
خلال عملية إنهاء وجود المسلحين من تنظيم (قسد) في كل من حيي (الشيخ مقصود) و(الأشرفية) ضمن مدينة حلب، ثمة جملة دروس مستفادة من المفترض أن يقف أمامها الجميع، ومن ثم يتابعون ما حصل بشكل عاقل وموضوعي ورصين، لتكون لهم هاديًا ومرشدًا حقيقيًا وجديًا، وهذا كله على طريق بناء الوطن السوري، ونحو إقامة مداميك فاعلة لوحدة وطنية سورية حقيقية على كامل الجغرافيا السورية.
إذ إنه من الملاحظ تمامًا كيف استفادت الحكومة السورية واقعيًا وعمليًا ميدانيًا، في ساحة الفعل والممارسة، من تجارب ما حصل في سياقات الحاصل في الساحل السوري، وأيضًا ما جرى بعدها في الجنوب السوري، أي محافظة السويداء وجبل العرب. حيث تجنبت الدولة معظم أخطاء ما جرى في السابق، وتجنبته ميدانيًا، واشتغلت جديًا على إنهاء ظاهرة وجود تنظيم مسلح في أتون حيين مهمين داخل مدينة حلب، وبأقل الخسائر الممكنة، وضمن حالة الحفاظ الحقيقية على المدنيين، وهو المهم منطقيًا ووطنيًا لدى كل السوريين، وليس لدى الحكومة السورية فقط. فالمدنيون داخل الحيين المشار إليهما، اللذين يعدان إحصائيًا بمئات الآلاف، وهذا عمل ومنطق صحيح، ودرس مستفاد بحق، حيث (كما يبدو) قد تم التأسيس لسياسة جديدة تذهب وتغوص عميقًا باتجاهين: الأول هو الحفاظ على أرواح الناس المدنيين، ومنع كل حالات التعديات على أرواحهم، وفي الوقت نفسه، وبالتساوق معه، التعاطي مع الخارج وفق مبدأ المحافظة على الأقليات التي عادة ما يهتم بها الغرب عمومًا ويوليها كل الاهتمام، وهو ما يعطي نظرة موضوعية إيجابية لما يجري في سوريا، عبر أداء الدولة الوطنية السورية.
إن هناك جلسات حوارية عميقة وطويلة ومديدة ستكون ضرورية ضمن مفاصل القيادات في تنظيم (قسد)، كي تتم الاستفادة مما حصل، وبالضرورة إعادة إنتاج تفكير سياسي جديد، وقراءة جديدة أيضًا لمجمل التغيرات الإقليمية والدولية.
لكن ما هو بالمقابل، وعلى المقلب الآخر، ثمة سؤال يخرج ومفاده: هل يمكن القول إن جماعة (قسد) ومن يقف معها سوف يستفيدون فعلًا من هذا المعطى؟ ومن ثم يعيدون النظر كليًا في مسألة تمنعهم المستمر عن الانخراط في أتون تشكيلات المؤسسة العسكرية السورية، التي تتبع بالضرورة إلى وزارة الدفاع السورية؟ وكذلك المؤسسات المدنية في الدولة السورية المركزية، تطبيقًا لاتفاق العاشر من آذار/مارس 2025؟ وهل يمكن القول أيضًا إن قدرات الدولة السورية التي تمظهرت عبر عملية (الشيخ مقصود) و(الأشرفية)، وسرعتها في إزالة ظاهرة عسكرية كانت مقلقة جدًا لأهالي حلب وللدولة كذلك، ثم أصبحت من الماضي خلال أيام قليلة، والصمت الدولي، والأميركي منه على وجه الخصوص، سيجعل من القراءة الجديدة لهذه التغيرات في المزاج الدولي تجاه سوريا حالة عاقلة من الولوج ضمن تغيرات على مستوى التفكير السياسي لقادة (قسد)، تهيئةً نحو الدخول في التطبيق العملي المباشر لكل البنود الثمانية من اتفاق العاشر من آذار/مارس 2025 بين مظلوم عبدي والرئيس أحمد الشرع؟
الدرس المستفاد لدى (قسد)، ومن جراء ما لاحظوه وتابعوه عمليًا من تغير في الموقف الأميركي، الذي ترك للحكومة السورية فسح المجال لتقوم بواجباتها المهمة والمطلوبة لإنهاء هذا القلق المستمر في مدينة حلب، العاصمة الاقتصادية لسوريا، والذي كان يعوق مسألة الوحدة والاستقرار في سوريا، كما يعوق الاستثمارات القادمة إلى سوريا من الغرب والشرق خلال هذا العام 2026، ثم ما صرح به الرئيس الأميركي دونالد ترامب من أن استقرار سوريا سيكون ضرورة موضوعية للإقليم، وأيضًا من أجل وحدة سوريا كذلك، وقوتها التي باتت ضرورية، ومحاربتها للإرهاب الداعشي، باعتبارها قد أصبحت واقعيًا جزءًا من التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب الداعشي.
باعتقادي، فإن هناك جلسات حوارية عميقة وطويلة ومديدة ستكون ضرورية ضمن مفاصل القيادات في تنظيم (قسد)، كي تتم الاستفادة مما حصل، وبالضرورة إعادة إنتاج تفكير سياسي جديد، وقراءة جديدة أيضًا لمجمل التغيرات الإقليمية والدولية، ومن الممكن أن يتحرك العقلاء نحو إنتاج قراءة جديدة لكيفية التعاطي مع حكومة الرئيس أحمد الشرع، ونحو اندماج كلي في مؤسسات الدولة السورية الوطنية الجامعة، ضمن جملة الشروط الوطنية السورية، وكذلك العقلانية السياسية المرتجاة، التي ترى الأمور وتقرؤها جيدًا وفق المصالح الوطنية السورية، وليس وفق تنظيم ما أو حزب معين.
لا شك في أن تلك الآلام التي كانت قد سببتها سابقًا تعديات (القسديين) على أهالي حلب من المدنيين ليست سهلة أبدًا، وكذلك فإن الجروح عميقة جدًا، لكن حقيقةً يهون كل شيء ونحن نعيد النظر ونفكر عمليًا في عملية بناء الوطن السوري الموحد، عالي البنيان والأسوار، والخالي من الاستبداد.
ما جرى في حيي (الشيخ مقصود) و(الأشرفية) سيكون بكل تأكيد وموضوعية درسًا آخر لمن ما زالوا يمتنعون عن التعاطي مع الدولة المركزية السورية في الجنوب السوري، لتكون ظاهرة حكمت الهجري ومجموعته العسكرية أقرب إلى العقلانية السياسية، والولوج من ثم في الحل السياسي، ونسيان الجراح ضمن حالة المحاسبة وجبر الضرر، التي هي أساسات موضوعية لمسألة العدالة الانتقالية في سوريا، ولوجًا بحالة السلم الأهلي المطلوب وطنيًا وإقليميًا، فيما لو كنا فعلًا لا قولًا نريد بناء الوطن السوري، وكذلك عمارة الوطنية السورية أولًا وقبل كل شيء.
لا شك في أن تلك الآلام التي كانت قد سببتها سابقًا تعديات (القسديين) على أهالي حلب من المدنيين ليست سهلة أبدًا، وكذلك فإن الجروح عميقة جدًا، لكن حقيقةً يهون كل شيء ونحن نعيد النظر ونفكر عمليًا في عملية بناء الوطن السوري الموحد، عالي البنيان والأسوار، والخالي من الاستبداد، الذي عاشته سوريا 54 عامًا ونيفًا من حكم الطغيان الأسدي وهدر كرامة الإنسان السوري وإنسانيته أيضًا. وعشنا حالة ونموذج الإنسان السوري المهدور عقودًا متلاحقة متتابعة من القهر والعسف. اليوم، ومن أجل الوطن الواحد المحرر، ومن أجل دولة المواطنة التي ناضل السوريون من أجل إقامتها أعوامًا طويلة، وذاك العقد الاجتماعي الجامع الذي بات ضرورة موضوعية وحياتية لكي يجمعنا جميعًا، كان لا بد من أن نتجاوز ونتخطى الآلام والجراح، وننتقل إلى الضفة الأخرى، ضمن سياقات ضرورية لعملية البناء الوطني السوري، التي يفترض أن يشارك فيها الجميع بلا استثناء ودون مواربة، لتكون كل الإثنيات الوطنية السورية، وكل الأيديولوجيات، وجميع الطوائف في سوريا، ضمن حيز الفعل والممارسة والإنتاج الوطني، والتشاركية الوطنية السورية.
المصدر: تلفزيون سوريا






