
ثمة عناصر جنائية وسياسية مثيرة في حادثة سان بطرسبرغ الارهابية يوم الاثنين ماضي , أهمها أنها وقعت بينما الرئيس بوتين يزور المدينة أولا , وموجود في مكان قريب من موقع الانفجار ثانيا , ما يعني أن الذين خططوا لها كانوا على دراية مسبقة بهذه المعلومات الامنية عن تحركات الرئيس , وعندهم القدرة على التخطيط والتنفيذ بسرعة , وهو أمر لا تقدر عليه غير أجهزة خاصة , وأشخاص قليلون في ( الأمن الرئاسي ) .
هذا العنصر المهم يثير شبهة أن تكون جهات من داخل الدولة ضالعة في الحادث الارهابي , ويقود للاستدلال بأن ثمة “معارضة” داخل النظام للرئيس تضاف الى المعارضة المتزايدة له في الشارع وفي الاوساط الشعبية , وفي أوساط الشعوب غير الروسية .
قبل الحادث بأسبوع فقط شهدت موسكو ومدن كثيرة تظاهرات احتجاجية حاشدة هي الأولى من نوعها بحجمها ومستواها وعنفها في عهد بوتين , إذ شارك فيها الآلاف نظمتها جماعات معارضة سياسية للتنديد بسياسة الرئيس بوتين , وبانتشار الفساد , تعاملت معها الشرطة بعنف بالغ , واعتقلت 1500 شخصا على رأسهم الناشط المعارض اليكس نافانلي . وسبق هذ التظاهرات تحقيقات صحافية عن تضخم ثروة رئيس الوزراء وصديق بوتين ديمتري ميدفيديف , واتهامات واسعة لبوتين بالتورط باغتيال المعارضين السياسيين بشكل منهجي ومستمر واعتماده على شبكات مافيا وجريمة منظمة .
والاخبار الواردة من جمهوريتي الشيشان وداغستان لا تسر بوتين أيضا , فحرب العصابات ضد روسيا عادت للظهور , وتتحدث المصادر الرسمية عن عملية كل اسبوع كمتوسط ثابت . وبعد انفجار بطرسبرج بساعات قليلة وقع هجوم مسلح على حاجز شرطة اسفر عن مصرع اثنين .
الرئيس القوي بوتين القادم من أجهزة المخابرات الى الكرملين بنى نجوميته وشعبيته الداخلية على نوعين من الانجازات :
أولهما حربه على الحركات الاستقلالية المطالبة بالاستقلال في القوقاز والقضاء عليها , ولكن بثمن باهظ جدا يذكر بجرائم الطاغية ستالين ضد الشعوب القوقازية إبان الحرب العالمية , إذ طبق الرئيس في بداية عهده سيناريو عسكريا خاصا عرف باسم سيناريو غروزني استعمل فيه الابادة الشاملة وتدمير المدن بالكامل ونقل سكانها الى مناطق بعيدة ومنهم من العودة , ولما استتب الامن كانت الحصيلة عشرات الوف القتلى والمختفين , ومئات الوف المهجرين .
وثانيهما حروبه ( القومية ) في الخارج ضد جورجيا ثم اوكرانيا , وأخير في سورية لاستعادة أمجاد الاتحاد السوفياتي في العالم , وقد دغدغت هذه الانجازات مشاعر وأحلام الجماهير الروسية الجريحة التي تعرضت للانهيار والاهانة والجوع بعد تفكك الامبراطورية الشيوعية .
لقد اكسبت هذه الانجازات بوتين شعبية طاغية ونجومية لامعة حتى صار في المخيال الشعبي القومي – الارثوذوكسي بطلا قوميا مما ساعده على تغطية جرائمه وفساده وديكتاتوريته , لا سيما أنه هو شخصيا شن حربا ارهابية منهجية ضد من ينتقده وخاصة في اوساط الاعلام والصحافة, فأمر باغتال عشرات الكتاب والصحافيين وأغلق المؤسسات الاعلامية التي تعارضه .
معروف أن هذه السياسات ( وصفة مجربة ) لاستدرار مشاعر الجماهير وتحقيق الشعبية والنجومية , ولكن تبعاتها ونتائجها مدمرة دائما , إذ تغرس بذور الانتقام والارهاب , وتولّد دورة جديدة من العنف الاسود تفوق سابقتها , لأن التجارب في العالم كله اثبتت أن العنف المفرط قد يحقق بعض نتائجه المرجوة على المدى القصير , ولكنه لا يحل المشاكل التي سببته , وإنما يغذيها وينميها .
وهذه الدورة التاريخية في روسيا البوتينية اكتملت , فمرت في طور الاستقرار العنيف , وهي الآن تقترب من طورها الثاني , أي تجدد العنف والارهاب بشكل يفوق السابق .
بذور الارهاب التي خلقتها البوتينية ( Putinism) لا تقتصر على الداخل الروسي , بل تتعداه الى الخارج القريب والبعيد , فهي في اوكرانيا متواصلة, وقبل أيام فقط اتهمت حكومتها روسيا بمواصلة ( ارهاب الدولة) ضدها وضد شعبها. وفي سورية قاد بوتين بعقيدته القومية ومغامراته العدوانية بلاده الى حرب همجية ووحشية ضد الشعب السوري لحماية حليفه وعميله بشار الاسد , وما زالت الورطة السورية متواصلة ولا يعرف بوتين كيف يخرج منها , بعد أن أخفق في تحقيق أهدافها السورية , وسببت ادانة عالمية غير مسبوقة له ولبلاده ولجيشه في العالم كله .
اجتذبت السياسة الروسية في سورية خمسة آلاف مقاتل شيشاني وتركمانستاني وداغستاني وقوقازي للقتال في سورية والعراق, ومن المتوقع أن يعود هؤلاء للقتال داخل روسيا , في دورة جديدة من دورات التمرد والثورة في سبيل الاستقلال عن الاستعمار الروسي المتواصل منذ ثلاثة قرون . سيعود هؤلاء مدربين ومشحونين بمشاعر الحقد والكراهية والرغبة بالانتقام لأسلافهم ولأقربائهم المسلمين السوريين والعراقيين الذين قتلتهم طائرات بوتين في هولوكست حلب ودمشق , وهولوكست ادلب الذي بدأت تشعله في الايام الاخيرة , إذ شنت طائرات بوتين وحليفه الاسد مائتي غارة خلال الايام القليلة التي سبقت عملية بطرسبرج .
جرائم بوتين في غروزني والشيشان قبل خمسة عشر عاما , وجرائمه في اوكرانيا وجورجيا وفي سورية لن تمر بلا ردود افعال,هذا أبسط دروس التاريخ الروسي والعالمي . روسيا الامبريالية مارست الارهاب على نطاق واسع وتجاوزت كل الحدود , ووصلت الى الشرق الاوسط للمرة الاولى بحجة الحرب على الارهاب ومحاربة اعدائها الداخليين على ارض سورية البعيدة . والأرجح أن حقبة بوتين الهادئة انتهت , وحقبة العنف بدأت تطل بقرنيها في قلب روسيا , وفي خاصرتها الجنوبية الرخوة , وفي فضائها الاقليمي ( السوفياتي ) من اوكرانيا الى قرغيزيا , ومن القرم الى سورية والشرق الاوسط .
آلاف الانتحاريين الذين تدربوا في سورية والعراق سيعودون الى روسيا للانتقام ,هذا أمر حتمي ! ويمكن لبوتين وصديقه ترامب وغيرهما وصف هؤلاء المقاتلين بالارهابيين , ولكن العالم كله يعلم أن من يزرع الارهاب سيحصد ارهابا أشد , وأن البادىء أظلم !
المصدر: مجلة الشراع اللبنانية 7 – 4 – 2017
قراءة دقيقة وموضوعية من الكاتب والمناضل العروبي الراحل محمد خليفة عن الرئيس الروسي “بوتين” خريج المخابرات الروسية والألمانية الشرقية، حارب الحركات الاستقلالية والمطالبة بالاستقلال عن الإتحاد الروسي في القوقاز وقضى عليها بجرائم كبيرة، وكذلك حربه القومية ليستعيد أمجاد الإمبراطورية القيصرية والإتحاد السوفياتي، الله يرحمه ويغفر له ويسكنه الفردوس الأعلى.