سورية في منظار السوريين.. بين الممكن والمُتخيَّل

حسن النيفي

لعله من اليسير على المرء أن يركن إلى ذاته ويسطّر ما يشتهي وما يروق له من حاجاتٍ، طالما أن هذه العملية لا تغادر حيّز ( الرغبة) ولا تستدعي من أدوات العمل سوى البراعة في التخييل المجرّد والبعيد عن الممكنات الواقعية، ولا شك أن النشوة الطارئة التي سيحظى بها – جرّاء هذه العملية – سيعقبها خيبات متتالية تؤكّد له على الدوام أن النزوع ( الرغبوي ) لا يجسّد حالة مَرَضية فحسب، بل هو تعبير صريح عن انحراف معرفي في القدرة على تشخيص الوقائع، وبالتالي سيفضي – حتماً – إلى نتائج مغايرة لما هو مرغوب به.

ربما بات هذا النمط الرغبوي من التفكير هو السمة الأبرز لسلوك العديد من القوى السياسية السورية التي تصنّف ذاتها تحت مُسمّى (القوى الوطنية الديمقراطية)، وهذه القوى – على اختلاف انتماءاتها الإيديولوجية – منها ما كان له حضور في الكيانات الرسمية للمعارضة (المجلس الوطني السوري – الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة) ومنها ما كان خارج تلك الأطر (هيئة التنسيق الوطني – أحزاب وتجمعات وتيارات مستقلة)، وقد عملت تلك القوى منذ آذار 2011 على مواجهة استحقاقين اثنين:

– إزالة النظام الحاكم في دمشق

– إقامة دولة علمانية قائمة على مبدأ المواطنة ومراعاة حقوق الإنسان وتحتكم إلى الدستور.

سيصدُر بيانٌ يتضمّن المطالبة بالانتقال إلى دولة المواطنة والديمقراطية وسيادة القانون وإطلاق الحريات بكل أشكالها، وينتهي البيان بمطالبة المجتمع الدولي بالضغط على نظام الأسد لإلزامه بتطبيق القرارات الأممية.

سوريا التي أرادوا

بما أن التدخّل الدولي قد وجد سبيله مبكّراً للتحكّم بمفاصل القضية السورية، فإن القوى المشار إليها قد وجدت في ذلك ذريعة للتنصّل من مواجهة الاستحقاق الأول (إزالة النظام)، بحجة أن هذا الاستحقاق لم يعد مسألة محلّية، بل بات شاناً إقليمياً ودولياً، ولا طائل من العمل في هذا المجال، الأمر الذي جعل معظم نشاط تلك القوى محصوراً برسم معالم – سوريا المستقبل – وفق الصورة المتخيَّلة في أذهان ناشطي ومثقفي القوى السياسية.

وبالفعل فإن عنوان (سوريا المستقبل – كان المادة التي اشتغلت عليها ألوف الندوات والمحاضرات والمنصات الإعلامية، كما كانت المادة المرغوبة لدى مراكز الأبحاث التي أنتجت كمّاً كبيراً من الأوراق والدراسات حول أشكال نظام الحكم ومسائل الفيدرالية واللامركزية ودور المرأة وعلاقة الدين بالدولة ومسائل أخرى.

أمّا في السياق السياسي لعمل تلك القوى فإن سقف مطالبها يكاد يكون متطابقاً لدى الجميع، ففي كل محفل سياسي أو مناسبة، سيصدُر بيانٌ يتضمّن المطالبة بالانتقال إلى دولة المواطنة والديمقراطية وسيادة القانون وإطلاق الحريات بكل أشكالها، وينتهي البيان بمطالبة المجتمع الدولي بالضغط على نظام الأسد لإلزامه بتطبيق القرارات الأممية، بل إن عبارة (نطالب بتطبيق القرار الدولي 2254) باتت (اللازمة النمطية) التي لم يحدْ عنها أحد من تلك القوى، على الرغم من قناعة الجميع بعدم جدوى هذه اللازمة طالما أن نظام الأسد قائم في السلطة.

في الوجه الآخر لسوريا المستقبل

في الثامن من شهر كانون أول الماضي حصل التغيير المنشود في سوريا ولكن من خارج الأطر والسياقات المتوقعة، إذ لم يسقط نظام الأسد بفعل مسارات تفاوضية ولا نتيجةً لتطبيق قرار أممي، بل نتيجة عملية عسكرية (ردع العدوان 27 تشرين الثاني 2024) تمكّنت من الإطاحة بنظام دمشق، وكان على رأس هذه العملية العسكرية (هيئة تحرير الشام) المنحدرة من مرجعية (السلفية الجهادية)، والتي أمسكت بزمام السلطة وبادرت بالشروع لمواجهة بعض الاستحقاقات (تشكيل حكومة تصريف أعمال – مؤتمر الحوار الوطني – إصدار إعلان دستوري) إلّا أن تلك الخطوات من جانب السلطة الراهنة كانت محطّ انتقادات كثيرة، ليس من جانب القوى السياسية فحسب، بل من الجمهور العام أيضاً، إذ يذهب الكثيرون إلى أن هيئة تحرير الشام ماضيةٌ في احتكارها لأهم مفاصل السلطة، شأنها في ذلك، شأن بقية الحركات العسكرية والثورية التي تصل إلى السلطة بواسطة القوة العسكرية، وبالتالي فإن إصرارها على حكم البلاد من خلال (اللون الواحد) إنما يعني التأسيس لمنهج الإقصاء من جديد، ولعل هذا ما دفع عدداً من القوى والأحزاب إلى الإعلان عن تحالف سياسي أفصح عن جملة من المطالب والتوجهات التي يراها ضرورية لدخول البلاد إلى فضاء الدولة الحديثة التي يتطلع إليها السوريون، وفقاً لتلك القوى المتحالفة التي يجسّد سعيها – من حيث الشكل – مطلباً مشروعاً، بل ربما يحيل – للوهلة الأولى – إلى مناخ صحّي طالما تطلّع إليه السوريون طيلة عقود مضت، وأعني استعادتهم حقَّ المشاركة في الشأن العام، فضلاً عن حقوقهم في التعبير والرأي، ولكن من حيث مضمون هذا المسعى يمكن ملاحظة ما يلي:

المطالبة بأن تكون عملية التغيير منسجمة مع فحوى القرار 2254 ، تعني – بشكل غير مباشر – العودة إلى مطالبة المجتمع الدولي بالتدخل في العملية السياسية السورية.

أولاً – لعل الطريقة التي التقت فيها تلك القوى، وكذلك الطريق التي عبرت فيها عن مطالبها، لا تختلف عن طريقتها في التعبير عن المطالب ذاتها قبل سقوط نظام الأسد، إذ إن الأمر لا يتجاوز لقاءً يتم فيه استحضار الوصفة القديمة ( المطالبة بالعلمانية والديمقراطية وحق المشاركة وإعلان دستوري جديد ومؤتمر وطني عام.. إلخ )، وكأن جملة هذه المطالب يمكن أن تُقدَّم بجرّة قلم، أو أن محتويات هذه الوصفة موجودة على الرفّ، ويمكن استحضارها حين الطلب. في حين أن الوقائع تؤكّد أن تحقيق مجمل تلك المطالب مرهون بمسار تراكمي ومعترك اجتماعي وسياسي لن يتأتى دون العمل على الأرض والتفاعل الحقيقي مع القضايا الحياتية للمواطنين، ليكون مطلباً جماهيرياً عاماً وليس محصوراً في حيّزه النخبوي، أي إن شرعنة تلك المطالب إنما تكمن في القدرة على إقناع شطر كبير من المواطنين السوريين بفحواها، فهل حقاً تجسّد تلك المطالب تطلّعا عاماً لدى السوريين؟

ثانياً – المطالبة بأن تكون عملية التغيير منسجمة مع فحوى القرار 2254 ، تعني – بشكل غير مباشر – العودة إلى مطالبة المجتمع الدولي بالتدخل في العملية السياسية السورية، ولعل اللافت في الأمر أن السوريين انتظروا الحل من المرجعيات الأممية (الأمم المتحدة وجهازها التنفيذي المتمثل بمجلس الأمن) طيلة (13 سنة) ولم يأتِ، ولو لم تقم عملية ردع العدوان، كم كان على السوريين أن ينتظروا حتى تتكرّم عليهم المرجعيات الأممية بالحل؟ علماً أن بعضاً من تلك القوى السياسية لم تكن تمانع من مشاركة بشار الأسد في السلطة في حال وافق على التفاوض معها، وإن بعضاً منها أيضاً لم يخف تحالفه مع روسيا التي أمعنت في قتل السوريين بل كانت الشريك الأكبر للإجرام الأسدي.

ثالثاً – إن عملية (ردع العدوان ) إذ أسقطت نظام الأسد، فإن القسم الأهم من فحوى القرار ( 2254 ) قد تحقق (توقف الحرب في البلاد – زوال نظام الطغيان – خروج المعتقلين من السجون – عودة النازحين والمهجرين)، وهذا منجز وطني كبير قد تحقق بفعل سوري، فما الذي يمنع أن يتم استكمال عملية الانتقال السياسي بفعل سوري أيضاً؟.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى