثّل صوت الضحايا، ويُترك لكلّ واحدٍ منهم أن يقف فيها وجهًا لوجه أمام الكاميرا، وتُطرح عليه الأسئلة ليجيب عنها. فإذا ما راجعوا حكايتهم مع الماضي ووجدوا أنّ ثمّة خطأً فادحًا كانوا قد وقعوا فيه، فلينحنوا أمام الكاميرا ويعتذروا من الضحايا السوريين. أمّا ما دون ذلك، فباعتقادي الشخصي من الصعب عليهم الخروج من هذا المأزق.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى