
قبل أعوام كتبت مقالًا بعنوان: «حديث الإفك: محاولات بائسة لتشويه صورة عبد الناصر !!».
كان الهدف منه فضح حملات التشويه التي استهدفت جمال عبد الناصر بعد رحيله، إذ صُنعت حوله روايات كاملة من الأكاذيب لإسقاطه من وجدان الأمة.
واليوم أعود بهذا المقال الجديد «حديث الإفك (2)»، لا من باب التكرار، بل من باب الإنصاف والتوسّع. فالإفك لم يتوقف، والافتراءات تعاد صياغتها مع كل جيل، فمن الواجب إظهار الحقائق بالسرد عند تناول التاريخ .
أولًا: أكذوبة التخلي عن السودان :
يروّج البعض أن عبد الناصر هو من فرّط بالسودان ، لكن الحقائق التاريخية تنسف هذه التهمة.
فمنذ الإحتلال البريطاني لمصر (1882) بدأ ملف السودان يُدار من لندن ، و بعد سحق الثورة المهدية (1898) ، وُقّعت إتفاقية الحكم الثنائي في العام 1899، لتصبح الإدارة الفعلية بيد الإنجليز رغم رفع العلمين المصري والبريطاني معًا.
و في عهد الحكومات المتعاقبة من الخديوي عباس حلمي إلى الملك فاروق، ظلّ موضوع السودان مطروحًا بلا حسم ، ثم جاءت إتفاقية صدقي–بيفن 1946، وأعقبها اتفاقية 1953 في حكومة النحاس باشا، التي أقرت الحكم الذاتي وتقرير المصير .
حين أُعلن الإستقلال في 1 يناير 1956، لم يكن أمام عبد الناصر إلا إحترام إرادة السودانيين، بل كان أول رئيس مصري يبارك إستقلالهم ويرسل وفود التهنئة ، فالحقيقة أنه لم يتخلى عن السودان، بل تعامل مع واقع صنعه الإستعمار والعهود السابقة.
ثانيًا: غزة وسيناء بين النكسة والتشويه :
يحاول خصوم عبد الناصر تحميله وحده وزر فقدان غزة وسيناء ، لكن التاريخ يروي أن هزيمة عام 1967 لم تكن مصرية فقط، بل هزيمة عربية شاملة.
بعد العدوان الثلاثي (1956) إنسحبت إسرائيل من سيناء وغزة تحت ضغط المقاومة والضغوط الدولية، فعادت غزة إلى الإدارة المصرية.
و في يونيو 1967، واجهت مصر و سوريا و الأردن عدوانًا شاملًا إنتهى بخسارة سيناء و غزة و الضفة الغربية والقدس والجولان خلال ستة أيام ، فكانت كارثةً كبرى، لكن عبد الناصر واجهها بصدق فأعلن إستقالته، ثم عاد تحت ضغط الملايين من الجماهير.
و بدلًا من الإنكسار ، أعاد بناء الجيش، وأطلق حرب الإستنزاف (1968–1970) التي كسرت أسطورة الجيش الإسرائيلي، ومهّدت لنصر أكتوبر 1973 الذي لم يسعفه العمر ليحتفل به .
ثالثًا: اليمن وثمن الحرية :
إتهموه أنه أغرق مصر في “مستنقع اليمن”. لكن الحقائق تقول إنه إستجاب لطلب ثورة 26 سبتمبر عام 1962 ضد حكم الأئمة المدعوم من السعودية وبريطانيا ( نسخته اليوم الحوثيين المدعومين من إيران ) .
قدّم الجيش المصري هناك نحو 25 ألف شهيد ، ثمنًا لقيام الجمهورية اليمنية وصمودها حتى اليوم ، فلم يكن تدخله طمعًا، بل قناعة بأن خاصرة الجزيرة العربية لا يجوز أن تكون قاعدة إستعمارية.
رابعًا: الوحدة السورية والإنفصال :
من الإفتراءات أنه فرض الوحدة على سوريا ، فالوفود السورية هي التي جاءت تطلبها عام 1958 وخاصةً الضباط ، تحفّظ عبد الناصر أولًا، ثم إستجاب لإرادة الجماهير .
وعندما وقع الإنفصال (1961) رفض استعادة السلطة بالقوة وزج الجيش لمواجهة شعبه العربي الذي عاش ومات لأجله ، حتى قائد الإنقلاب العقيد عبد الكريم النحلاوي شهد على قناة الجزيرة قائلاً :
لو أن عبد الناصر عاد إلى دمشق بطائرته لانتهى الإنقلاب في ساعته.
هذه شهادة الخصم لا الصديق: الوحدة لم تُفرض، بل قامت طوعًا، وعبد الناصر لم يكن متعطشًا للسلطة.
خامسًا: الجزائر… القضية التي لم يتخلَّ عنها:
منذ نوفمبر 1954، تحولت القاهرة إلى القاعدة الخلفية للثورة الجزائرية :
-أرسلت السلاح والدعم.
-فتحت إذاعة “صوت العرب” للثوار.
-إستقبلت قادة الجبهة كأحمد بن بلة و بوضياف.
و قد كان دعم الجزائر أحد أسباب مشاركة فرنسا في العدوان الثلاثي على مصر ، و آنذاك وصف رئيس الوزراء الفرنسي ( غي موليه ) عبد الناصر بأنه «رأس الأفعى» الذي يجب القضاء عليه. لكن عبد الناصر لم يتراجع، بل صمد، وفي 1962 إنتصرت الجزائر موسومة ببصمة القاهرة الناصرية.
سادساً: عبد الناصر وقبرص… مكاريوس نموذج آخر للتحرر :
لم يكن إهتمام عبد الناصر بالتحرر مقتصراً على العرب وحدهم. ، ففي شرق المتوسط، وجد في نضال جيرانه القبارصة ضد الإستعمار البريطاني قضية تستحق الدعم. قاد المطران مكاريوس الثالث، الزعيم الروحي والسياسي للقبارصة، حركة وطنية للمطالبة بالإستقلال والوحدة، وواجه قمعاً شرساً من سلطات لندن.
في تلك المرحلة تحولت القاهرة إلى منصة صدى لمطالب القبارصة، ففتح عبد الناصر لهم منابر “صوت العرب”، وأمّن قنوات إتصال مع قادة العالم الثالث لكسب الدعم الدولي. تشير تقارير بريطانية آنذاك إلى أن عناصر منظمة إيوكا (EOKA) تلقوا دعماً لوجستياً من مصر، سواء بالتدريب أو بالإمداد، في إطار رؤية عبد الناصر لوقف النفوذ البريطاني في البحر المتوسط.
كان هذا الدعم إمتداداً لمنهج ناصر ، فأي حركة تحرر تواجه الإستعمار هي حليف طبيعي لمصر الناصرية. ولم يكن غريباً أن تُصبح القاهرة في الخمسينات والستينات ملتقى زعماء العالم الثالث، من مكاريوس إلى بن بلة وغيفارا ونهرو .
و هكذا برز ناصر كصوت لكل الحركات الوطنية، من ضفاف النيل إلى شواطئ المتوسط .
سابعاً: الأكراد والرؤية الإستيعابية :
إتهموه بالشوفينية، بينما فتح أبواب القاهرة للوفود الكردية في الستينات، وتوسط لإعادة الملا مصطفى البرزاني إلى شمال العراق، وإستقبله في منزله شخصياً وتناولا الطعام كأسرة واحدة، في رسالة رمزية حميمية كبيرة، وفتح للكورد إذاعة خاصة بلغتهم من القاهرة،( أغلقها السادات عند إستلامه للحكم لاحقاً ) ودعمهم معنويًا وسياسيًا. حتى عندما إتفق الرئيس العراقي الراحل أحمد حسن البكر مع البرزاني في ما يسمى حينها “إتفاق أذار / مارس للحكم الذاتي عام 1970″، كان عبد الناصر أول زعيم عربي يرسل برقية تهنئة وإعتبر الإتفاق نصراً للقضية القومية العربية ولحقوق الشعب الكوردي في شمال العراق.
كان يرى أن الحل العادل لقضيتهم داخل الإطار القومي العربي أفضل من أن يستقطبهم الإستعمار أو الكيان الصهيوني. لقد إختار الإحتضان بدل الإقصاء، والعدل بدل التهميش.
ثامناً: حركات التحرر العالمية :
لم يكن ناصر قائدًا عربيًا فقط، بل رمزًا عالميًا:
-دعم نكروما في غانا، سيكوتوري في غينيا، وكينياتا في كينيا.
-دعم حركات الإستقلال في الخليج واليمن الجنوبي.
-إحتضن تشي غيفارا وكاسترو.
-أسس مع نهرو وتيتو وسوكارنو حركة عدم الإنحياز.
كما ركّز في خطاباته على إدانة نظام الأبارتهايد في جنوب إفريقيا، و اعتبره إمتدادًا للإستعمار والإستغلال الإمبريالي .
تاسعاً: طهريّة عبد الناصر :
يبقى ما يميز عبد الناصر فوق كل إنجاز سياسي أو عسكري هو طهارة يده ونقاء قلبه. لم يعرف عنه أنه جمع ثروات أو شيّد قصورًا أو فتح حسابات سرية لأولاده ، بل عاش حياة بسيطة، تنقّل بين بيت عسكري متواضع ثم منزل عادي في منشية البكري أقرب إلى بيت موظف منه إلى بيت حاكم ، لم يترك لأولاده ميراثًا من مال أو جاه، وإنما ترك لهم إرثًا من القيم الصارمة. أبناؤه شقوا طريقهم بأنفسهم دون أن يمنحهم لقب “ابن الرئيس” أي إمتياز، حتى أن ابنه خالد حمل هموم الأمة في قلبه، فانخرط في تنظيم مسلح ضد الإحتلال الإسرائيلي، فحُوكم ونُفي، ولم يفكر يومًا في إستغلال اسم والده للنجاة أو لتحقيق منفعة.
ولو كان عبد الناصر كما يصوره بعض خصومه “عميلًا” أو “فاسدًا”، لأخرجوا منذ أكثر من نصف قرن وثيقة واحدة أو فضيحة أخلاقية تسقطه من وجدان الناس. لكنهم فشلوا، لأن حياته كانت نظيفة من كل دنس، ولأن تاريخه الشخصي بقي عصياً على التشويه مهما تكاثرت محاولات الإفك. وهنا تبرز قيمة شهادة الخصوم أكثر من شهادة المحبين. ففي عام 2003 أقام حزب الإتحاد الإشتراكي العربي الديمقراطي في سوريا ، إحتفالية في مدينة دوما بريف دمشق بذكرى ثورة 23تموز/يوليو، حضرها الآلاف. كان بين الحضور المعارض الأردني القيادي الإسلامي ليث شبيلات، المعروف بانتمائه لتيار فكري معادي لعبد الناصر ، فطلبوا منه أن يلقي كلمة. إختصرها حينها بجملة واحدة قال فيها: «أنا راجع عالأردن وفهمكم كفاية، ولكن أقول في عبد الناصر، للأمانة والتاريخ: عبد الناصر رحل عن الدنيا نظيف الكف والفرج» ( لم يسرق ولم يزني ). كانت هذه الكلمات الصريحة، الصادرة من خصم فكري وسياسي، أبلغ شهادة على نزاهة الرجل.
ولعل المشهد الأصدق على طهريته جاء يوم رحيله في 28 سبتمبر 1970. عندما خرجت القاهرة عن بكرة أبيها، وإمتلأت الشوارع والميادين بجنازة مليونية لم تعرف مصر والعالم العربي مثيلًا لها لغاية اليوم .
بكتهُ الجماهير لا خوفاً ولا نفاقاً، بل لأنه رحل عنهم الرجل الذي عاش كما يعيشون، ومات كما يموتون، بلا ثروة ولا قصور ولا إمتيازات.
كان حزن الناس شهادةً حية على أن عبد الناصر لم يغادر وجدانهم، وأن الطهارة الشخصية، لا مجرد الخطابة السياسية، هي التي صنعت مكانته في قلوب الملايين .
تاسعًا: جلال الحمامصي والسادات…حقد ما بعد الرحيل :
لم يتوقف الإفك بوفاة ناصر، بل وجد من يمدّه ، فقد انبرى الصحفي جلال الحمامصي لترديد إتهامات باطلة بحق عبد الناصر، لا تعبيرًا عن مهنة البحث عن الحقيقة، بل إنطلاقًا من نوازع شخصية وأحقاد دفينة.
الأخطر أن الرئيس أنور السادات إستثمر تلك الأقوال بعد أن تحرك صهر عبد الناصر، الدكتور حاتم صادق، لكشف بعض الحقائق. عندها خرج السادات ليقول إن تحرك الحمامصي لم يكن إلا ثمرة لـ”الحقد الطبقي” الذي خلّفه عبد الناصر في المجتمع. و هكذا إنكشفت المعادلة فلم يكن الدافع موضوعياً ولا وطنياً ، بل ضغينة إستغلها السادات ليبني روايته المضادة.
خاتمة:
كتبتُ يومًا «حديث الإفك»، وأكتب اليوم «حديث الإفك (2)»، وغدًا قد أكتب «حديث الإفك (3)». لأن المعركة على الحقيقة لا تنتهي، ولأن الزعامة لا تموت بالكذب، بل تبقى حيّة في قلوب الشعوب.