
بعد تحرير سوريا من آل الأسد، عمدت القيادة الجديدة إلى اتخاذ سلسلة قرارات حاسمة لاستكمال تفكيك البنية الصلبة للنظام السابق؛ فقد تم حلّ الجيش التابع له، والأجهزة الأمنية والاستخباراتية، وإقصاء كثير من المفاصل الأساسية في عموده الفقري التي ظلّت تتحكم بكل مفاصل الحياة لعقود. لم يكن ذلك مجرد إجراء إداري، بل كان تعبيرًا عن إرادة سياسية تهدف إلى منع فكر النظام المخلوع وذهنيته من التسلل إلى جسد الدولة الجديدة، والتأثير في مشروعها الرامي إلى بناء سوريا لا تشبه حقبة الأسد.
كان الحرص واضحًا على قطع الصلة نهائيًا مع المنظومة القديمة، وفتح المجال أمام دولة لا تربطها بالماضي إلا دروسه القاسية، غير أن هذا التفكيك لم يشمل أحد أخطر أذرع النظام السابقة وأكثرها نفاذًا وتأثيرًا: الدراما. فالدراما في عهد الأسد لم تكن مجرد صناعة ترفيهية أو نشاطًا ثقافيًا محايدًا، بل كانت جزءًا من منظومة هدفت إلى تثبيت الرواية الرسمية، وأداة من أدوات القوة الناعمة التي لا تقل أثرًا عن المؤسسة العسكرية أو الأجهزة الأمنية، بل قد تفوقها تأثيرًا. إنها السلاح البارد الذي لا يُرى وهو يدخل المعركة، لكنه يترك أثره عميقًا في الوعي الجمعي، ويعيد تشكيل الإدراك العام للأحداث والوقائع على مقاس ذلك النظام.
الأمر هنا يتعلق بالمصداقية؛ إذ لا مصداقية لدراما يؤديها ممثلون ويديرها مخرجون كانوا مرتبطين بشكل أساسي بالأسد ونظامه، بحسب معظم ردود الأفعال التي صدرت عن الجمهور السوري حتى الآن.
لقد لعبت الدراما دورًا مزدوجًا: تجاريًا من جهة، وسياسيًا غير مباشر من جهة أخرى، عمدت من خلاله إلى تسطيح العقول وتسخيف المأساة السورية، وحصرها في إطار “الفساد الإداري” أو “التجاوزات الفردية”، متجاهلة البنية العنيفة للنظام ذاته. وحتى الأعمال التي صُنّفت بوصفها جريئة أو ناقدة، مثل مسلسل كسر عضم، لم تخرج في جوهرها عن هذا الإطار، إذ أعادت تصوير المشهد السوري بوصفه أزمة فساد حكومي، لا مأساة نظام قائم على القتل والقمع.
كان الفساد يُنسب دائمًا إلى شخصيات دنيا أو متنفذين محدودين، في حين تظهر القيادات العليا في صورة الراغبة في الإصلاح، وكأنها خارج البنية التي أنتجتها. وهنا تكمن الحيلة الأشد خطورة: السماح بالتجرؤ على “الحكومة” بوصفها سلة المهملات التي تُرمى فيها أخطاء القيادة، مقابل تحصين “القيادة” من أي مساءلة أو نقد.
الهدف المركزي للدراما في عهد الأسد كان تثبيت الانتصار على كل الأصعدة: السياسي، والعسكري، والأخطر: الأخلاقي. سواء كان صانعو الدراما مجبرين أو متطوعين، كانت النتيجة واحدة: تلميع صورة الأسد وتصويره كبطل يمتلك الشرعية السياسية والأخلاقية. في حين معظم الفنانين لم يكن لديهم موقف أصيل مما كان يحدث، وكان عملهم قائمًا على الارتزاق والانتهازية. حتى أولئك الذين حاولوا توجيه النقد بشكل غير مباشر كانوا، في النهاية، يرمون باللوم على الثورة ويحمّلونها نتائج الخراب والدمار.
اليوم، بعد سقوط الأسد، تواجه الدراما السورية اختبارًا وجوديًا؛ إذ لا يكفي مجرد حرية طرح المواضيع أو الجرأة في النقد، بل يجب إعادة بناء “المطبخ الدرامي” نفسه وتنظيفه من كل البقايا العالقة والارتباطات السابقة. وهذا يعني استبعاد كل من أسهم بشكل فعّال في تشويه الحقائق أو التغطية على الجرائم السابقة، خاصة في الأعمال التي تتناول الثورة أو الشأن السوري العام. إن لم يتم ذلك، فإن الفلول “الفصائل الدرامية”، الذين ما يزالون متألمين لرحيل الأسد، سيحاولون الالتفاف من جديد لإعادة حالة النفاق معيارًا وحيدًا للصناعة الدرامية، وسيواصلون فرض أطرهم ومبادئهم على الصناعة، مستفيدين من نفوذهم القديم، ومستمرّين في تشويه الحدث السوري، حتى وإن أعلنوا ندمهم أو تظاهروا بالرضا والانتماء للحياة السورية الجديدة.
المهمة الأساسية لدراما ما بعد الأسد ليست فقط نقد الماضي، بل إنتاج دراما نظيفة قادرة على تمثيل الواقع السوري بصدق، وخدمة القضية الوطنية، وبناء وعي حقيقي للمواطن السوري. ولتحقيق ذلك، يجب نخل العناصر المسيئة والمرتزقة واستبعادهم من دوائر الإنتاج، على الأقل في الأعمال التي تتحدث عن الثورة، بحيث لا تتكرر أخطاء الماضي التي شوّهت الحدث السوري على مدى أربعة عشر عامًا من الثورة، وضمنت بقاء الروايات المضللة حيّة في وعي الجمهور.
إن الاختبار الأول للدولة الجديدة لا يكمن في هدم المؤسسات القديمة فحسب، بل في إعادة بناء الوعي. والدراما، بما تمثله من قوة ناعمة، ستكون أحد أهم ميادين هذا الاختبار.
الأعمال الدرامية التي قُدّمت في شهر رمضان المبارك لهذا العام، والتي تناولت الثورة السورية بشكل مباشر، وتحديدًا سجون صيدنايا، لاقى بعضها رفضًا كبيرًا من قبل الجمهور ومن قبل أهالي المعتقلين، وأثار ذلك حالة واسعة من الجدل، وأوجع الكثير من أهالي الضحايا، وتسبب بالألم للضحايا أنفسهم أو للناجين الذين كانوا ضحايا للنظام السابق.
النقطة الأساسية في هذا الأمر تتعلق بإعادة إنتاج نجوم الأسد مرة جديدة في الأعمال التي تتحدث عن جرائم الأسد، التي كان هؤلاء النجوم يدعمونها بقوة. الأمر هنا يتعلق بالمصداقية؛ إذ لا مصداقية لدراما يؤديها ممثلون ويديرها مخرجون كانوا مرتبطين بشكل أساسي بالأسد ونظامه، بحسب معظم ردود الأفعال التي صدرت عن الجمهور السوري حتى الآن.
نحن اليوم في مفترق طرق، وإذا كان هناك أخطاء كبيرة بهذا الحجم في الموسم الدرامي خلال هذه السنة، فيجب أن تكون هناك مراجعة شاملة من قبل القائمين على الأعمال الدرامية..
لا شك أن هناك بعض المجبرين الذين لم يكونوا يعارضون الأسد، وهؤلاء لا يستفزون الجمهور بشكل أساسي. ولكن كبار الشبيحة، وكبار الداعمين للأسد من الفنانين الذين كانوا يسخرون من الشعب السوري وثورته وآلامه، ولا يعترفون بوجعه ولا بقتله، بل على العكس كانوا يحمّلون الضحايا كل المسؤولية عما يحصل في سوريا، وكانوا يشتمون الثوار ويسهمون في تشويه سمعتهم؛ هؤلاء النجوم الذين لعبوا دورًا كبيرًا في محاولة تثبيت رواية الأسد آنذاك، وأيضًا في محاولة تثبيت تفوقه وانتصاره الأخلاقي، هم محور اعتراض الجمهور.
فأن يلعب هؤلاء دور الضحية، أو حتى دور السجّان أو دور المجرم، وكأنهم كانوا منقطعين عن تلك الفترة، أو كأنهم ثوار، أو كأنهم كانوا يدعمون الثورة، فهو قمة الاستفزاز بصرف النظر عن الأداء التمثيلي. فكل ممثل قوي يستطيع أن يؤدي دورًا قد يكون عكس تركيبته، ولكن المشكلة هنا في الموقف الأخلاقي وفي المصداقية التي يفتقدها الجمهور اليوم. فكيف له أن يرى من كان يسخر من جراحه وآلامه ويحرّض على قتله، ثم يتقبله اليوم وهو يقوم بدور يناصر فيه الثورة ويدين النظام السابق؟ هنا نقطة فارقة.
ولو أن إنتاج هذه المسلسلات أتى بعد عدة سنوات على سقوط النظام، لكانت جراح الضحايا قد بردت قليلًا، وبالتالي قد يكون إعادة تصدير هؤلاء الفنانين إلى الواجهة وقيامهم بأدوار تنتمي للثورة السورية مقبولًا في هذا السياق. ولكن أن يشارك هؤلاء في أول النماذج الدرامية التي تم تقديمها بعد الثورة، فذلك سيلعب دورًا سلبيًا في نقطتين: أولهما عدم المصداقية، وثانيهما نكء الجراح لدى الضحايا، لأن من يتحدث عن مأساتهم هم أنفسهم من أسهموا في التسبب بها أو في دعم استمرار تلك المأساة، ودعموا الجلاد في إهانته للضحية.
نحن اليوم في مفترق طرق، وإذا كان هناك أخطاء كبيرة بهذا الحجم في الموسم الدرامي خلال هذه السنة، فيجب أن تكون هناك مراجعة شاملة من قبل القائمين على الأعمال الدرامية، ومن قبل المشرفين على صناعة هذه الأعمال، مع توخي الدقة والحذر في طريقة طرح القضايا، وطريقة طرح أو تصدير الفنانين الذين سيساهمون أو سيشاركون في أعمال الموسم القادم. ومن دون ذلك سيُعاد إنتاج النمط القديم على يد هؤلاء المتحكمين بالدراما الذين ينتمون، حقيقةً، إلى النظام القديم، سواء في ذهنية الإنتاج أو في البعد الأخلاقي القديم. وهؤلاء لا يمكن التعويل عليهم في صناعة دراما نظيفة.
المصدر: تلفزيون سوريا






