الرئيس الشرع بين جني مكاسب النجاحات السياسية ومواجهة مخاطر الاستقطاب الإقليمي

د. عبد المنعم حلبي

بالتوازي مع ارتفاع وتيرة الأنباء التي تتحدث عن تعاون عسكري تركي سوري وعَقدِ اتفاقات مزمعة، واستمرار تلقي الرئيس أحمد الشرع وحكومته الانتقالية برقيات وبيانات الترحيب الإقليمي والدولي، بعد الإخراج الذي بدا مقنعاً للتشكيلة الحكومية.

وخلال تمرير إدارته اتفاقاً تفصيلياً مهماً مع قسد لحلحلة الأوضاع العالقة في حلب وعفرين، والذي أشاع ارتياحاً شعبياً، وجَّهت إسرائيل الأربعاء الماضي الثاني من نيسان عشرات من الضربات العسكرية على مطارين عسكريين في حماة وحمص متضمنةً رسالةً سياسية خطيرة، أربكت المشهد في سوريا ووضعته أمام مخاطر مقلقة.

هجمات إسرائيل زادت من احتمالية تحويل سوريا مجدداً إلى ميدان للصراع غير المباشر بين تركيا وإسرائيل.

فمع أجواء الترحيب الدولية، الأوروبية والأميركية، التي اعتبرت الحكومة الانتقالية خطوة مهمة باتجاه المزيد من المشاركة السياسية، وبالتالي المزيد من رفع العقوبات، بما يُمكن أن يؤدي ذلك من انتقال بالاقتصاد السوري إلى طريق التعافي وإعادة التأهيل، فوجئ السوريون مساء الأربعاء الثاني من نيسان بتوغل إسرائيلي بري كبير وعبر أربعة أرتال عسكرية غربي محافظة درعا، ما لبث أن تلقَّى مقاومة شعبية، ليُستتبع بعشرات الغارات الإسرائيلية، والتي تُعد الأكبر منذ هجماتها التاريخية عشية سقوط النظام، واستهدفت فيها مطار حماه العسكري ومطار T4 شرقي حمص، في رسالة سياسية واضحة إلى السلطة السورية الجديدة، قد تشير لاستراتيجية جديد لمنع تمرير تحالفها مع تركيا، الذي يهدد أمن إسرائيل بحسب زعمها، الأمر الذي أعاد السوريين من جديد إلى دائرة الخوف من مخاطر تهديد استقرار البلاد، التي كانت فيه تستعد للشروع بجني مكاسب نجاحات سياسية مشهودة.

فعلى الرغم من التحذيرات الواضحة والصريحة من قبل العديد من المراقبين، وكذلك بعض الأطراف القريبة من مراكز القرار الإقليمي، من وقوع السلطة الجديدة في سوريا في أتون أي استقطاب سياسي وعسكري إقليمي حاد، يُعرقل المكاسب السياسية الكبيرة التي تحققت للشعب السوري منذ سقوط النظام، استمرت الأنباء عن السير باتجاه توقيع اتفاقات عسكرية مع تركيا، تتناول القيام بالعمل على إقامة قواعد عسكرية، بدءاً من مطار منغ العسكري شمالي حلب، وصولاً لإعادة تأهيل مطار T4 العسكري وسط سوريا، بداعي مواجهة التمدد الذي يتم تداوله والتحذير منه لتنظيم الدولة “داعش” بتنسيق إقليمي، وتقديم الدعم العسكري الاستشاري والتدريبي لقوات الجيش السوري الناشئ، والتي يؤيدها -على ما يبدو- قطاع واسع من السوريين.

تلك الأنباء كانت متداولة ويتم نقاشها في الدوائر الرسمية السياسية والإعلامية الإسرائيلية التي عبَّر مسؤولوها، وعلى رأسهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو علناً عن رفض القبول بها، وعدم السماح لتركيا بالتمدد إلى سوريا، وحلول النفوذ التركي بدل النفوذ الإيراني.

وفعلاً أخذت إسرائيل بزمام المبادرة بتنفيذ تلك الهجمات، الأمر الذي زاد من احتمالية تحويل سوريا مجدداً إلى ميدان للصراع غير المباشر بين تركيا وإسرائيل، والذي باتت تتخذه إسرائيل ذريعة وغطاءً توجد مؤشرات على إمكانية استمراره بما قد يؤدي إلى القضاء على تطلعات السوريين باستعادة أمن بلادهم واستقرارها.

ومع صدور بيان وزارة الخارجية والمغتربين السورية المُندد بالهجمات الصهيونية المخالفة للقانون الدولي، دعت فيه لتدخل دولي لمنع إعادة تدوير العنف وتطبيعه في البلاد من جديد عبر العدوان الإسرائيلي غير المبرر، قامت العديد من الدول العربية التي سبق أن رحبت بتشكيل الحكومة الانتقالية إلى إصدار بيانات التنديد بهذه الهجمات، وفق صيغ متناسبة مع مضمون بيان الخارجية السورية، وذلك بالتزامن مع تشييع شهداء نوى التسعة في أجواء تشبه مشاهد التشييع الفلسطينية، في ظل التوجس والترقب الذي اعترى الشارع السوري، ودعوات أهلية في مختلف مدن وبلدات سهل حوران للرد على العدوان الصهيوني، ولا سيما البري.

هذا المستوى من التعقيد أصبح يستدعي -على ما يبدو- أن يقوم الرئيس أحمد الشرع وحكومته الانتقالية بتوضيح استراتيجيتهم التي يرتكزون إليها في إدارة العلاقات الخارجية الإقليمية.

الصمت التركي الرسمي تجاه الرسالة الإسرائيلية الواضحة لم يدم طويلاً، فبعد تحذير وزير الدفاع الصهيوني دمشق من دخول قوات معادية لإسرائيل إلى سوريا، ووصول حدة التهديدات الإسرائيلية إلى التلويح للرئيس الشرع بدفع ثمن باهظ، فيما يشبه ما هدد به بنيامين نتنياهو بشار الأسد قبل أسبوعين من سقوطه، أصدرت وزارة الخارجية التركية بياناً نددت فيه بالهجمات الإسرائيلية باعتبارها تهديداً لاستقرار سوريا وتغذية للصراع والإرهاب.

هذا المستوى من التعقيد أصبح يستدعي -على ما يبدو- أن يقوم الرئيس أحمد الشرع وحكومته الانتقالية بتوضيح استراتيجيتهم التي يرتكزون إليها في إدارة العلاقات الخارجية الإقليمية، على أساس السيادة الوطنية الكاملة تجاه جميع الأطراف بلا استثناء، والموقف من السلام الإقليمي، والعلاقة المستقبلية مع كل من تركيا وإسرائيل، ضمن توازن يحفظ أمن وسلامة سوريا ومصالح شعبها.

إن اتساع نطاق التأييد والدعم للرئيس الشرع وحكومته المُلاحظ داخلياً وخارجياً، يمكن أن يُعوَّل عليه بالفعل لطرح مثل هكذا استراتيجية على العلن، بل والسير بها قُدماً وفق المسارات الثنائية المتاحة دبلوماسياً، أو عبر مجموعة الاتصال العربية، وعبر المؤسسات الإقليمية كالجامعة العربية والدولية المختلفة، وبما يمكن أن يؤدي إلى نوع من التحييد الإيجابي لسوريا على مستوى الإقليم، والذي يبدو ضرورياً للغاية في هذه المرحلة، وذلك ببساطة للتفرغ بصورة أكثر تركيزاً، وبالتالي أكثر فعاليةً، في الذهاب بعيداً نحو تقوية الصف الداخلي وتحويل النجاحات السياسية إلى مكاسب، سواء عبر التعامل بهامشٍ أكثر أريحية في ملفي قسد والسويداء، أو تبريد الوضع في الساحل في إطار عملية واضحة لتطبيق العدالة الانتقالية، والاستمرار بالعمل الجاد والحثيث في الميدان الاقتصادي والخدمي، لتجديد النسيج الاجتماعي ومصادر الكسب المعيشي، واستجلاب الدعم والمنافع الاقتصادية الخارجية، بما يؤدي إلى المزيد من التعافي وترسيخ الأمن والاستقرار، واستعادة الحياة الطبيعية التي ينشدها جميع السوريين بسلام في وطنهم مجدداً، وطن آمن ومسالم وقابل للتطور.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى