لكي تكفّ إسرائيل شرّها عن سورية

معن البياري

صار مؤكّداً، للمرّة الألف على الأقل، أن إسرائيل لا تريد أن تكفّ شرّها عن سورية. … توضح شراسة الاعتداءات المتتالية، شبه اليومية أحياناً، أن ثمّة قراراً لدى دولة الاحتلال أن تبقى سورية في أضعف حال، بلا إمكاناتٍ عسكريةٍ لأيِّ جيش طبيعي، بلا أيِّ تسليح، ليس فقط لكي لا تستطيع الدفاع عن نفسها، بل أيضاً لتظلَّ ملعباً مستباحاً للمعتدي الإسرائيلي، بطيرانه وعتاده وجنوده. وأمام هذا الحال، سيتعلّق السؤال بالمطلوب الملحّ من السلطة في دمشق، ماذا عليها أن تصنع؟. بديهيٌّ أن التوازن الاستراتيجي الذي أطنب عنه كثيراً حافظ الأسد كان ينفع في تزويد كتّاب افتتاحيات صحيفة تشرين وزميلاتها بذخيرةٍ لغويةٍ لا تحفل بها غرفة قيادة الأركان الإسرائيلية. وبديهيٌّ أنه سيكون محرجاً، بل ومرفوضاً، الاستغراق أكثر وأكثر في اللغة الباردة التي تعاطت بها القيادة السورية الراهنة بشأن الاعتداءات الإسرائيلية في الأشهر الأربعة الماضية. وحسناً من الخارجية السورية أنها سمّت استهداف إسرائيل عدّة مواقع عسكرية ومدنية سورية في دمشق وحمص ودرعا عدواناً، وانتهاكاً سافراً للقانون الدولي وسيادة الجمهورية العربية السورية. والمأمول أن تنشط الوزارة المعنيّة باتصالات دبلوماسية وسياسية مع العواصم الكبرى، ومع مجلس الأمن والأمم المتحدة، أقلّه ليشعُر العالم بأن الدولة السورية تؤدّي أضعف الإيمان بشأن استهدافٍ ضد أراضيها وقدراتها العسكرية، وضد شعبها من قبلُ ومن بعد، وقد سقط منه شهداء وجرحى.
ليس من حاجةٍ للقول إن دولة البغي تنعُم بفرصةٍ ربما لم تتوقّع مثلها، لمّا قامت قبل أزيد من 75 عاماً، أن العالم العربي منكشفٌ مبطوحٌ قدّامها، بلا أيِّ حوْل، منزوع الإرادة وبلا أيِّ قدرةٍ على أي قرارٍ جدّي، بل وفيه من يقيم أقوى العلاقات والتحالفات معها، فأن يضرب سلاح الجو الإسرائيلي في سورية، كيفما شاء ووقت شاء، نشاطٌ روتينيٌّ في يوم عملٍ عاديٍّ له، وتتفهّم هذا كل الدول العربية، المسمّاة منها مركزية والأخرى غير المسمّاة مركزية. وترفع هذه الدول، من النوعيْن، بعض شعورٍ بشيءٍ من الحرج، بالبيانات اللفظية إياها، والتي لا تشغل الدولة العبرية نفسَها بأي اكتراثٍ بها. ومن شديد البؤس أن يثرثر بعضُنا إن قصف الطيران الحربي الإسرائيلي مطاراً عسكرياً في حماة وقاعدة في حمص ومركز بحوثٍ في دمشق، الليلة قبل الماضية، رسالة تبعثها تل أبيب إلى أنقرة، وإنْ ذاع أن القاعدة المستهدفة كان مقرّراً أن تصير تركية، فالرسالة إلى السوريين، وليس إلى أحدٍ غيرهم، مفادُها بأنه غير مسموحٍ لهم أن يعملوا من أجل تعافي بلدهم، فهذه الاعتداءات الشرسة، غير المسبوقة على سورية، معطوفةٌ عليها تلك المحاولات الإسرائيلية لاحتضان السوريين الدروز، وكأن حكومة الاحتلال حاميتهم، وكذا تصريحات أكثر من مسؤولٍ في دولة العدوان بشأن الحكم في سورية الجديدة، وتعيين هويّته، في سفورٍ معلنٍ تنسب فيها الدولة المذكورة وصايةً على الشعب الذي أطاح بشّار الأسد ليتخيّر طريقه إلى النظام السياسي الذي يريد.
ليس في المقدور أن يُطرح جوابٌ عن السؤال الملحّ تُطالَب به السلطة السورية الراهنة لدفع الشر الإسرائيلي عن البلاد، ولكبح جموحه وهو يستهين بكل الأعراف والاعتبارات، سيّما وأن إمكانات الدولة السورية وقدراتها على أوضح ما يكون عليها الانكشاف والضعف وقلة الحيلة، وسيّما وأن الإسناد العربي لن يتحقّق بالمُراد الذي يشتهيه كل سوري، وكل مواطن من المنامة إلى نواكشوط. والبديهيُّ عن وجوب تحصين السلم الأهلي في البلاد، وصيانة الوحدة الوطنية، وإقامة إجماعاتٍ سوريةٍ تلتف حول وطنيةٍ عامة، وبناء مؤسّسات للدولة ذات مناعةٍ ضد الفساد والإفساد، ويتمثّل فيها كل السوريين عن استحقاقٍ وجدارة، البديهي عن هذا كله وغيره متطلّبٌ رئيسٌ في مواجهة العدوان الإسرائيلي المتواصل، وفي العمل من أجل صوْغ استراتيجيةٍ وطنيةٍ من أجل هذا الهدف. ويبقى من عدّة دول عربية، ومنها في الخليج، أن تقدّم كل عونٍ لسورية من أجل بناء مؤسّستها العسكرية المسلحة، القادرة على إشعار العدو الإسرائيلي بأن الخروج من الحمّام ليس كما دخوله، وبأن في وسع الشعب السوري أن يقع على معادلةٍ أخرى، غير التسليم بالضعف والعجز، فثمّة ما يمكن تثميره والبناء عليه، وفي الأول والأخير أهل مكّة أدرى بشعابها.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى