
لم يكن الوجع السوري يوماً موضع شك، أربعة عشر عاماً من القتل والتهجير والسجون والخراب كفيلة بأن تجعل الألم حقيقةً جلية لا تحتاج إلى برهان، ومع ذلك، تطفو اليوم على سطح الخطاب السوري، بعد التحرير، أسئلة تحاول ضرب الرواية السورية تحت الحزام وإصابتها في مقتلها، لتنتشر سرديات تشكيك وروايات تكذيب واختلاق مظلوميات تحاول سرقة الحكاية أو تشويه صورتها.
أحداث كثيرة عاشها السوريون في الفترة التي تلت سقوط الأسد بينت هشاشة المجتمع السوري، واكتشف فيها السوريون أنهم لا يعرفون بعضهم البعض وغارقون في صور نمطية اشتغل النظام السابق على ترويجها، تخللت تلك الفترة انتقامات وتجاوزات وأخطاء سياسية وإدارية واستقطاب حاد، كذلك تغيرت الخطابات والولاءات بشكل جذري، لكن السمة البارزة كانت تحول المظلومية في هذه الفترة من تعبير إنساني مشروع عن الألم إلى ملاذ أخلاقي، يُستخدم أحيانًا للانسحاب من سؤال المسؤولية، أو لتجزئة المأساة الكبرى إلى مظلوميات متنافسة، لكل منها روايتها وجرحها الخاص.
ليس الخطر في تعدد الروايات، بل في غياب الإطار الذي يجمعها، فكل جماعة تروي قصتها وكأنها القصة الوحيدة، أو كأنها القصة الأهم، ومع الوقت، لا يعود السؤال: ماذا حدث للسوريين بل كيف سنعيد لم شمل هذه الروايات المتناحرة؟
لنتفق بداية أن انتقاد تلك الظاهرة لا يعني أن ينفي أحدنا المعاناة التي عاشها أحد آخر، مثلما يسعى البعض إلى ترتيبها أو المفاضلة بينها، على العكس، من الضروري الإقرار بأن السوريين جميعاً، بدرجات متفاوتة، قد تضرروا من هذه الحرب الطويلة، لكن استدعاء تلك السردية يصبح كارثياً حين يُقدَّم للعامة بطريقة لتبرير الصمت، أو لتغطية التواطؤ، أو لإعادة إنتاج انقسامات ما قبل الدولة.
مع انهيار المركز السلطوي الذي حكم البلاد لعقود في سوريا، خرجت إلى العلن سرديات مظلومية مؤجلة، طوائف، جماعات، مناطق، وحتى عائلات، أو ثنائية الداخل السوري والمهجر، وبدأت تروي قصص خوفها وخساراتها، وكأنها تكتشف ذاتها لأول مرة، وعلى أن ذلك يبدو صحياً في ظاهره لكنه في العمق يكشف أن كثيراً من هذه السرديات لم تُبنَ بوصفها جزءاً من مأساة وطنية واحدة، بل قُدّمت كقصص منفصلة، متنافسة، أحيانًا متناقضة، وكأننا في ميدان منافسة تكون ركيزة لاستحقاق معين.
أخطر ما في هذه السرديات أنها تُعيد ترتيب الزمن، فبدلاً من أن تكون السنوات الأربع عشرة إطاراً جامعاً لفهم ما جرى، يجري اختزالها أو تجاوزها، لصالح مظلوميات أقدم أو أحدث، تُستدعى بحسب الحاجة السياسية أو النفسية، لتصبح الثورة، والقمع، والسجون، والبراميل، والتهجير الجماعي” في حال اعترف السوريون بها ولم ينكرها بعضهم”، مجرد خلفية باهتة، بينما يتقدّم إلى الواجهة خطاب يقسّم الألم ويفاضل بينه.
بهذا المعنى، لا يُستخدم الألم هنا من أجل الاعتراف بوجع من يسرد حكايته، بل للتهرب من الاعتراف بوجع الآخرين، وهو لا يُستدعى لتفكيك العنف، بل للبحث عن امتيازات أو للتهرب من مواجهة مسؤولية، فقد أعادت كل جماعة سرد تاريخها القريب والبعيد، مركّزة على لحظات الخوف والاستهداف، للإعفاء من مسؤوليتها في طول فترة الاستبداد أو العنف، وهنا تماماً يظهر ادعاء المظلومية بوصفها لغة آمنة للوجع ومبرر للتهرب من المسؤولية المجتمعية.
قد تكون هذه الحكايات صحيحة نسبياً، لكن المشكلة تكمن في الهدف من إعادة تصديرها إلى الواجهة لمواجهة ضحايا الفئات الأخرى، وهي بذلك تُعيد إنتاج منطق الحماية الجماعية، لجعلها درعاً، والتهرب من استحقاق العدالة الذي طال انتظاره.
نعود هنا إلى أزمة وجود سردية موحدة للحكاية السورية، فعلى الرغم من تعدد الحكايات غير أن السردية الرئيسية واضحة وضحاياها واضحون، وما حدث بعد ذلك من تنافس حول “من ظُلم أكثر” لا يبدو سوى أنه محاولة لتشويه الحكاية الحقيقية، فحين تتحول المظلومية إلى أداة تفكيك للذاكرة، يصبح من المستحيل بناء معنى مشترك لما جرى.
ليس الخطر في تعدد الروايات، بل في غياب الإطار الذي يجمعها، فكل جماعة تروي قصتها وكأنها القصة الوحيدة، أو كأنها القصة الأهم، ومع الوقت، لا يعود السؤال: ماذا حدث للسوريين بل كيف سنعيد لم شمل هذه الروايات المتناحرة؟
في الخطاب السوري الراهن، نسمع كثيراً عن «حقوق المكونات» بصيغة دفاعية، وهي صيغة مبنية على الخوف أكثر مما هي قائمة على الثقة، فالخوف مفهوم، لكن تحويله إلى قاعدة سياسية دائمة يعني أننا نؤسس لدولة محاصصة نفسية، إن لم تكن قانونية، في دولة يحتمي فيها المرء بمظلوميته، لا بقانونها.
وإذا ما افترضنا جدلاً أن نظام الأسد قد وزع الألم بشكل متساو على السوريين وهو فرض مشكوك بصحته، فهل سيحقق هذا الافتراض دولة مواطنة متساوية، أم أن ما يُراد منه فقط اكتساب مميزات بقدر ما تصدر تلك الشريحة للعالم أنها كانت صاحبة حصة وفيرة من الألم، في حين أن المواطنة تفترض أن الألم معترف به، من دون أن يمنح امتيازاً سياسياً.
إن الفرق كبير بين الاعتراف بالمظلومية وتقديسها، فالاعتراف خطوة ضرورية للشفاء، أما التقديس فيحوّل الجرح إلى هوية، تصنع منا ما كنا عليه فقط من دون التفكير بما سنكون، وإن الضوضاء التي يعيشها المشهد السوري اليوم في التنافس على مقدار الألم، لا يبدو الهدف منها سوى تشويه لحقائق الثورة السورية ومحاولة تمييع لاستحقاق العدالة الانتقالية، وذلك يؤثر بشكل مباشر على الضحايا والمهجرين وأولياء الدم والمفقودين.
إن المظلوميات لا تبني دولة مواطنة بل إنها تتعارض معها، فدولة المواطنة لا تُبنى على الألم، بل على المساواة أمام القانون، ولا تُبنى على من خسر أكثر، بل على اتفاق جماعي بأن الخسارة يجب ألا تتكرر لأي أحد.
إن ما نحتاجه في سوريا اليوم ليس نفي المظلومية، بل إعادة وضعها في سياقها الصحيح، فالمظلومية جزء من القصة، لا القصة كلها، والوجع مهما كان عميقاً، لا يمكن أن يكون أساساً وحيداً لبناء مستقبل، فهكذا تتحوّل المظلومية، من تعبير مشروع عن الألم، إلى ملاذ أخلاقي يُستخدم أحياناً للهروب من سؤال المسؤولية، لا لأن الناس لا يريدون الحقيقة، بل لأن الحقيقة، في بلدٍ مدمَّر، تتطلب شجاعة مضاعفة.
وربما اقتضت الإشارة إلى أن هذا لا يعني أن ننكر الألم، ولا نحارب من تألموا أو ننكر مظلوميتهم، بل هو دعوة لوقف تحويل الوجع إلى بديل عن مواجهة المأساة السورية الكبرى الممتدة منذ أربعة عشر عاماً، فالحكاية السورية الكبرى فيها وجع واحد لا يُجزّأ وما جرى في سوريا لم يكن سلسلة مظلوميات منفصلة، بل مأساة واحدة متعددة الأوجه مع اختلاف تجارب الناس، ومن هنا يتضح أهمية تطبيق مبدأ مهم في العدالة الانتقالية وهو تعويض الضحايا وجبر الضرر، وذلك بناء على تصنيفهم بفئات متضررة وفئات أكثر تضرراً وفئات مهمشة وفئات أكثر تهميشاً، وتصنيف المجرمين الفاعلين والتمييز بين مجرمين رئيسيين ومخططين ومنفذين.
لقد كانت مأساتنا في تحطّم فكرة الدولة، وانهيار العلاقة بين السلطة والمجتمع، وتحويل الإنسان إلى كائن قابل للإلغاء، أو الإهمال، أو الاستبدال، وحين نُجزّئ هذه المأساة إلى آلام متنافسة، نخاطر بفقدان صورتها الكلية، فالمأساة السورية ليست مجموع آلام فردية، بل جريمة تاريخية لا يمكن فهمها إلا كوحدة واحدة.
إن المظلوميات لا تبني دولة مواطنة بل إنها تتعارض معها، فدولة المواطنة لا تُبنى على الألم، بل على المساواة أمام القانون، ولا تُبنى على من خسر أكثر، بل على اتفاق جماعي بأن الخسارة يجب ألا تتكرر لأي أحد، وحين تصبح المظلومية أساساً للسياسة، تتحول الدولة إلى مجموعة مطالب أخلاقية متعارضة، ونعيد خلق ساحة جديدة للصراع السياسي بوجود فرق متنافسة ومتناحرة يربح فيها من يسجل نقاطا أعلى على الفريق المناوئ.
ما نحتاجه اليوم ليس إنكار الألم، بل تحريره من وظيفته الدفاعية، أن يتحوّل من درع إلى ذاكرة مسؤولة، ومن حجة إلى بوصلة أخلاقية، فالوجع الحقيقي لا يطلب امتيازاً، ولا يسعى لإثبات أنه الأكبر، بل يُطلب فقط ألا يتكرر، وألا يُستخدم مرة أخرى لتبرير الصمت، أو الانقسام، أو الهروب من المسؤولية، ووحدها المجتمعات التي تجرؤ على الخروج من ملجأ الألم، تستطيع أن تبني دولاً ذات مستقبل لا تنهار في أول التفاتة إلى الماضي.
المصدر: تلفزيون سوريا






