الحرب الأهلية اللبنانية من العمل السياسي إلى الانخراط القسري في العمل العسكري الحلقة العاشرة

جمال حرب

يقول المناضل عمر حسين حرب (أبو حسين) إنّ الانخراط الفعلي في العمل العسكري لم يكن خيارًا ذاتيًا أو قرارًا مُسبقًا، بل فرضته تحوّلات المرحلة القاسية. كان تنظيمنا حديث الولادة، إذ تأسّس في 15 كانون الثاني/يناير 1974، ولم يكن قد استكمل بنيته التنظيمية والسياسية، ما دفعنا قسرًا من العمل السياسي والتنظيمي إلى العمل العسكري.
اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية فعليًا في 13 نيسان/أبريل 1975، على خلفية حادثة عين الرمانة، لكنها كانت تتويجًا لمسار طويل من الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتراكمة. مع هذه الشرارة، دخل لبنان مرحلة حرب مفتوحة استمرت حتى عام 1990، غيّرت بنية الدولة والمجتمع والمؤسسات جذريًا.
سياسيًا، كرّس النظام الطائفي، وفق الميثاق الوطني، اختلالًا بنيويًا في السلطة، لا سيما مع تغيّر التوازن الديمغرافي لمصلحة المسلمين، من دون تعديل نظامي حقيقي. ترافق ذلك مع أزمة شرعية وتمثيل، حيث شعرت القوى الوطنية اليسارية والقومية بأن الدولة تُدار لمصلحة طبقة سياسية–مالية مرتبطة بالخارج، فيما جرى تهميش الأطراف ولا سيما الجنوب والبقاع والشمال.
اجتماعيًا واقتصاديًا، شهد لبنان فوارق طبقية حادّة، تمركزت الثروة والخدمات في بيروت وجبل لبنان مقابل حرمان الأطراف. تحالف المال والسلطة، وهيمنة الطبقة المصرفية–التجارية على القرار السياسي، أفرغ شعارات العدالة الاجتماعية والتنمية من مضمونها الفعلي.
إقليميًا، تحوّل لبنان إلى ساحة صراع مفتوحة، مع وجود عسكري فلسطيني واسع، صراع عربي–إسرائيلي غير مباشر، وتدخلات خارجية متشابكة، أبرزها الإسرائيلية والأميركية والسورية، ما جعل البلد ساحة تصفية حسابات.
مع تصاعد المواجهات بعد نيسان 1975، وبحلول مطلع 1976، كان واضحًا أن البلاد دخلت مرحلة حرب أهلية شاملة. لم تعد الاشتباكات متفرقة، بل صراعًا على القرار الوطني، هوية الدولة، دور الجيش وحدود التدخل الخارجي. انعكس هذا على المؤسسة العسكرية، فتعددت الولاءات وتباينت الأوامر، ووجد الضباط والجنود أنفسهم أسرى واقع سياسي مأزوم.
في هذا السياق، برزت ظاهرة جيش لبنان العربي كتعبير عن رفض عدد من الضباط والجنود استخدام الجيش ضد أبناء شعبهم، أو تحويله إلى أداة في مشروع لا يخدم وحدة لبنان. في كانون الثاني/يناير 1976، أعلن الرائد أحمد الخطيب انفصاله عن الجيش، مؤسسًا جيش لبنان العربي، خطوة كشفت عمق الانقسام داخل المؤسسة العسكرية.
وقبل الانشقاق بمدة، التقيت أحمد الخطيب والاخ هاشم يوسف في بلدة حوش الأمراء عند الأخ سمير الأيوبي، وهو صديق مشترك لنا، ودار نقاش سياسي صريح حول أوضاع البلاد وحال الجيش، وكان واضحًا حجم التململ وقناعته المتزايدة بأن الأمور تتجه نحو انفجار لا يمكن احتواؤه.
لاحقًا، زارني الخطيب في المرج وزرته في راشيا برفقة الاخ هاشم يوسف عدة مرات قبل أي تحرّك علني، وأعلن باستمرار:
«لازم نعمل شي… الوضع لم يعد يُحتمل، لا في البلد ولا داخل الجيش».
تلقّينا بعد ذلك اتصالًا منه، أبلغنا فيه قراره الانفصال عن الجيش وتأسيس جيش لبنان العربي، انطلاقًا من قناعة أن بقاء الجيش على هذا النحو سيحوّله إلى طرف في الصراع بدل حامي للوطن.
في ربيع 1976، عُقد اجتماع عرمون في منزل سماحة مفتي الجمهورية الشيخ حسن خالد لمحاولة احتواء تفاقم الصراع. منذ البداية، لم أكن مطمئنًا، إذ بدا أن العناوين المعلنة غطاء لتوجّه يفرض تهدئة على حساب الحركة الوطنية والتنظيمات القومية، وعبّر عبد الحليم خدّام عن مواقف ضاغطة دعمت الدور السوري كأمر واقع.
بعد الاجتماع مباشرة، وقعت حادثة المصنع الحدودية، حيث أوقف عناصر من جيش لبنان العربي موكب عبد الحليم خدّام ومصادروا سلاح مرافقيه، في رسالة رفض وصاية خارجية بالقوة. تلاها استنفار شباب الاتحاد الاشتراكي العربي بالتنسيق مع جيش لبنان العربي، وتظاهرة ديرزنون في برّ الياس، حضرها آلاف أبناء المنطقة رفضًا للتدخل السوري، وانتهت بانضباط كامل.
خلال هذه المرحلة، كلفت الأستاذ عمر الحشيمي بالذهاب إلى فندق البارك أوتيل للقاء مسؤول الأمن السوري محمد غانم، وتبليغه بعدم الرضى بالدخول إلى لبنان، وكان من المفترض أن يرافقه ممثلون عن الأحزاب الوطنية، إلا أنه حضر وحيدًا أمام الضابط السوري ولما سأله الضابط السوري اين الباقي اجابه الاستاذ عمر لا ادري.
ومع دخول الجيش السوري إلى البقاع، حاولنا التحضير لعمل عسكري محدود ضد القوات السورية في دير تعنايل، بمشاركة عدد من الإخوة في التنظيم من بلدة كامد اللوز، إلا أنه أبلغنا أحد الإخوة أنه تعرف هناك إلى ضابط سوري ناصري التوجّه، فتم إلغاء العملية انسجامًا مع القناعات القومية العربية.
لاحقًا، وقعت حادثة مدرسة البقاع الحديثة في المرج، حيث أبلغني ابنا عمي عبد الرحمن (أبو حسام) ومصطفى (أبو أحمد) بضرورة مغادرة المدرسة فورًا والتوجّه إلى منطقة آلوقِف وهي ارض زراعية سهلة فيها الكثير من الخنادق من السهل التواري فيها. قبل المغادرة من المدرسةسلّمت المعاشات والوثائق إلى مساعدي الأستاذ محمد عثمان.
تعرض الرائد أحمد الخطيب للاعتقال في سوريا سنتين، وبعد الإفراج عنه، تلقى دعمًا مؤقتًا عبر حركة فتح، ثم توقفت المساعدات. حينها، قمت مع الأخ سعيد أيوب بزيارة الأحزاب الوطنية، وكان كلّ من جورج حاوي ومحسن إبراهيم يقدّر خطوته الوطنيّة، بينما رأى كمال جنبلاط أن الأفضل أن يتراجع عن خطوته ويعود إلى الجيش، فرفض أحمد الخطيب ذلك، وقال:
«لن أعود إلى الجيش اللبناني. وإذا ساءت الأمور أكثر، أهاجر إلى كندا عند أخي».
بعد إعلان حركة جيش لبنان العربي، بدأ أحمد الخطيب لقاءات شعبية أسبوعية بعد صلاة الجمعة، وكنا في التنظيم نساعده في إعداد الخطب والبيانات.
بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان، غادر أحمد الخطيب إلى طرابلس لفترة، ثم اشترى شقة في الرملة البيضاء، واستقر فيها حتى وفاته بعد معاناته من مرض عضال، ودفن في بلدته مزبود في مأتم متواضع ومهيب.
وبالنسبة لي، ومع تصاعد الملاحظات من الجيش السوري، لم يعد البقاء ممكنًا، فطلب مني الاخوة في بيروت الحضور،فانتقلت إلى بيروت بهويّة بديلة برفقة الأخ أبو صالح (يحيى البعلبكي)، وكان في استقبالنا الأخ ضاهر شحادة. فور وصولي، توجّهت إلى محور الشياح والتقيت بالأخوين حسن شلحة ومحمد عزّ الدين، وطلبت الانضمام والمشاركة إلى لوائح الحراسة في ظل ظروف أمنية صارمة.
ملحق الحلقة العاشرة
زيارة خاطفة إلى بيروت
في إحدى المراحل الدقيقة، قمنا بزيارة خاطفة إلى بيروت ضمّت سعيد أيوب وأحمد الخطيب وأنا. توجهنا إلى مكتبنا في طريق الجديدة، ثم مكتب المرابطون في كورنيش المزرعة. في الطريق، أوقفنا حاجزًا للجيش السوري، فغضب أحمد الخطيب وطلب من رئيس الحاجز الاتصال بالضابط المسؤول، وعند التأكد من هويتنا، أُطلق سراحنا، وأكملنا الطريق إلى بيروت، ثم عدنا مساءً إلى البقاع
.سيرة رجل عاش من أجل وطن لا من أجل الاضواء

المصدر: صفحة جمال حرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى