
نجاة عبد الصمد روائية سورية متميزة ومبدعة لها العديد من الإصدارات الروائية قرأت اغلبها: لا ماء يرويها و غورنيكات سورية و في حنان الحرب و منازل الأوطان وخيط البندول و بلاد المنافي ، وكتبت عنها كلها. وكانت أغلبها على علاقة وثيقة بثورة الشعب السوري ضد الاستبداد والفساد الذي تكلل بنصر الشعب السوري وسقوط النظام البائد وقيام دولة الثورة السورية.
أيتام الجبال رواية نجاة عبد الصمد الجديدة اصدار عام ٢٠٢٥م. تتناول موضوع متميز ومختلف عن بقية رواياتها. إنها رواية تسلط الضوء على مجتمع الدروز في سورية وخاصة في السويداء من خلال متابعة حياة شخوص روايتها ومسارات حياتهم، حيث تتناول الكثير من المعلومات الغير مباحة والمسكوت عنها والتي تندرج عند أصحابها في باب التقية وعدم البوح والصمت، طبعا كل ذلك كجزء من الموضوعات الكثيرة المصاحبة في الرواية .
تعتمد الرواية في سردها على ضمير المتكلم بلسان سبيل الشخصية المحورية في الرواية.
تبدأ الرواية من عام ١٩٨٥م حيث تصل سبيل ابنة السويداء إلى زاباروجيا في أوكرانيا التابعة للاتحاد السوفييتي وقتها ملتحقة بجامعاتها لمتابعة دراسة الطب الذي كانت قد بدأته في جامعة دمشق ووصلت بدراستها إلى السنة الثانية ثم قدّمت طلب منحة كانت متاحة لها لتكمل دراستها في الاتحاد السوفييتي وقُبلت بها وسافرت الى هناك لتكمل دراستها فيها، ومن حسن حظها ان كان قد سبقها الى هناك تميم صديق لها من السويداء وكان يدرس في ذات الجامعة وساعدها في تسيير أمورها هناك.
تعتمد الكاتبة في سردها الروائي على التداخل في الازمنة المعاشة عند بطلتها التي تروي حكايتها سواء في جامعتها في زاباروجيا السوفييتية أو في جامعة دمشق اوالعودة لتسرد تاريخ عائلتها في السويداء وكيف استطاعت أن تعبر الكثير من الصعاب لتصل إلى دراسة الطب .
ولأننا هنا نعيد بتركيز شديد سرد محتوى الرواية سنعتمد تناول ذلك المحتوى متسلسلا بتداخل مكثّف بين الخاص والعام لنروي قصة سبيل بدء من جدها فارس ووالدها حسن ومن ثم حياتها لتصل الى ما وصلت إليه ونتابع بعد ذلك سنوات دراستها الممتدة في غربتها لسبع سنوات وعودتها للوطن اخيرا.
سبيل حسن رافع الدرزية ابا عن جد، جدها فارس الذي كان قد هاجر من الشوف في جبال لبنان الى احدى القرى الدرزية المتناثرة في سفوح جبل الشيخ من جهة سورية وذلك اثر الصراعات وبين الدروز والمارونيين وقتها، ومن ثم هاجر الى السويداء هو وابنه حسن الذي تتلمذ على يد احد الاجاويد من مشايخ الدروز واخذ منه الدين وأصبح من الاجاويد والتزم بكل الشعائر المرتبطة بذلك واصبح واحدا من شبكة الاجاويد ومحكوم بقواعد الالتزام بقواعد التدين بحسب كتب الحكمة التي تمثل قواعد معرفتهم وسلوكهم وضابطة لكل شؤون حياتهم. ولذلك يقسم الاجاويد الدروز الى قسمين الاجاويد المتدينين الاخذين دينهم والجهال او الاغيار الذين لم يأخذوا دينهم حتى لو كانوا دروزا بالولادة.
يعتقد الدروز أنهم يحملون الدين الصحيح و يؤمنون بالتقمص وأن أرواحهم عند الموت تعود لتسكن طفلا درزيا. اعدادهم محددة لا يزيدون ولا ينقصون. ولاءهم لبعضهم مطلق وعلاقتهم مع الآخر يسكنها الريبة والتربص والخوف المتبادل. يعيشون مع بعضهم كجماعات في بلدات وقرى بمناطق نائية ووعرة وهم مسكونون بتميزهم وامتيازهم وخوفهم التاريخي من الأغيار فتاريخهم ممتلئ بالصراع مع غيرهم سواء بسبب الدين أو الصراع على أسباب العيش حيث يتساكن أهل الجبل واهل السهل بزراعتهم و الرعاة بمواشيهم.
حسن والد سبيل الجويّد كان فقيرا رغم أن الاجاويد اغنياء عموما وامكانياتهم جيدة نسبيا وهم متضامنين فيما بينهم. ولأنه جاء من قرى جبل الشيخ صحبة والده الى السويداء ولا يملك إلا قوّته البدنية واستعداده ان يعمل اي شيء ليؤمن لقمة عيشه وعيش عائلته.
تزوج من فتاة من عائلة اعلى في مستواها العائلي وبدأ في استصلاح ارض في قرية بجوار السويداء وهناك بدأ بإنشاء غرفة وتوسعت لأكثر من ذلك ثم بناء حظيرة ليربي الأبقار والحيوانات الاليفة. عمل بالعمار واشترى تركتور وعمل عليه، كما عمل بكثير من المهن ليستر نفسه وعائلته ويؤمن لقمة عيشهم. وتطور عمله لينتقل الى السكن بالأحياء النائية والفقيرة بالسويداء.
أنجبت له زوجته طفلته الاولى اشتياق ثم الثانية سبيل بطلة روايتنا. وهكذا كرت سبحة البنات حتى وصلن الى تسع بنات تتوجن اخيرا بأخ صغير كانت ترتيبه العاشر.
تتذكر سبيل طفولتها وأنها كانت مقصيّة ومبعدة مع اخواتها عن والدهم لقد كانت ولادة الفتاة عبء على الأهل في مجتمعهم ومعتقدهم. فليس البنات كالصبيان. ولادة البت بلوى وولادة الصبي خير عميم. من بداية وعي سبيل حتى نهاية سردها الروائي عقدتها المركزية والدها الذي تحبه وتخافه ولا يبادلها هي وأخواتها أي تصرف عاطفي من حنان وحب واحتضان. وكانت الأم مسكونة بإدارة شؤون البيت ببناته الكثيرات، ولم تكن تعطي بناتها ما يحتاجونه من رعاية وحب وحنان. ومع ذلك أستثمر الوالد وزوجته أطفالهم في العمل وفي خدمة المواشي والحلب والتنظيف كل ما يستطيعون فعله.
محنة سبيل تبدأ في بداية وعيها وهي طفلة عندما ادركت ان والدها وكما يحمل من قناعة دينية بأن الفتيات يجب أن يتعلمن فقد الى الصف الخامس لكي يستطعن قراءة كتب الحكمة والدين ويحفظن المطلوب منهم لممارسة عبادتهم . وغير ذلك لا حاجة للمرأة للعلم فهي تكبر لتكون ربة بيت وتتزوج درزيا طبعا وتنجب الاولاد وتكون الام والمربية والحافظة على القيم الدينية الدرزية وتزرعها في عائلتها.
لقد كانت سبيل متميزة منذ صغرها فهي ذكية وتتابع دروسها بدقة وتدرس وتهتم بحيث ظهر تفوقها الذي اثار اعجاب زميلاتها ومدرستها. وكانت مشكلتها انها تحب ان تكمل دراستها بعد الصف الخامس. لقد اكتشفت قيمة المعرفة لقد أدمنت قراءة كل ما يصل إليها حتى كتب الحكمة المباحة بين الدروز، السرية على الأغيار، قرأتها ولو أنها لم تفهمها تماما. قرأت قصص مكتبة المدرسة وأصبحت متميزة بين زميلاتها. ولذلك حاولت هي واختها أن يحصلن على فرصة إكمال دراستهم وكان موقف والدها رافضا بالمطلق، لن يكسر حدا دينيا ويصبح مسخرة في وسط الاجاويد وقد يعاقب على ذلك. فقد يخفض مستوى مرتبته الدينية وقد يصل موقفهم منه أن يُبعد عن الاجاويد ويسحب منه اعترافهم بكونه منهم. ولأن سبيل واختها الاكبر يودون اكمال تعليمهم لجؤوا لقريب لهم جاء من غربته بالجزائر وتدخل لدى والدهم وجعله يقبل بمتابعة تعلم سبيل واختها مع أولاده في المدرسة على الأكثر في المرحلة الاعدادية. وهكذا استطاعت سبيل واختها ان يتابعوا دراستهم الاعدادية وعندما وصلوا للمرحلة الثانوية استعانوا على والدهم بقريبهم ذاته وكذلك أحد رجال الدين المتنورين -شيخ عقل- الذي لم يكن متشددا كالآخرين. ووصلت سبيل واختها إلى البكالوريا ونجحت فيها بتفوق. وكانت واختها أول الفتيات الدرزيات اللواتي والدهم من الاجاويد ووصلن الى البكالوريا. فما بالك انها حصلت على علامات تؤهلها لدخول الطب وخاضت سبيل معركة لتدخل كلية الطب واختها لتدخل كلية ادبية. وتدخل الكثير واستطاعت الدخول الى الجامعة وفي كل مرة كان ذلك يمر عبر احراج الأب لقبول ما لا يرضى عنه. وبعد ذلك ستكون سبيل واختها سببا لتعلم جميع اخواتهنّ وحصولهنّ على الشهادات الجامعية.
انتقلت سبيل واختها الى السكن الجامعي في دمشق حيث عرفت بالصدفة أن هناك إمكانية للابتعاث للاتحاد السوفييتي وتكمل دراستها هناك. وكذلك دخلت في معركة اقناع الوالد الذي قبل أخيرا بعد ضغوط كثيرة وعناد سبيل التي رفضت أن تتخلى عن حلمها مهما كان السبب وذهبت الى الاتحاد السوفييتي والتقت في جامعتها هناك في زاباروجيا الأوكرانية بصديقها تميم الدرزي ابن السويداء الذي سيكون دليلها ومساعدها في كل سنوات دراستها. والذي سيكون حبيبها وتبني معه علاقة حب كاملة على وعد تتويجها بالزواج عندما يعودون الى السويداء بعد تخرجه هو اولا ثم هي من دراستهما الجامعية.
في الجامعة ستنجح سبيل وتتفوق وتبتعد عن أهلها سبع سنين وهذا كان من المستحيلات عند اي عائلة درزية لاي فتاة إلا الى بيت زوجها او قبرها.
عايشت سبيل واقع الكثيرين من المبتعثين من كثير من دول العالم الى الاتحاد السوفييتي الذي كان يصنع له قوة ناعمة عبر التعليم لينشر عقيدته الشيوعية وامتدادا ثقافيا له في العالم.
لكن كان عام ١٩٩١م عام انهاء الاتحاد السوفييتي على يد غورباتشوف الذي وجد استحالة أن تؤمن لقمة العيش في الدول الاشتراكية وتحرم الناس من الحرية وان تكون جزء من العالم. سقطت الشيوعية وانحل الاتحاد السوفيتي واستقلت أوكرانيا وعادت سبيل بعد سبع سنوات دراسة في اوكرانيا طبيبة مختصة الى بلدها سورية كان ذلك عام ١٩٩٢م .
لقد عانت سبيل من فقدان اعتبارها واحترامها من والدها. الذي لم يعطها أي حق من حقوقها التعليمية إلا تحت الاحراج وبقي يعاملها باهمال طوال سنوات ولم يعترف بها ويرسل لها بعض الكلمات المواسية الا بعد ان اصبحت محط انظار الكثيرين حوله. بحيث أحس بأنه محترما بسبب انجابه هذه الفتاة المتميزة والمتفوقة وعندها كتب لها بعض من مشاعره الطيبة التي كان قد حرمها منها عبر عمرها كله.
تنتهي الرواية وسبيل في عودتها الى سورية تميم ينتظرها ليتزوجا. وهي تحاور طيف والدها الذي لم تستطع ان تغفر له اخطاؤه وان تتقبل ما عانته منه في حياتها كلها.
في التعقيب على الرواية اقول:
اننا امام رواية متميزة جدا للكاتبة المبدعة نجاة عبد الصمد. فهي ترفع الستار عن المجتمع الدرزي عقيدة وسلوكا ومجتمعا. وهذا بحد ذاته رائع. فالإنسان عدو ما يجهل والباطنية ان كانت مفيدة في زمان ماضي. فهي الان ليست مفيدة. فلا خوف من إعلان اعتقاد الناس لما يرونه صحيحا. لكل انسان حق ان يفكر ويعتنق ويتصرف وفق ما يشاء. المهم مجتمعيا أن لا يكون لهذا الاعتقاد منعكس في سلوك فردي أو جماعي يضر بالجماعة الوطنية. غير ذلك نحن العرب والسوريون في مجتمع متنوع ومنذ مئات السنين ونتعايش بالسراء والضراء. ونتقبل بعضنا على علّاتنا. وبعد انتصار ثورتنا وإسقاط الاستبداد. أصبحنا على أعتاب الدولة الوطنية الديمقراطية العادلة التي تعتمد المواطنة المتساوية أمام القانون والدستور وكلنا في المجتمع واحد متحد.
هذا ما يجب وما نعمل له.
لقد علمنا الكثير عن الدروز وغيرهم من الطوائف الباطنية قبل الرواية وبعدها زادت معلوماتنا. ومعرفتنا زادت عبر تنوير الحالة وفهم البنية المجتمعية الدرزية وجعلتنا نفهم ونتفهم احيانا. لكن الكل الدرزي والمجتمعي ومن كل المكونات عليهم مراجعة مسلماتهم المتكلسة وأن ينتصروا لقبول الآخر المختلف وأن يحصل التفاهم معهم على المشترك المجتمعي وليعذر كل منا الآخر فيما نحن مختلفون به على مستوى الاعتقاد ديني كان او دنيوي. واسعد الله كل منّا بمعتقداته.
وما اريد التركيز عليه هو هذه الدونية التي وضعت بها المرأة عند اهلنا الدروز خاصة الاجاويد التي جعلت الكاتبة نجاة تراها محنة المرأة وان تجاوز هذه العقلية هي خشبة خلاصها. وان هذه المعتقدات تضرب التوازن الذاتي داخل المرأة بانها مضطهدة ومهدورة وفاقدة اعتبارها وكرامتها الانسانية في محيط من المفترض انه يجعلها في محيطها الطبيعي انسانيا. فهي جدة وأم وابنة ومعلمة وطبيبة وصانعة حياة.
المستوى الآخر الذي تعالجه الرواية الجانب النسوي. لقد ابدعت نجاة في رصد المرأة بكل اطوارها الانسانية العاطفية والجسدية والنفسية والسلوكية عبر نموذج سبيل ومحيطها. روعة ذلك تندرج تحت باب اعرف نفسك لتعرف كيف تعيش سواء كنت امرأة ورجل. وهذا مطلوب لنا كلنا نحن البشر أولاد آدم وحواء.
في الرواية دخول الى عوالم متنوعة. الدروز والسويداء والمعتقدات والاتحاد السوفييتي حيث المجتمع المؤدلج شيوعيا. حياة منفتحة . حب وجنس وانفتاح وشراب وغياب المعنى في الحياة. رسالة الرواية هنا لكل مجتمع ومهما كانت معتقداته مشاكله الوجودية القاسية والمأساوية. وهذا يعني ان المأزق الانساني في عدم الوعي وعدم التعاطي العلمي والانساني مع الذات والمجتمع والحياة يؤدي لنتائج كارثية على حياة الأفراد والجماعة.
سقوط السوفييت انتصار الحرية على الاستبداد.
الرواية كتبت بين عامي ٢٠١٢ و٢٠٢٥م يعني بعد بداية الثورة السورية وبعد انتصارها. لم تقارب الرواية هذا الموضوع مطلقا . كأنها ارادت ان ينصب عملها على حال الدروز وتنوير واقعهم . مع علمنا انها اعطت للثورة السورية نصيبا من أعمالها الروائية الاخرى. وتعطيها من أعمالها القادمة كما نأمل من صديقتنا المبدعة نجاة عبد الصمد.
شكرا صديقتي نجاة عبد الصمد على هذه الرواية الرائعة.
والى مزيد من الابداع.






