
يبدو أن الجهود التي بذلها أكثر من “فاعل خير” (ظاهر أو مستتر) للتوصّل إلى كسب رضا الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عن مرشّح “الإطار التنسيقي” نوري المالكي، ذي الولايتَين الطامع بولاية ثالثة، قد فشلت، كما أن العرض الذي قدّمه المالكي نفسه إلى الأميركيين (استعداده لتنفيذ مطالب ترامب إذا ما قُدّر له أن يتولّى الموقع التنفيذي الأول في الدولة) قوبل بالتجاهل. وجاءت الرسالة الأميركية أخيراً تحمل سبع نقاط اشترطت واشنطن على بغداد تنفيذها لتقطع الطريق على أيّ محاولة جديدة للالتفاف على ما هو مطلوب أميركياً، ولتوفّر فرصةً غير محسوبة لإعادة تشكيل “العملية السياسية” الطائفية التي كانت إدارة الرئيس جورج بوش قد شرعنتها إثر غزوها العراق قبل أكثر من 23 عاماً.
وتقترب الشروط الأميركية كثيراً ممّا يطمح إليه العراقيون في سعيهم إلى بناء بلدهم من جديد بعد أن حوّلته الأعوام الثلاثة والعشرون إلى “دولة فاشلة”، وثمّة كثيرون من العراقيين يرحّبون بالدخول الأميركي المستجدّ إلى بغداد، ويعقدون عليه الآمال، بعد أن صعب الداء وعزّ الدواء، وبات البحث عن “مُنقذ” يصلح الحال أمراً مطلوباً حتى لو كان هذا “المُنقذ” هو رئيس الدولة التي غزت بلادهم واحتلّتها، وأمعنت فيها خراباً ودماراً على ما هو أكثر من مدّ النظر.
وتتمحور نقاط ترامب السبع حول تفكيك المليشيات، والقضاء على الفساد، وتأكيد استقلالية القضاء، وقطع خيوط التدخّل الإيراني في الشؤون العراقية، وإلغاء هيئة الحشد الشعبي، وتشكيل حكومة تخضع للمساءلة، وإقامة شراكة أمنية واقتصادية مع الولايات المتحدة، وهذه “الوصفة”، إذا ما أمكن لها أن تُنفّذ، تصبح أشبه بتعويذة تقي العراقيين من شرور هيمنة دولة “ولاية الفقيه”، وتمثّل “نوعاً من الحلّ”، لكن ليس الحلَّ كلّه.
ثمّة مؤشّرات متزايدة تفضي إلى أن لا سبيل إلى تغيير شامل يريده العراقيون، ولسوف يحتفظ المشهد بشخوصه الحاليّين
تبقى أسئلة كثيرة مطروحة من دون إجابة شافية، فعلى سبيل المثال: كيف يمكن استثمار فرصة الضغوط الأميركية لصالح التوجّه إلى التغيير المطلوب شعبياً؟ وهل هناك إمكانية لاستيلاد مشروع وطني جامع يتوافق مع المطالب الأميركية، ويلبي طموحات العراقيين في آن؟ وأيضاً، من يمكنه “تعليق الجرس” من غير رجال “النُّخبة” السياسية التي حكمت العراق، وتحكّمت فيه طوال السنين العجاف الماضية، التي آن الأوان لإزاحتها من المسرح، وإحلال بدائل كفؤة في مكانها؟ وأين نجد “بديلاً” منظّماً ونشطاً وقادراً على الفعل؟
في خلفية المشهد، يمكن أن يرصد المرء جهات وشخصيات واقفة في “الطابور” تسعى إلى الوصول إلى “الجائزة”، لكنّها على ما يبدو لا تملك من الكفاءة، ولا من “الكاريزما”، ولا من القدرة ما يدفع بها لتبوّء قيادة المرحلة، وبعض من هؤلاء مقيمون خارج البلاد، وفي الولايات المتحدة بالذات، وقد رفعوا شعار “سنجعل العراق عظيماً من جديد” انسجاماً مع ما يردّده الرئيس الأميركي، وفي أذهانهم أنّ واشنطن ستلتقطهم وتشحنهم إلى بغداد كما فعلت مع أناس مثلهم قبل 20 عاماً، وأنها ستضعهم في قمّة السلطة عندما تدقّ الساعة.
وهناك بعثيون من الحرس القديم ممَّن يعيشون في الشتات جمعوا أمرهم مطلع هذا العام، وعقدوا مؤتمراً لإعادة تنظيم صفوفهم حمل الرقم 13، وهو رقم مشؤوم كما هو معروف، وعيونهم على فكرة الوصول إلى السلطة، لكنّ الظاهر أن العين بصيرة واليد قصيرة. بقي أطراف الداخل الذين قد يفكّر بعضهم في المراهنة عليهم في استيلاد التغيير المطلوب، ومنهم الشيوعيون الذين شاركوا في “العملية السياسية” الطائفية زمناً، وتحمّلوا أوزارها، وانسجاماً مع متطلّبات حال اليوم طرحوا مشروع “جبهة شعبية”، لكنّ أصداء المشروع ظلّت خافتة، وهناك “التشرينيون” الذين لم يبلغوا بعد سنّ الرشد، كما لم يتمرّسوا في ألاعيب السياسة، ولم يتعرّفوا إلى دروبها، ولم يظهر بينهم من يمكن أن يقود. وهناك أيضاً آخرون ممَّن دأبوا على وضع رِجْل داخل “العملية السياسية” ورِجْل خارجها، وهؤلاء ليسوا محسوبين لا في العير ولا في النفير.
والخلاصة أنّ ثمّة مؤشّرات متزايدة تفضي إلى أن لا سبيل إلى تغيير شامل يريده العراقيون، ولسوف يحتفظ المشهد بشخوصه الحاليّين، وسيُعاد إنتاج “العملية السياسية” الماثلة، خاصّةً أن الأميركيين ليسوا في وارد التفكير في بدائل من خارج الصندوق ما داموا قادرين على فرض ما يريدون، وعلى معاقبة من لا يستجيب.
ولسوء حظّ العراقيين، لن يكون أمامهم في حال كهذه سوى القبول بما هو مُقدَّر لهم حتى حين.
المصدر: العربي الجديد






