سوريا الجديدة بين فرض الأمر الواقع الإسرائيلي ومسار التفاوض

عبد المجيد عرفة

نتحدث عن سوريا منذ حكم حافظ الأسد المطلق لها عام 1970م، الذي كان وزير الدفاع إبان هزيمة حزيران عام 1967م، حيث خسرت سوريا الجولان ومدينة القنيطرة، التي تم إعلان سقوطها قبل وصول القوات الإسرائيلية إليها؟!
بقي احتلال الجولان عقدة لدى حافظ الأسد، وحتى يردّ اعتباره اتفق مع الرئيس المصري أنور السادات على خوض معركة جديدة ضد إسرائيل لتحرير ما خُسر في سيناء والجولان. وحصلت المعركة عام 1973م، وكانت نتيجتها كارثية.
فقد تم احتلال أراضٍ جديدة، ووصل الجيش الإسرائيلي إلى سعسع السورية على بعد 40 كم من دمشق. وتم إيقاف الحرب بقرار أممي رقم 338، ودخلت سوريا في مفاوضات مع إسرائيل، وتم التوصل إلى اتفاق فضّ اشتباك تعود بموجبه إسرائيل عن الأراضي التي احتلتها مجددًا إلى حدود الجولان المحتل أصلًا منذ عام 1967م، وتعطي منه شريطًا ضيقًا مع مدينة القنيطرة إلى حكومة حافظ الأسد عام 1974م. ويرفع حافظ الأسد العلم السوري في القنيطرة، في رسالة رمزية مفادها أنه أعاد ما خسره في حزيران عام 1967م.
استمر نظام حافظ الأسد ملتزمًا بعدم الاعتداء على طول خط فضّ الاشتباك المتفق عليه عام 1974م طوال عقود.
ترك حافظ الأسد موضوع الجولان المحتل واستعادته، إن كان فعلًا يرى ضرورة تحريره، إلى متغيرات دولية. وحصلت هذه المتغيرات عندما شاركت قوات سورية مع قوات التحالف الدولي لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي عام 1991م. وكان من نتائج ذلك عقد مؤتمر السلام في مدريد في العام نفسه، وحصلت خلاله جولات مفاوضات مباشرة بين السوريين والإسرائيليين، وأصبحوا قريبين من اتفاق، لكن تعنّت الإسرائيليين والسوريين عند بعض النقاط الجزئية، حول الحدود السابقة للدولة السورية بجوار فلسطين وبحيرة طبريا وتفاصيل أخرى، فشّل المفاوضات، وانتهت من دون نتيجة.
لم ترد الحكومة السورية على التعديات والتوغلات والتوسع الإسرائيلي في الأراضي السورية إلا بالرفض الإعلامي، والمطالبة بالعودة إلى القانون الدولي الذي يثبت حق سوريا بالسيادة على كامل ترابها، بما فيه الجولان المحتل.
هناك رأي يرى أن نظام حافظ الأسد وابنه بشار من بعده، الذي خاض أيضًا في بداية حكمه مفاوضات على فترات مع إسرائيل، كانت تفشل بسبب تعنّت الطرفين، لأن نظام الأسدين كان يعتاش على كونه يحارب إسرائيل ويقود مقاومة إقليمية ضدها، وهو بذلك يحاول خلق شرعية ومكاسب إقليمية من وراء ذلك.
وهكذا استمر واقع الحال بين سوريا وإسرائيل، حيث لم يصطدم نظام الأسدين مع إسرائيل بشكل مباشر، لا في الجولان ولا في لبنان، وبقي يحارب إسرائيل لفظيًا، وعبر شركائه، خاصة حزب الله.
واستمر الحال على هذا النحو في مرحلة الثورة السورية منذ عام 2011م، حيث صدر تصريح رامي مخلوف الذي ربط بين وجود نظام الأسد الابن وإسرائيل. وانشغل النظام بمحاربة الشعب السوري حتى سقوطه نهاية عام 2024م.
الانتهاكات الإسرائيلية
زادت إسرائيل من عملياتها العسكرية ضد حزب الله اللبناني وإيران والحوثيين بعد عملية طوفان الأقصى، التي قامت بها المقاومة الإسلامية في غزة عام 2023م. ووصل نشاطها إلى ما يتعلق بإيران وحزب الله في سوريا. وبقي النظام السوري ورموزه وجيشه خارج خريطة أهداف إسرائيل، رغم قيامها بقتل حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله، وقيادات من حماس العسكرية والسياسية، ومهاجمة العمق الإيراني. وذلك مؤشر على احتمال وجود علاقة ما في العمق بين نظام بشار الأسد وإسرائيل؟
وعندما سقط النظام السوري في كانون الأول عام 2024م، بدأت إسرائيل بعمليات عسكرية جوية وبكل الأسلحة، وصلت الهجمات إلى المئات، وطالت معظم، إن لم نقل كل، البنية العسكرية السورية. وباشرت بالتقدم العسكري داخل الأراضي السورية الجنوبية في درعا والسويداء والقنيطرة. وقامت بعمليات حفر خنادق على طول الحدود مع الجولان المحتل، بعمق كيلومترات عدة داخل الأراضي السورية، وتم تجريف أراضٍ وبناء دُشم واستحكامات عسكرية على معظم التلال، وتجريف الأحراش، وتوغلت يوميًا في البلدات المجاورة للحدود، واعتقلت البعض وقتلت البعض الآخر. وكانت حجتها أنها تطارد خلايا نائمة لحزب الله، لكن واقع الحال أنها تؤسس لخلق أمر واقع لاحتلال جديد.
من جهة الحكومة الجديدة، بقيادة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، فقد أعلنت منذ انتصار الثورة أنها ستكون على علاقة حسن جوار مع الدول المجاورة. وكانت هذه رسالة ضمنية لإسرائيل بأن الحكومة الجديدة ليست معنية بالصراع مع إسرائيل من أجل حقوق الدولة السورية في الجولان، وأن مطلب الحكومة الجديدة هو عودة الأوضاع على حدود الجولان إلى اتفاق فك الاشتباك لعام 1974م بين سوريا وإسرائيل، وأن مستقبل الجولان مرهون بمسار تفاوضي سيأتي وقته.
لم ترد الحكومة السورية على التعديات والتوغلات والتوسع الإسرائيلي في الأراضي السورية إلا بالرفض الإعلامي، والمطالبة بالعودة إلى القانون الدولي الذي يثبت حق سوريا بالسيادة على كامل ترابها، بما فيه الجولان المحتل. وكان مبرر الحكومة الجديدة هو عدم إعطاء إسرائيل ذريعة لأعمال عدوانية أكثر، وعدم وجود إمكانية موضوعية لدى الحكومة الجديدة لخوض حرب غير متكافئة مع إسرائيل.
وزاد الدور الإسرائيلي التخريبي في سوريا عندما قامت بدعم الحراك الانفصالي للشيخ الدرزي حكمت الهجري، الذي هاجم الحكومة الجديدة. وقدمت له إسرائيل المال والعتاد العسكري، وجنّد ميليشيا طائفية درزية، وأعلن شبه دولة درزية في جبل العرب، وسمّاها الباشان. وقام بحملات اعتقال وقتل واضطهاد لكل من اختلف معه. وحصلت نزاعات بين داعميه من جهة، وبين العشائر العربية والجيش السوري من جهة أخرى، ووقعت صراعات راح ضحيتها العديد من جميع الأطراف. ودخلت السويداء في اللعبة الإسرائيلية بعد أن هيمن عليها الشيخ الهجري وقواته العسكرية، وأصبح حل ملف السويداء مرهونًا بحل إقليمي يشمل سوريا وإسرائيل والأردن ولبنان أيضًا.
إسرائيل تعتمد أسلوب فرض أمر واقع احتلالي جديد وإلزام الحكومة الجديدة به، وهو ما ترفضه الأخيرة، ولذلك توقفت المفاوضات بين الطرفين منذ أشهر دون أي تقدم يُذكر.
أميركا ترمب والعصا السحرية في سوريا
اعتمد الرئيس الأميركي ترمب سياسة قائمة على الاستثمار في رعاية التنمية بدلًا من استثمار الصراعات.
وتبيّن أن الحكومة السورية الجديدة هي حليف تركيا والسعودية وقطر، وأصبحت بذلك تحت رعاية أميركا ترمب، الذي رعى إلغاء قانون قيصر ودعم سوريا، وعمل على كبح جماح بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، ورعى مفاوضات بين سوريا وإسرائيل. حيث بقيت سوريا تصرّ على العودة إلى اتفاق فك الارتباط لعام 1974م، وأن مستقبل الجولان والسلام مع إسرائيل مرهون بمفاوضات مستقبلية. أما إسرائيل، فهي تعتمد أسلوب فرض أمر واقع احتلالي جديد وإلزام الحكومة الجديدة به، وهو ما ترفضه الأخيرة، ولذلك توقفت المفاوضات بين الطرفين منذ أشهر من دون أي تقدم يُذكر.
أما الجديد الذي غيّر المعادلات كلها، فهو حصول مفاوضات سورية–إسرائيلية بأعلى المستويات، برعاية أميركية، في فرنسا بتاريخ 5 و6 كانون الثاني 2026م. وصدر عنها بيان مشترك سوري–إسرائيلي–أميركي، يتحدث عن علاقات واعدة بين هذه الدول الثلاث، تتابع شؤونها لجنة مشتركة تجتمع في عمّان. كما يتحدث البيان عن الحفاظ على أمن إسرائيل، ورعاية المصالح السورية، وبناء منطقة صناعية زراعية سياحية إقليمية في الجولان والحدود المشتركة، إضافة إلى مراكز تزلج وسياحة في جبل الشيخ، وغيرها.
وهكذا أعاد هذا البيان العلاقة السورية–الإسرائيلية إلى نقطة الصفر، حاملًا وعودًا بمتغيرات كثيرة وكبيرة قد تكون لمصلحة الدولة والشعب السوري والمنطقة كلها. ننتظر حتى تتضح هذه الاتفاقيات وما هي أجندتها؟

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى