عملية ردع اليأس السوري

أحمد جاسم الحسين

لا تحتاج عملية ردع العدوان لمبالغة في اللغة لتوصيفها، أو ضرورة اختيار مفردات جديدة أو الحرص على إظهار بلاغة، يحاول فيها المتحدث أن يجد مفردات وجملاً تليق بها، لسبب بسيط أنها هي ذاتها اللغة الجديدة والبلاغة واستعادة الصوت، حيث رفع السوريون رؤوسهم ومشوا بفخر بعد أن مرت عليهم سنوات صعبة جداً، وبات كثير منهم يتسابق في إعلان انتمائه لصانعي الحدث!
لستَ مضطراً أن تكون لغتي لغتك، أو شعوري شعورك، أو لساني  لسانك أو صوتي صوتك، ربما لا تشاطرني ما أقوله، هذا خيارك، وصوتك، لك الحق في قول ما تريده، أما أنا فهذا صوتي وشعوري ولغتي ووجودي وكياني!
الصخور التي تراكمت على كتفي ولا يشعر بها الآخرون لم تتفتت إلا بعد عملية ردع اليأس!
كانت أحوال السوريين النفسية في أسوأ أحوالها، وأكثر المتفائلين يحلم بالمحافظة على الوضع السوري الراهن آنئذ ويرتب عمره لشتتات طويل، تفاصيل المشهد كانت تقول:
أحوال اقتصادية مدمرة للسوريين في مناطق النظام البائد مع استغلال لا حدود له من النظام المتوحش وخوف صار جزءاً من الشخصية السورية!
بحث عن قبر في بلاد دافئة لمن سافر، وحسرات يومية تعلو حين يتم النظر إلى مفاتيح البيت الذي تهدم، ورغبة بعدم سؤال الأولاد متى سنعود وهل يمكن أن نرى بلدنا الأم!
خطط طويلة الأمد لمن هم في الدول المجاورة لكي يبقوا أو يحصلوا على الجنسية، محاولين غضّ النظر عن إهانات وجودية، ذنبهم الوحيد أن بلدهم تدمرت!
نظرات تعاطف من قبل معظم أبناء العالم نحو السوريين، أخذت تتلاشى أولاً بأول من قبل الدول المستضيفة!
حالات طلاق كثيرة بين اللاجئين السوريين أحد أسبابها الرئيسية اليأس!
حديث ممتلئ بالحسرات، من الآباء للأبناء عن بلد جميل تم طردنا منه اسمه سوريا!
وسط هذا المشهد الذي لا تكفي كتب كثيرة  لتصف حالة تفشي اليأس فيه، جاءت عملية ردع اليأس، ولأن اليأس لغة حياة معظم السوريين قال كثير منهم: يكفينا ما فينا يا أيها المقاتلون! لا نريد خسائر جديدة!
كل المعطيات السياسية والنفسية والاجتماعية والدولية والمحلية والعربية والدولية تقول عن عملية ردع اليأس إنها ستكون صفحة يأس وتدمير جديدة ستضاف إلى اليأس الذي أقام بدريار السوريين في السنوات الأخيرة!
ليس هذا علامة موت أو قراءة خاطئة من قبل السوريين، بل علامة قراءة معطيات ومعلومات متوفرة عبرة وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث، وأينما اتجهت لا تجد ما يدحض هذه القراءة!
“حكمك على الشيء جزء من تصوره”، والتصور الذي كان بين أيدينا هو نظام بائد كان يدعمه معظم العالم أو يقبل وجوده، ومعارضة عسكرية أقصى طموحها المحافظة على ما بين يديها!
أيُّ يأس كان يطبق على أرواحنا ويطحنها، تلوكنا عجلاته كل صباح، ونتقلب على لظى جمره آناء الليل وأطراف النهار، نعلّل النفوس بنجاح هنا أو نجاح هناك كي نكمل طريق الحياة اليائس!
التغلب على اليأس العابر أو الإحباط أو الانكسار عادة ما يكون باستحضار خلفيات اجتماعبة أو دينية أو فكرية، غير أن استعصاء الملف السوري وتناقص عوامل الأمل مع ما هو موجود على أرض الواقع جعل عملية ردع اليأس هي الحل الوحيد لإعادة استزراع الأمل في النفس السورية، هذه النفس التي باتت اليوم تعبر بأعلى صوتها، دون خوف: موالية ومعارضة وناقمة ومحبة وحاقدة، إنها مرحلة استعادة السوريين لصوتهم.
قد تكون عوامل الفرح لدى موالي السلطة حالياً أو المتضررين من السلطة السابقة أكثر من سواهم، لكن عملية ردع اليأس هي حالة ولادة ثانية ونوع من “استئناف” القول والحياة في التاريخ السوري، ذلك التاريخ الذي تم تكليسه وتعليبه وتجميده فترة طويلة: الوجوه ذاتها والخطاب ذاته والخراب والفساد ذاتهما!
الانتصار على اليأس في النفس السورية المبني على عملية ردع العدوان هو أهم ما حققته للتاريخ السوري والشخصية السورية، التي أعطت مثالاً مهماً للعالم بأن الإرادات إن وجدت لا يمكن قهرها، وفي أعلى مراحل اليأس وفقدان الأمل تتولد لحظة نصر وانبثاق غير متوقعة، ومثل هذا يتقاطع مع الخطابات الدينية والإنسانية والبشرية، قد يسميها البعض لحظة “كن فيكون” وقد يسميها آخرون”إرادة الشعوب” وقد تسمى “وعد الحرية” وقد تسمى توافر الظروف الموضوعية للنصر” إلا أن الأهم من كل ذلك أنها لحظة قطيعة مع اليأس وتولد للأأمل يجعل الحوار ممكناً والنقاش وكل التفاصيل قابلىة للأخذ والرد بين السوريين؛ أياً كان موقعهم السياسي أو الديني أو القومي أو الجغرافي.
الاحتفال باللحظة لمن يقرأ التاريخ السوري ليس ملكاً لسوري ما، بل يجب على الجيمع أن يفرح ويتحاور ويناقش ويمشي إلى الأمام، لأن الفضاء الذي أتاحته عملية ردع اليأس هو ملك للجميع فلا تقصر خطاك أو تتراجع أخي/أختي السوري، ولا تنتظر أن يمنحك أحد الفرصة لأنها ملكك وحدك، وأنت القادر على خوضها والغوص فيها والمشي في رمالها ومتاعبها وموجاتها، ولا تترك أحداً يخذها منك!
ردع اليأس والعدوان لحظة استئناف القول في التاريخ السوري، وفرصة مناقشة كل الاحتمالات، التي ربما كثير منها لا يسعدك أو يحقق كل أمانيك، لكن هذه حركة الشعوب، الخارجة عن قوانين الفيزياء في مرات عدة، عليك  ألا تتوقع أن كل الفعل ورد الفعل هو ملكك وحدك لأنه في سوريا هناك شركاء وظروف موضوعية وغير موضوعية تتحكم في المسار، وفي مآل الأمر الدول تبنى أولاً بإرادة مواطنيها، وما ردع العدوان واليأس إلا دليل على أهمية إرادة المواطنين مهما كانت العوامل الخارجية مهمة وضرورية ومؤثرة!
المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى