
قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في منشور على منصته تروث سوشال، الأربعاء، إنه تحدّث إلى الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، وتناولا خلافاتهما أخيراً، بما فيها مسألة تهريب المخدّرات. ورغم أن ترامب أعلن تقديره للاتصال شارحاً نبرة صوت بيترو التي تحدّث بها، فإن هذا لم يُرح بيترو، لا سيّما من ناحية تأكيد ترامب ترتيب لقاء قريب له في البيت الأبيض. إذ لم تمضِ سوى أيام على تهديده بعمل عسكري ضدّ كولومبيا، هذه الدولة الواقعة في أميركا الجنوبية. وقد ألغت إدارة ترامب تأشيرة بيترو في سبتمبر/ أيلول الماضي (2025)، حين كان يزور البلاد لحضور جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة، لـ”تحريضه الجنود الأميركيين على عصيان الأوامر”.
لا شيء مطمئناً في ما كتبه ترامب عن التطلّع إلى إقامة علاقة متوازنة مع الجارة الكولومبية، فارتفاع منسوب التوتّر بين البلدَين قائم، وهذا ما يترجمه تقاذف التهم بين الجانبَين، فسيناريو مادورو أقرب إلى التطبيق في كولومبيا، حيث التهم نفسها، والمقدرات الطبيعية للبلاد من نفط ومعادن متقاربة. والأكثر أهميةً، طريقة إيصال الرسالة الأميركية؛ منصة تروث سوشال. لهذا بات السؤال: متى الاعتقال؟
“تروث سوشال” الوسيلة نفسها التي كتب عليها ترامب عن اتصاله بمادورو، وعن إعلانه في الثالث من يناير/ كانون الثاني الجاري اعتقال قوات أميركية مادورو وزوجته، ونقلهما جواً إلى خارج البلاد. ولا يرتبط الموضوع بالكتابة بقدر ما يتعلّق بالجدلية التي أحدثتها تلك الكتابات بين إدارة ترامب وأعضاء من مجلس الكونغرس الذين اتهموه باتباع سياسة “التضليل”. إذ قالت جين شاهين (من ولاية نيوهامبشير، وهي أكبر عضو ديمقراطي في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ) في بيانها: “نظراً إلى أن الرئيس وحكومته نفيا أيَّ نيّة لتغيير النظام في فنزويلا خلال جلسات الإحاطة، لم نعد نفهم سياسات البلاد الخارجية. إن إدارة ترامب تواصل سياسة تضليل الشعب الأميركي”.
في وقت ينتظر العالم إجراءات أميركية تجاه كولومبيا، علينا أن نقرأ ما سيكتبه ترامب في منصّته في ما يخصّ السياسة الجديدة
ليست جين الوحيدة في الكونغرس التي أعربت عن استيائها من طريقة إدارة البلاد، فهناك آخرون باتوا متخوّفين من انتقال القرار من الكونغرس إلى وسيلة التواصل الاجتماعي الخاصة بالرئيس ترامب، التي يحدّد من خلالها سياسةَ واشنطن الخارجية، فالمشكلة أصبحت في الداخل الأميركي، وفي كيفية إدارة السياسة الخارجية، فعندما أخذ الرئيس السابق جيمس مونرو قرار فرض حماية للقسم الغربي من القارّة، ارتكز على قرار من الكونغرس في تشريع ما بات يعرف بـ”مبدأ مونرو” الصادر عام 1823.
مشهدية “اعتقال” رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو وزوجته حاضرةٌ في ذهن العالم، وتلك الصور لطريقة نقله ومحاكمته في واشنطن. فيبدو، بات اتصال ترامب يعدّ الوسيلة التي تحدّد أهداف السياسة الخارجية لواشنطن بدل الكونغرس، وكل من يذكره في هذه المنصة سيكون موضع اعتقال. فهل حلّت هذه المنصة الاجتماعية في إصدار التشريعات محل الكونغرس الأميركي؟
عولم ترامب التشريع بعدما تعولم مفهوم “الأمن القومي” الأميركي
عولم ترامب التشريع بعدما تعولم مفهوم “الأمن القومي” الأميركي. لقد وضعت إدارته تبريرات اعتقال مادورو لتتخطّى سلطة الكونغرس، فاعتبر أن ما قامت به قواته ليس إعلان حرب، لهذا لم يكن يحتاج إلى تشريع من الكونغرس. اختلفت الوسيلة الأميركية في التعاطي مع الدول التي باتت تقع تحت دائرة التهديد للأمن القومي الأميركي، وتوسّعت أيضاً الدائرة الجغرافية، وأصبحت منصة تروث سوشال بمثابة قوانين يصدرها ترامب من دون الحاجة إلى موافقة الكونغرس، مع تغيير مفهوم الأمن القومي للولايات المتحدة. فبعدما كانت الحدائق الخلفية هي التي شملها مبدأ مونرو، أصبحت كل الحدائق مصدر قلق. وفي الوقت الذي ينتظر فيه العالم إجراءات أميركية تجاه كولومبيا، علينا أن نقرأ ما سيكتبه ترامب في منصته في ما يخصّ السياسة الجديدة، لنعرف القرار الذي ستتخذه إدارته وتوجّهاتها، سواء كان تنفيذ ضربة استباقية إلى إيران وسط معمعة الفوضى التي تشهد عليها ساحاتها، أو عملية هوليوودية جديدة في حق بيترو.
في “تروث سوشال” يكتب ترامب تحذيراته التي تحدّد سياساته الخارجية، في حين يتخبّط أعضاء الكونغرس نتيجة لما بعد الصدمة. فهل هذا يؤكّد أن ترامب ذاهب نحو إحداث التغيير في مركز القرار الأميركي، من خلال توجيه رسالة يتخطّى من خلالها صوت الناخب الأميركي في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل؟ بعدما أشارت التقارير إلى انخفاض في نسبة مؤيّديه في الانتخابات النصفية.
المصدر: العربي الجديد






