هذه الفكاهة في فيلم إيراني

معن البياري

ينتهي الفيلم الإيراني “كوميديا إلهية” لمُخرجه، علي أصغري، بمشهد كلبٍ يُحدّق صامتاً، بعينيْن ذاهلتيْن، في مشهد فرح سوريين في دمشق في يوم سقوط بشّار الأسد وفراره، على شاشة تلفزيون. وقد توقّف هذا الكلب عن عُوائه المزعج، بين جمعٍ التقى في منزل صاحبته في طهران، ليشاهدوا فيلماً سينمائياً منعت الرقابة في البلاد عرضَه للعموم. لم يتمكّن هذا “الجمهور” في المنزل من مشاهدة أكثر من دقيقتين منه، بسبب عُواء الكلب، ثم اقترحت المرأة التي تستضيف المشاهدين على المخرج، الحائر والمرتبك، أن يُعرَض الفيلم صامتاً، ليسكُت الكلب، أو يتجاوز العرضُ مشاهد يمكن أن تدفع هذا الكلب إلى العُواء. وفيما جدالٌ كهذا نتابعه ضاحكين، أو مبتهجين بإتقان طرفيْه جدّيتهما (!) فيه، يقتحم المنزل مسؤولٌ حكوميٌّ في الرقابة وقطاع الثقافة، مع عناصر أمنٍ، لمنع هذا العرض، وكان هذا قد طلب من المخرج، في لقاءٍ بينهما سبق هذا المشهد، أن يُنجز فيلماً في سورية، التي يتحسّب المخرج من زيارتها، فيما هي آمنةٌ بحسب محدّثه الذي أبلغه أنه زارها خمس مرّات في شهور. وهنا، في المنزل، لا يصدّق ما فوجئ (ودوهِمَ) به عن سقوط الأسد، الحدث الذي أسكت الكلب وأنهى الفيلم، الطريف، الذي بدَت الفكاهة صفته الأهم، في بساطة الحكاية وتقشّف الإخراج، وفي الاعتماد كثيراً على الحوار بين أشخاص الفيلم القليلين.
ليس من عرْضٍ حقيقي لفيلمٍ في ذلك المنزل، ولا نعرف ما يكفي عن هذا الفيلم (المحظور) سوى أنه باللغة التركية، وضاعف الحوار بين المخرج وصاحبة المنزل، وكذا أدوات العرض البدائية، من عبثيّة هذا المشهد الأخير والحوار فيه، ومن “اللامعقوليّة” التي بناها علي أصغري (1982)، وجعلها وسيلته لهجاء الرقابة (الذاتية وغير الذاتية) على الفنون في بلده. وأظنّه فائضَ البساطة في “كوميديا إلهية” هو أساس قيمته الفنية وجماله، وما اقترحَه للمنافسة على الجوائز، مع 12 فيلماً آخر، شاهدنا بعضها في مهرجان الدوحة السينمائي. وفي الوُسع أن يفتح واحدُنا قوسيْن، ويذهب إلى أن متعة السينما وجمالها، بل وأثرَها أيضا، يمكن أن تتحقق في فيلمٍ لا مشهديات خاصّة فيه، ولا إبهار، ولا محكيّات كبرى، فالصدق والأداء المُقنع والحوار المُتقن والحذر من الثرثرة والحشو، وما يماثل هذه “المزايا”، عناصر كافية، بإدارة مخرجٍ يعرف جوهر السينما والجمهور الذي يتوجّه إليه، لأنْ توفّر لفيلم نجاحاً وقبولاً من مشاهديه. وقد خرجْنا، نحن الذين شاهدنا “كوميديا إلهية” من القاعة في حي كتارا، مسرورين بهذا الفيلم، باهظ البساطة. وقد عرّفنا، أيضاً، بأن صنّاع السينما الإيرانية، بدعم أفلامهم من الخارج (حاز الفيلم على دعم مؤسّساتٍ في تركيا وإيطاليا وفرنسا وألمانيا)، قادرون على تقديم تنويعاتٍ فكريةٍ وسياسيةٍ وجماليةٍ متقدّمةٍ فيها، وهي السينما الثريّة والحاضرة عالمياً، ليس فقط لمضامين عاكست الرؤى الرسمية المسيطرة في إيران نفسها، وإنما أيضاً لما فيها من إبداعاتٍ وإضافاتٍ فنّية.
المخرج على درّاجة نارّيةٍ تقودها شابّةٌ زميلةٌ له في فضاء طهران، حيث الطيورُ في سمائها، وحيث الشوارع فسيحة، وفي وُسع الدرّاجة أن تمرُق بين الاختناقات المرورية. … تبدو هذه المشاهد بين مقاطع الفيلم الرائق كأنها معادلةٌ مضادّةٌ للاختناق الذي يستشعرُه المخرج، وقد أنجز فيلماً لا يُصرَّح له بالعرض للجمهور العام. يبدو جدالُه الطويل مع مسؤولٍ حكومي (رقيب)، معنيٍّ بالسينما والفنون، شائقاً، على الرغم من ثبات الكاميرا على المخرج من دون أن نرى مُحاورَه، في إيحاءٍ إلى حضوره وغيابه معاً، يبدو هزلياً، عابثاً، سيّما وأن هذا المسؤول يُسمِع زائرَه بأنه من أهم عشرة مخرجين في العالم (!)، العبارة التي يُسمعه إياها أيضاً المسؤول الذي شجّعه على إنجاز فيلم في سورية، لمّا اجتمعا في مقهىً على كثير من الغرابة. والغرابة حاضرةٌ في كل مشهد، وفي كل شخصية (تقريبا)، وفي محاورة الشخصيات بعضها، عنصرَ نجاحٍ طيّب لهذا الفيلم، الرهيف، والذي يُشاهَد فيه صاحب سينما، يحدّث المخرج وزميلته، ويجادلهما وهو يستغرق في ضحك لا حاجة له، ويدخّن، ويرمي عقب السيجارة في الصالة من دون اكتراثٍ بشيء.
لا حاجة إلى مبالغةٍ في الثناء على فيلمٍ انتهى بذهول كلبٍ في طهران من سقوط الأسد، ولا في إعلان الإعجاب به. يكفي أنه أبهج من شاهدوه، وصفّقوا له، قبل خروجهم في ساعةٍ متقدّمةٍ من ليل الدوحة، وأشاع فيهم محبّة أكثر بكل سينما عميقة وبسيطة في آن.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى