
حياة عمر حسين حرب، كان التعليم أشبه بممرٍ للنجاة، ورسالة اختارها قبل أن تختاره. لم يرَ فيه باب رزق ولا وظيفة ثابتة، بل ساحة نضال هادئ يشبه النهر الذي يشق الصخر بصبره لا بصخبه. ولعل البذرة الأولى وُلدت في يافا، يوم خرج طفل عام1948 يحمل في ذاكرته مشهد البحر الأخير قبل الرحيل، وفي قلبه حاسة الفقد التي توقظ الإحساس بالمسؤولية حتى قبل أن تنضج السنون. ذلك الطفل الذي حمل ألم التهجير الأول بحث لاحقًا عن وطنٍ بديل في دفاتر القراءة، وعن يقين صغير في وجه المعلّم.
وحين وصل إلى تعلبايا، لم يكن مجرد تلميذ، بل روحًا تبحث عن مكان تنتمي إليه. سنوات الدراسة زرعت فيه يقينًا بأن المدرسة ليست مبنى، بل بيتًا، وأن المعلم ليس موظفًا، بل صاحب رسالة. وما إن شبّ وترعرع، ثم عاد من بيروت عام 1965، حتى كان هذا اليقين قد تحوّل إلى مشروع حياة: أن تكون المدرسة نافذةً على المستقبل وليست مجرد جدار يحجب عن الطلاب ما هو أوسع من حدود القرية.
عندما وصل إلى المرج، كانت المدرسة المتواضعة النص مجانية أشبه بظلّ مدرسة، تضيق بأطفالها وتفتقر إلى الكثير من مقومات التعليم. غير أن خطوةً أساسية في مساره ساعدته على تحويل الحلم إلى واقع: رخصة المدرسة النص مجانية نفسها، تلك التي منحها له ابن عمه محمد عبد الهادي الشيخ حرب، أول رئيس بلدية للمرج بعد الاستقلال. لم تكن مجرد ورقة رسمية، بل كانت فعل ثقة من رجلٍ عرف قيمة التعليم وقرأ في شخصية عمر تصميمه على تحويل المدرسة إلى مؤسسة راسخة. بذلك بدأت أولى اللبنات الحقيقية لمسيرة طويلة سيتحوّل فيها التعليم إلى رسالة لا تبهت.
تحت إدارة عمر، بدأت المدرسة تغيّر جلدها. لم يكتفِ بتنظيم الصفوف وضبط الحضور وتطوير المناهج، بل أعاد صياغة الروح داخل المكان. كان يُشعر التلميذ بأن المدرسة بيت ثانٍ، ويُشعر الأهل بأن أبناءهم في يد أمينة. ومع الوقت تضاعفت حاجات المدرسة، فبرزت ضرورة إنشاء مبنى جديد يليق بالقرية. كان الحلم كبيرًا على قرية صغيرة، لكن عمر لم يعرف معنى الاستسلام، ومع تعاون الأهالي ومتابعته اليومية، ارتفع المبنى الجديد كأنما هو إعلان صريح بأن مجتمعًا صغيرًا قادرٌ على صناعة المعجزات حين يتوحد حول فكرة مؤمنة بنفسها.
ولأن المدرسة نص مجانية، فقد كانت خاضعة لرقابة وزارة التربية، فكانت زيارات المفتشين حدثًا متكررًا. لكن عمر لم ينظر إليها كتهديد، بل كفرصة. كانوا يدخلون فيجدون صفوفًا منضبطة، ملفات منظمة، طريقة شرح حديثة، ونظرة تربوية لم تكن مألوفة في مدارس القرى. صار اسمه يتردد في أروقة الوزارة كمدير استثنائي، لا بسبب استعراض أو ضجيج، بل لأن الرجل كان يعمل بضمير حيّ، وبهدوء واثق لا يعرف المواربة.
ثم جاءت السنوات التي صنعت مجد المدرسة وذاكرة المرج: سنوات الامتحانات الرسمية. كانت النتائج تتحوّل إلى عرس. ما إن تُعلن الوزارة النتائج حتى تعلو الزغاريد، وتفتح البيوت أبوابها، وتُقدَّم القهوة في كل منزل، وتتحوّل شوارع البلدة إلى مسرح احتفال. فالنجاح كان يصل إلى مئة بالمئة، عامًا بعد عام، حتى أصبحت المرج معروفة في المنطقة بمدرسة لا تخفق. وكان عمر يبتسم لهذا الفرح، يختبئ خلف تواضعه، وينسب النجاح إلى جهد التلاميذ وأهاليهم، رغم أن الجميع كان يعرف أن الرجل وراء هذا الإنجاز هو الذي يحمل المدرسة على كتفيه.
لكن مسيرة عمر لم تتوقف عند حدود التعليم الرسمي. ففي أواخر السبعينات وبداية الثمانينات، ومع تشكل نواة الاتحاد الاشتراكي العربي الذي كان أحد مؤسسيه وقادته، بدأت مرحلة جديدة من العمل العام. توفرت للحزب إمكانيات مالية ولوجستية عبر الاغتراب اللبناني أولًا، ثم عبر دعم عربي، خصوصًا الليبي منه، ما أتاح لعمر ورفاقه الانتقال من الهامش إلى الفعل. لم تكن تلك مرحلة سياسية بحتة، بل اجتماعية وتربوية أيضًا. أسس الحزب والمؤسسات التابعة له سلسلة من الروابط والخدمات والمراكز التعليمية والاجتماعية التي امتدت من البقاع الغربي نحو مناطق أخرى من لبنان. تلك المشاريع لم تكن شعارات؛ كانت بنى تحتية حقيقية، وأبوابًا مفتوحة للناس، وسنأتي على تفاصيلها لاحقًا لأنها شكلت فصلًا كاملًا من نضال عمر خارج الصف، في المجتمع الأوسع، حيث كان يؤمن أن التعليم لا يجب أن يبقى حكرًا على أربعة جدران.
وهكذا، امتدت رحلة عمر حسين حرب بين الكتاب والشارع، بين المدرسة والحركة، بين مسؤولية التعليم ومسؤولية الناس. لم ينفصل يومًا عن رسالته، بل وسّع حدودها، حتى صار اسمه مرتبطًا بفكرة واحدة: أن الإنسان قادر على أن يصنع فرقًا حين يؤمن أن رسالته أكبر من ذاته، وأقوى من الظروف، وأعمق من الزمن.
المصدر: صفحة جمال حرب






