لم نصل بعد إلى “ناتو” عربي إسلامي…

ماجد عزام

أعلنت تركيا رسمياً، نهاية الشهر الماضي (يناير/ كانون الثاني)، الدخول في مفاوضات مع باكستان والسعودية للانضمام إلى اتفاقية الدفاع المشترك بين إسلام أباد والرياض، قبل أن يتحوّل الأمر باتجاه العمل على اتفاقيات وتفاهمات ثنائية بين أطراف عربية وإسلامية عدّة لتشكيل تحالف واسع، ولكن راسخ، على قاعدة دفاع دول وأهل المنطقة عن مصالحها وحفظ الأمن والاستقرار فيها بعيداً عن تدخّل القوى الأجنبية المؤذي والضار، إذ لا تقتصر الفكرة على التوافق الثلاثي التركي السعودي الباكستاني، وإنما يجرى الحديث عن انضمام أو علاقة بين مصر وقطر والدول الخليجية مع التحالف أو التحالفات المنتظرة، وضمن المنطق نفسه الذي طرحه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في منتدى دافوس الاقتصادي الشهر الماضي، ولاحظ ضرورة دفاع ما سمّاها “الدول متوسّطة القوة” عن أمنها ومصالحها إثر انهيار “أكاذيب” النظام الدولي السابق الذي نشأ مع نهاية الحرب العالمية الثانية في 1945، وهيمنت من خلاله الولايات المتحدة على القرارات والسياسات الدولية، وتكفّلت بالدفاع عن مصالحها ومصالح حلفائها حتى في حال التناقض مع الشرعية والمواثيق الدولية، كما أقرّ كارني حرفياً.
استندت فكرة الاتفاق/ التحالف الثلاثي الجديد إلى قاعدة السعي إلى ملء الفراغ الإقليمي في الحوض العربي الإسلامي
إذن، أعلنت تركيا رسمياً وعلناً، وعلى لسان وزير الخارجية هاكان فيدان، دخولها في مفاوضات للانضمام إلى اتفاقية الدفاع المشترك بين باكستان والسعودية، وأن المفاوضات باتت في مراحلها الأخيرة. كانت اتفاقية الدفاع المشترك السعودية الباكستانية (في سبتمبر/ أيلول 2025) قد نصّت على اعتبار أيّ اعتداء على دولة بمثابة اعتداء على الدولة الأخرى، وبالتالي تجنيد الخبرات والقدرات كافّة لمواجهته وهزيمته، مع الانتباه إلى مصطلح “دفاعي”، بمعنى أن الاتفاقية تأتي في سياق دفاعي بحت لطمأنة دول المنطقة والمجتمع الدولي والتأكيد على غياب النيات الهجومية للاتفاق/ التحالف الجديد. وبناءً عليه طُرحت فكرة انضمام تركيا قوةً إقليميةً سياسيةً واقتصاديةً وعسكريةً كُبرى لتقوية التحالف الثنائي إلى جانب باكستان بمظلّتها النووية وقوتها العسكرية التي أثبتت نفسها في جولة القتال أخيراً مع الهند، إضافة إلى الحضور والثقل السعودي السياسي والاقتصادي والإعلامي الكبير في المنطقة.
استندت فكرة الاتفاق/ التحالف الثلاثي الجديد إلى قاعدة السعي إلى ملء الفراغ الإقليمي في الحوض العربي الإسلامي مع انكفاء الولايات المتحدة ودعوة إدارة ترامب الصريحة (عبر وثيقة الأمن القومي) دول المنطقة إلى القيام بواجباتها ومسؤولياتها والحفاظ على الأمن والاستقرار فيها وتحييد العامل الخارجي وتقليص تدخّل القوى الأجنبية في شؤونها.
بتفصيل أكثر، ثمّة قاعدة أساسية للاتفاق الدفاعي الثنائي والثلاثي مع دخول تركيا تتمثّل في توافق سياسي كبير تجاه مشاكل وأزمات المنطقة، مع عضوية دوله في الإطار الثماني العربي الإسلامي المنخرط في تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بشكل عادل ونزيه في غزّة، وإيجاد الأفق وشقّ المسار السياسي نحو الدولة لفلسطينية وتقرير المصير، باعتبار ذلك علاجاً لجذر المشكلة والصراع في فلسطين والمنطقة.
ثمّة قاعدة أخرى للتفاهمات الثنائية والثلاثية تتمثّل في العمل الجادّ لإفشال المشاريع والخطط الانفصالية في العالمَين العربي والإسلامي، وهو ما بدا واضحاً في اليمن مع دعم واضح من تركيا وباكستان للسياسة السعودية هناك، والعمل المشترك مع مصر وقطر في السودان والصومال وليبيا. كانت الأمور تسير بهذا الاتجاه، أي اتفاق وتحالف دفاعي ثلاثي سعودي باكستاني تركي، مع انفتاح على انخراط مصر بمكامن قوتها الجيوبوليتيكية والسياسية والعسكرية، سواء بالعضوية الكاملة أو بتنسيق المواقف والخطوات مع أعضاء التحالف الثلاثي، وإبقاء الباب مفتوحاً أمام انضمام قطر بقدراتها السياسية والاقتصادية والإعلامية ودول خليجية أخرى (الكويت والبحرين) إلى التحالف الثلاثي أيضاً بشكل كامل، أو بتفاهمات وتنسيق وثيق للسياسات في المنطقة.
ظهرت هواجس من التحالف الجماعي، ولكي لا يبدو أنّه موجّه ضدّ دولة بعينها أو يفاقم حدّة الاستقطاب في المنطقة، حصل تحديث نسبي بعد جولة الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان العربية أوائل فبراير/ شباط الجاري شملت الرياض والقاهرة، فتحوّل النقاش في السياق السعودي باتجاه التوصّل إلى تعاون دفاعي ثنائي، ووُقّعت فعلاً اتفاقيات لإنتاج مشترك لمروحيات وطائرات مسيّرة تركية في السعودية. المشهد نفسه تكرّر في زيارة أردوغان القاهرة، مع توقيع إطار للتعاون الدفاعي والموافقة على تزويد مصر بمستلزمات وصناعات دفاعية تركية، مع منح امتياز إنتاج بعض منها كذلك. هذا إضافة إلى العلاقة الراسخة واتفاقات دفاعية بين أنقرة وإسلام آباد، وتفاهمات سياسية (ودفاعية) مع قطر والكويت والسودان والصومال.
لم نصل بعد إلى ما يصفه بعضهم بـ”ناتو عربي إسلامي” في المدى المنظور
تجب الإشارة كذلك إلى حضور باكستاني متزايد في القضايا العربية والإسلامية مع انخراط بجهود وقف إطلاق النار في غزّة والقضية الفلسطينية، وحضور مستجدّ في ليبيا والسودان بتنسيق تامّ وراسخ مع الرياض وأنقرة. والآن يبدو المشهد أقرب إلى التشبيك بين القوى الخمس الأساسية مع قواعد وتفاهمات واتفاقات دفاعية نلمس آثارها ومفاعيلها بوضوح في السودان والصومال بشكل أساس لدعم الحكومات الشرعية، وإجهاض المشاريع والخطط الانفصالية المدعومة خارجياً وإفشالها.
من جهة أخرى، يطرح هذا المشهد سؤالَين مهمَّين: هل يتطوّر هذا التشبيك والتفاهم والتوافقات السياسية والدفاعية والعمل المشترك في ساحات عدّة نحو تحالف عربي إسلامي عريض، أو ما يصفه بعضهم أحياناً بـ”ناتو عربي إسلامي”؟… لم نصل بعد إلى ذلك، ولا حتى في المدى المنظور، مع إبقاء الأمر مطروحاً، ولو نظرياً، في المدى البعيد، بمعنى انطواء الدول المعنية بتفاهمات وأطر عمل جماعية سياسية ودفاعية ولو تحت خيمة ومظلّة الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي. أمّا السؤال الثاني فيتعلّق بانفتاح الدول الفاعلة عربياً وإسلامياً على إيران، لكن مع شروط، أو للدّقة مطالب وربّما نصائح، حتى يصبح بإمكانها لعب دور مركزي في حفظ الأمن والاستقرار الإقليمي باعتبارها قوة إسلامية لا يمكن تجاهلها أو تجاوزها.
المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى