هل “تمسحنا” أم تكيّفنا وتعوّدنا؟

سامي حسن

منذ بدء العملية العسكرية العدوانية في غزّة “عربات جدعون” في مطلع مايو/ أيار الماضي، يسجّل عداد القتل الإسرائيلي، يومياً، من خمسين إلى مائة شهيد فلسطيني. أما عدد القتلى الفلسطينيين منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول (2023) فقد تجاوز 62 ألف شهيد، ناهيك عن المفقودين ومئات آلاف الجرحى.

نتسمّر أمام شاشات التلفاز، نتابع المشاهد المأساوية للغزّيين، قصفهم، قتلهم، معارك بحثهم عن الطعام. نسمع استغاثتهم، نرى أجساداً نحيلةً منهكةً من شدّة الجوع، ثم نقلب المحطة ونتابع حياتنا اليومية. … هل هذا أمرٌ عادي؟ هل “تمسحنا”؟

الطبيعي أن يشعر الانسان بمُصاب أخيه الإنسان، أن يتضامن مع الضحايا، ويفعل ما يستطيع من أجلهم. … قد يسأل أحدهم سؤالاً محقّاً: لماذا كل هذا الاهتمام بالضحايا الفلسطينيين، على الرغم من وجود ضحايا كثر في أكثر من مكان في هذا العالم؟ ليس هناك أي مبرّر لكل من يعتبر نفسه إنساناً في هذا العالم لعدم التضامن والتعاطف مع الضحايا والمظلومين، بغضّ النظر عن جنسيتهم أو لونهم أو جنسهم. لكن مستويات الفعل التضامني تختلف تبعاً لعوامل عدّة، كأن يكون، على سبيل المثال، الضحايا هم شعبك، وقضيتهم هي قضيتك، والأحداث تجري في منطقتك، أو في بلدك (هذا ما يفسّر التضامن مع ضحايا المجازر، وإدانة الانتهاكات التي حصلت في سورية بحقّ المدنيين في منطقة الساحل ومدينة السويداء، والتي ساهمت الفيديوهات المسرّبة في كشفها)، أو تكون القضية التي يسقط بسببها الضحايا قد تحوّلت، بسبب من عدالتها وإنسانيتها، إلى شأن عالمي، كما هو الحال مع قضية الشعب الفلسطيني. ثم إن المسألة تختلف كثيراً عندما يكون ضحايا حربٍ ما، جلهم من المدنيين، بمن فيهم من كوادر طبية وصحافيين، كما هو الحال مع العدوان الإسرائيلي على غزّة، مقارنة مع ضحايا حرب أخرى، معظمهم من العسكريين المتقاتلين، كما هو الحال في الحرب الروسية الأوكرانية. هنا نأتي إلى عاملٍ على درجةٍ كبيرة من التأثير، وهو دور وسائل الإعلام، ولا سيما المرئية منها. فربما هي المرّة الأولى في تاريخ الصراعات والحروب في العالم التي يرى فيها العالم، وعلى الهواء مباشرة، هذا المستوى من الإجرام والبشاعة. بالصوت والصورة، تنقل وسائل الإعلام ما يتعرّض له قطاع غزّة من حرب إبادة جماعية على يد الجيش الإسرائيلي. ونشاهد بأم العين كيف يموت الأطفال جوعاً، وكيف يقصف هذا الجيش الإرهابي اللاأخلاقي المستشفيات وسيارات الإسعاف ويغتال الكوادر الطبية. لذلك، ومن أجل طمس الحقائق، لم تتوقّف إسرائيل عن استهداف وسائل الإعلام والصحافيين منذ بداية عدوانها، حيث قتلت إسرائيل في غزّة 246 صحافياً، ويتجاوز هذا العدد من قتلوا من أهل الإعلام في الحرب العالمية الثانية وما تلاها من حروب.

شيئاً فشيئاً، وبالتدريج، بدأنا نألف صور المجازر الإسرائيلية

أمام هول ما نرى ونسمع، ربما علينا ألا نأكل، لأن هناك في غزّة من يموت جوعاً. وألا نشرب، لأن هناك في غزّة من يشرب مياه الصرف الصحي. وألا ننام، لأن هناك في غزّة من لا يستطيع النوم بسبب القصف أو البرد أو الحر القاسي. لكننا، في واقع الأمر، نأكل ونشرب وننام، ونتابع حياتنا اليومية الاعتيادية؟ كيف نستطيع القيام بذلك؟ هل “تمْسحنا”؟

كانت المشاهد الأولى لحرب الإبادة التي بدأتها إسرائيل بعد “7 أكتوبر” كفيلة بتحريك مشاعر ملايين البشر الذين اندفعوا إلى الشوارع للتظاهر من أجل وقف الحرب الإسرائيلية الهمجية بحق الفلسطينيين في غزّة. استمرت التظاهرات واتسعت وتصاعد زخمها. لم يتعب المتظاهرون ولم يكلوا أكثر من عام من حرب الإبادة. لكن إحباطاً من عدم قدرتهم على وقف هذه الحرب المجنونة قد بدأ بالتسلّل إلى نفوس المتظاهرين، فتراجعت أعدادهم، ولم تعد التظاهرات تخرج كل أسبوع، بل توقفت في مدنٍ عديدة.

الخلاص من مشاعر العجز يتطلب إنجازاً يتحقّق على الأرض، أي أن تتوقّف الحرب

شيئاً فشيئاً، وبالتدريج، بدأنا نألف صور المجازر الإسرائيلية. وبعد أن كان سقوط عشرات الضحايا يزلزل أعماقنا ويفجّر غضبنا، بات ما يحرّكنا المجازر الكبيرة وسقوط مئات الضحايا. … على مدار ساعات، كنّا نتنقل بين المحطّات الإخبارية لمتابعة ما يجري في غزّة. أما الآن، فإننا نهرب مما نراه على الشاشات من مشاهد وحشية ولاإنسانية، لأنه يذكّرنا بعجزنا وبفشلنا في إيقاف الحرب وإنقاذ الغزّيين.

لقد ساهم التظاهر في الشوارع والصراخ والهتاف في تفريغ مشاعر القهر والغضب، لكن الخلاص من مشاعر العجز يتطلب إنجازاً يتحقّق على الأرض. أي أن تتوقّف الحرب. الأمر الذي لم يحصل. ويؤدّي العجز عن تقديم المساعدة لمن يحتاجها إلى توليد مشاعر الذنب. وحسب علم النفس، توجع هذه الأخيرة الضمير وتولد مشاعر الكراهية والنظرة الدونية إلى الذات. تحوّل معاناة الإنسان من هذه المشاعر السلبية مجتمعة (القهر، العجز، الإحباط، الفشل، تأنيب الضمير، الدونية،… إلخ) حياته إلى جحيم لا يطاق. هنا يأتي الهروب إلى الأمام، القفز فوق الواقع، تجاهل ما يحدُث، الانشغال بالحياة اليومية، نوعاً من آليات الدفاع عن الذات، وطريقة للخلاص من تلك المشاعر التي تنغّص عيش صاحبها. ها هو العدوان الإسرائيلي على غزّة يقترب من إنهاء عامه الثاني. خلال ذلك، انقلبت حياة كثيرين منا رأساً على عقب. تغيّرنا، نعم تغيّرنا، لكن السؤال، مرّة أخرى، “هل تمْسحنا”؟ أغلب الظن لا. فغزّة ما زالت تقهرنا وتدمينا، وما زال الألم والحزن والغضب يعترينا، لكننا تكيّفنا وتعوّدنا، وربما لم نعُد كما كنّا.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى