من عقيدة مونرو إلى “عقيدة ترامب”

جمال محمد إبراهيم

(1)
بعد الإقرار بما أقدمتْ عليه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، غزو أراضي فنزويلا، وإعلان احتلالها وتغيير نظامها الحاكم، وتقديم رئيسها الشرعي للمحاكمة في الولايات المتحدة، ومن دون أدنى اعتبار للأعراف الدولية، يشهد المجتمع الدولي بذلك بدايةَ حقبةٍ جديدة غير مسبوقة. العالم يدخل إلى نظام الفوضى الدولية بامتياز.
ترامب الذي أكمل عامه الأول في فترته الرئاسية التي تبلغ أربعة أعوام، ويلمح إلى إمكانية تجديدها لفترة ثانية، لا يخفي نيّاته في بسط السيطرة الأميركية على العالم، باعتماده شعاراً شعبوياً يدعو إلى “استعادة العظمة الأميركية” (MAGA). ذلك شعار يعبر عن ذهنية واضحة، تعلن سياساتِ استعلاء قادمةً، ولعلَّ أول إشاراتها ستظهر في الداخل الأميركي، قبل الخارج، إذ الانطلاق إلى الفضاءات الخارجية، يستوجب تهيئة منصَّات جاهزة وترتيبها للإطلاق.
(2)
شملت الإجراءات الداخلية للرئيس ترامب بداية اعتماده على الأغلبية المطمئنة في الأجهزة التشريعية التي ستحمي ظهره، وتكون صِمَام أمان مشروع تطبيقاته المقبلة. لقد عزّزت انتخابات عام 2024 سيطرة الحزب الجمهوري على الأجهزة التشريعية. وعليه بات واضحاً أن الحزب الديمقراطي المنافس لن يقوى على الوقوف أمام سيطرة الحزب الجمهوري على مفاصل الولايات المتحدة. أصبحت المؤسّسية والثوابت الأميركية بين ليلة وضحاها، في محكٍّ مصيري.
لم يُضع الرئيس ترامب الوقت، إذ أسرع على الفور، وخلال المائة يوم الأولى لفترة حكمه، إلى إجراء تغييرات كاسحة، استهدفت تحييد أجهزة الدولة، في إطار تجهيز منصَّات الانطلاق، بما لا يعيق انسياب تلك التطبيقات المقبلة. كان طبيعياً أن تجري عمليات جراحية في الأجهزة التنفيذية التي سيتم عبرها تحقيق مقاصد استعادة ما أسماها ترامب “العظمة الأميركية”.
أقدم الرئيس الأميركي على تعديل مسمّى وزارة الدفاع لتصبح وزارة الحرب، وهذا تعديل قد يبدو شكلياً، لكنه لا يخفي نيات الذهنية الجديدة القادمة
من بين تلك الإجراءات، ما رأينا من “تطهير” غير معلن للعناصر التي من المحتمل أن تعارض تطبيق السياسات الجديدة، خصوصاً في صفوف “المهنيين” الذين ظلوا يعملون في مختلف إدارات الدولة، بغض النظر عمن يأتي لقيادة الولايات المتحدة من الديمقراطيين أو الجمهوريين. صارت تلك الاستدامة مهدَّدة إزاء التطبيقات الجديدة
(3)
شملت سياسات “التحييد” تقليص العناصر البشرية العاملة في الأجهزة الأمنية الداخلية والخارجية، بما في ذلك وزارة الخارجية الأميركية. كانت البداية في تكليف وزير الخارجية برئاسة مجلس الأمن القومي التابع للبيت الأبيض، وبذلك صار طبيعياً التركيز على الصفة الاستشارية لمجلس الأمن القومي التابع للرئيس. عمل ترامب على تقليص العاملين في الخدمة الخارجية بنسبة عالية، ويكفي أن نلاحظ أن قرابة الخمسين من رؤساء البعثات الخارجية قد جرى استدعاؤهم نهائيّاً، الشيء الذي يضعف الوجود الدبلوماسي في الخارج. في الوقت نفسه، قلَّ الاعتماد على “الدبلوماسية المهنية” الرَّاسخة، عبر الاعتماد على “الدبلوماسية السياسية”، وذلك عبر تكليف مستشارين ومساعدين للرئيس ولمجلس الأمن القومي، من قطاعاتٍ قريبة من شخص الرئيس ترامب، للمساعدة في ملفات قطاع العلاقات الخارجية للولايات المتحدة. منهم مستشارون كلفوا لإدارة مختلف ملفات النزاعات في أنحاء العالم، من روسيا وغزّة إلى السودان وسواه.
(4)
يتم ذلك كله على حساب الإدارة الدبلوماسية المهنية الرَّاسخة. ويؤشّر هذا الجنوح إلى التقليل من أدوار الدبلوماسية المهنية إلى نياتٍ مبيَّتة لإحداث تغييرات جذرية، ربما تمسّ “العقيدة الدبلوماسية” الأميركية، وثوابتها الراسخة، وتستبدلها بأخرى جديدة المقبلة.
كان لافتاً التقليص الذي أجرته إدارة ترامب بإلغاء وظائف آلاف العاملين في الخدمة الخارجية الأميركية، بما يشمل العاملين في مختلف مجالات التعاون الخارجي، وليس العمل الدبلوماسي فحسب. على المستوى الناعم، كان العمل الذهني والاستراتيجي يجري لتعديلاتٍ ستطاول حتماً العقيدة الدبلوماسية للولايات المتحدة. وربما لن تكون العقيدة الدبلوماسية عرضة لتحوير، إلا وأن يستتبعها اتصال بـِ “العقيدة العسكرية” أيضاً. لقد أقدم الرئيس الأميركي على تعديل مسمّى وزارة الدفاع لتصبح وزارة الحرب، وهذا تعديل قد يبدو شكلياً، لكنه لا يخفي نيات الذهنية الجديدة القادمة، والتي تضمر المبادأة بالهجوم وليس انتظار هجوم قادم ثم الدفاع من بعد.
(5)
على مستوى العلاقات الخارجية، فقد واصل ترامب سياسات الولايات المتحدة على مستوى الدبلوماسية المتعدّدة الأطراف، كما على مستوى الدبلوماسية الثنائية، لكن بإجراءاتٍ قصد منها إحداث تحوّلات جذرية في “العقيدة الدبلوماسية” للولايات المتحدة. ولعلنا نلاحظ أن أسلوب الرجل لم يكتفِ بتخطئة سياسات من كان قبله من الرؤساء “الديمقراطيين”، بل عمد إلى المساس ببعض ثوابت السياسة الخارجية الأميركية، كما سيتضح من الأمثلة التي سترد في أمثلةٍ نوردها أدناه عن نيات لسياسات الرّجل، وعن نزوعه إلى اسـتعادة “العظمة الأميركية”.
حفلت الساحات الدولية بنزاعات وصراعات، يمكن أن تلعب الولايات المتحدة أدواراً لاقتراح حلول لها
لعلّ الملاحظ على مستوى الدبلوماسية الجماعية، وخلال سنوات رئاسته الأولى، ذلك التحريض المتعاظم والهجوم العلني على بعض جوانب اهتمامات المنظمة الأممية. لم يخف الرئيس استخفافه بمنظمة الصحة العالمية، وأعلن انسحاب بلاده منها، والشيء نفسه مع منظمة التربية والتعليم والثقافة التابعة للأمم المتحدة (يونسـكو)، ثم توقف عن دفع الولايات المتحدة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، ثم لم يخفِ استخفافه باهتمام الأمم المتحدة بملف التغييرالمناخي، وعدَّه محض أكذوبة، ومضيعة وقت وغير جدير باهتمام، واختتم كل ذلك بإعلان انسحاب الولايات المتحدة من مجلس حقوق الانسان.
(6)
على مستوى العلاقات الثنائية للولايات المتحدة مع البلدان الأخرى، كان مُلاحظاً إطلاق الرئيس ترامب، في الأشهر الأولى من فترته الرئاسية الثانية، بعض التصريحات التي قصد منها اختبار ردود الأفعال، بشأن نياته التوسعية على المضي في تطبيقها على طريق “استعادة العظمة”. من ذلك تصريحاته عن استعادة السيطرة على بنمــا وقـنالها، ما أثار حفيظة تلك الدولة.. لم يكتفِ الرئيس ترامب بهذا التهديد، بل سعى إلى مناوشات دبلوماسية مع كل من المكسيك وكندا، بل إلى غرينلاند الأبعد شمالاً بتهديد المكسيك وكندا. غير أنَّ كلَّ تلك المناوشات لم تُؤت أكلها، إذ لم تبلغ مقاصدها بسبب الجدّية الحاسمة التي عوملتْ بها من الأطراف التي مسّتها تلك التصريحات، مثل كندا أو بنما أو غرينلاند، إذ سرعان ما جرى التراجع عنها من دون إعلان، إلا أن طموحات مُستعيد العظمة لبلاده لم تقف عند حدود.
(7)
ما زال في مجالات العلاقات الدولية مما يشغل ذهن رجل ليس لطموحاته من حدود. وقد حفلت الساحات الدولية بنزاعات وصراعات، يمكن أن تلعب الولايات المتحدة أدواراً لاقتراح حلول لها. وربَّما تجني الولايات المتحدة من تلك الحلول تسوياتٍ مربحة، بل وصفقات يمكن أن تعيد لأميركا أمجاداً وجوائز ومكاسب ستعيد العظمة التي ضيعتها إدارات الحزب الديمقراطي.
إنْ كان للولايات مكاسب لاستعادة عظمتها، فثمّة مكاسب يمكن أن ينالها الرئيس شخصياً في مساعيه إلى استعادة تلك “العظمة الأميركية”
جرّب الرجل حظه لحلّ الأزمات والحروب الدائرة في أنحاء العالم: حرب روسيا وأوكرانيا، وحرب إسرائيل والفلسطينيين في غزّة، وحرب في السودان ذلك الذي لم يسمع عن أهميته، إلا من ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، ثم غيرها من المشكلات الحدودية الناشبة في أفريقيا وفي شرق آسيا. كان الرجل يدرك أن نجاحاته في هذه السَّاحة لن تتحقق إلا عبر تجاوز الأمم المتحدة، ووكالاتها، وأجهزتها، وآلياتها. المنظمة الأممية في عينه حجر عثرة أمام مساعيه وطموحاته، فكان عليه تجاوزها، بل العمل على تجاهلها تماماً، هي وأجهزتها ومواثيقها، بدمٍ بارد.
(8)
إنْ كان للولايات مكاسب لاستعادة عظمتها، فثمّة مكاسب يمكن أن ينالها الرئيس شخصياً في مساعيه إلى استعادة تلك “العظمة الأميركية”. لم يُخـفِ الرئيس الطموح، رغبته في الحصول على جائزة نوبل للسلام، ولتذهب الأمم المتحدة إلى موتها السريري، فهي مولود تجاوز 80 عاماً، ولم تنبتْ له أسنان حتى الساعة، ويمكن أن يقوم الرجل بكل أدوارها لتكتمل العظمة المأمولة لدولته وله شخصياً.
من يعبأ بترَّهاتٍ تقال عن احترام أدبيات بعض ما يسمّونها مبادئ سـيادة الدّول، أو صيانة استقلالها، أو حفظ الأمن والسلم الدوليين، فيما تتزايد أعـداد البلدان التي تردّى قادتها من فشلٍ ذريع إلى فشلٍ أكبر؟ سُـوء إدارة أحوال بعض الشعوب المغلوبة على أمرها، وفشلها في استغلال مواردها واستثمار ثرواتها، قد تحتاج إلى طبيبٍ معالج من نوع دونالد ترامب يعينها، ولو بأساليب “كولونيالية ناعـمة”، تتخذ صفة تعاون دولي أبوي طارئ.
لم تنجح المنظمة الأممية طوال سنواتها الطوال، في صناعة أسـنان لها تعزّز من قدراتها في حفظ الأمن والسِّلم الدوليين، قد حانَ لسواها أن يفعل
ثمّة ما قـد لا يعجز عن تبريره بعض قادة العالم، من ذوي الطموح الجامح، مثل دونالد ترامب، في تبديل مواثيق واتفاقيات دولية باليـة أو تعديلها، فقدت صلاحياتها ولم تعد تناسب التطورات التي حققتها البشرية في قرنها الحادي والعشرين. ربَّما أصبح ذلك ضرورياً، في زمان أساليب الرَّقـمنة والخوارزميات والذكاء الاصطناعي والحروب عن بعـد، والكثير ممَّا لم يخطـر ببال من عاشوا قبل أن تولد المنظمة الأممية الماثلة التي تجاوز سنها 80 عاماً.
(9)
المنظمة الأممية التي لم تنجح، طوال سنواتها الطوال، في صناعة أسـنان لها تعزّز من قدراتها في حفظ الأمن والسِّلم الدوليين، قد حانَ لسواها أن يفعل. لقد أفرزتِ الولايات المتحدة، وعبر غطرستها وعقائدها الجديدة، منذ عقيدة مونرو إلى “عقيدة ترامب”، مَن نصّب نفسه شرطياً ذا يدٍ طولى باطشة… لكأنَّ الصُّورة صـارت إنْ ألقى ترامب تلكم العصا التي بيده، فإنها سـتلقف كلَّ ثعابين الأرض، الصالح منها والطالح، الرشيد منها وغير الرشيد.
ما فعل الرّجلُ في فـنزويلا، وفي تنكيله برئيسها نيكولاس مادورو، يمثل أحـدوثة لها ما بعدها.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى