إدلب.. مختبر اجتماعي أعاد تشكيل الهوية السورية

إياد أحمد شمسي

على مدى أربعة عشر عامًا من الثورة السورية، خاض السوريون تجربة اجتماعية عميقة ومؤلمة في آن واحد. هذه التجربة، التي كانت نتيجة لتشريد الملايين وتداخل المجتمعات المحلية في ظروف قهرية، شكّلت مختبرًا اجتماعيًا غير مسبوق. في هذا المختبر، أعاد السوريون اكتشاف أنفسهم ليس كأفراد فقط، بل كأمة متعددة المكونات والخصوصيات الثقافية. لم تكن هذه التجربة مجرد استجابة للأزمة، بل كانت إعادة تشكيل تدريجية للهوية السورية على أسس جديدة قوامها التعددية، والتفاعل، والانفتاح.

النظام المخلوع وإرث التفكيك المجتمعي

لأكثر من خمسة عقود، انتهج النظام المخلوع سياسة قوامها تفكيك الروابط الاجتماعية بين السوريين. كانت فلسفته تقوم على ترسيخ الانقسامات الجغرافية، والاقتصادية، والطائفية، مما عمّق الشعور بالانعزال داخل المجتمع السوري. كانت المدن معزولة عن القرى، والمناطق الريفية مُهمّشة ومغلقة على نفسها، بينما عانت البوادي من التهميش الكامل، وأصبحت العلاقات الاجتماعية محكومة بالشك والخوف.

هذا التفكك كان وسيلة لضمان السيطرة السياسية، لكنه في الوقت ذاته أضعف الهوية الوطنية السورية. الهوية التي كان يفترض أن تكون جامعة أصبحت مجزأة، مشوهة، وفاقدة للتماسك. لكن الثورة السورية، رغم قسوتها، أحدثت شرخًا في هذا النظام الاجتماعي المفروض، وخلقت فرصة لإعادة بناء هذه الهوية على أسس أكثر عدالة وشمولية.

إحدى أبرز نتائج هذا التحول كانت تجربة إدلب، التي أصبحت مختبرًا اجتماعيًا طبيعيًا، حيث جمع السوريون من مختلف الخلفيات والبيئات في مساحة واحدة، ليعيشوا تجربة تعايش مكثفة أعادت تعريف العلاقات بينهم رغم ضيق المساحات وعجز الإمكانيات وصعوبة الظروف.

إدلب: فضاء اجتماعي لإعادة تشكيل الهوية

إدلب، التي أصبحت ملاذًا لملايين السوريين من مختلف المحافظات، لم تكن مجرد مكان للإقامة المؤقتة، بل كانت نقطة التقاء بين ثقافات ولهجات وعادات متنوعة. في هذا التداخل، بدأ السوريون يعيدون اكتشاف بعضهم البعض. لأول مرة، جلس الفلاح القادم من الجنوب بجوار التاجر القادم من الشمال، وبدأ الحديث بينهما يكشف عن قواسم مشتركة لم يكونوا يدركونها.

في إدلب، ظهرت أنماط جديدة من التفاعل الاجتماعي. اللهجات المختلفة لم تعد تُعتبر عائقًا، بل أصبحت وسيلة للتواصل والتعرف على الآخر. التقاليد والعادات التي بدت في البداية غريبة تحولت إلى مصدر إلهام وتعلم. كانت إدلب مثالًا حيًا على أن التنوع يمكن أن يكون عامل قوة، وليس سببًا للفرقة.

هذا التفاعل اليومي لم يكن مجرد إعادة تشكيل للهوية الجمعية، بل كان درسًا عميقًا في فهم القيم المشتركة التي يمكن أن تجمع بين مختلف المكونات الاجتماعية السورية.

تجربة الدروز في إدلب: نموذج للتعايش والتكامل الاجتماعي

في سياق إعادة تشكيل الهوية السورية، تبرز تجربة الطائفة الدرزية في منطقة جبل السماق شمال غربي إدلب كمثال حي على قدرة المجتمعات المتنوعة على التعايش والتكامل. يقطن في هذه المنطقة نحو 10 آلاف نسمة من أتباع الطائفة الدرزية، موزعين على 14 قرية. بعد سنوات من الفوضى والتهميش، شهدت هذه القرى تحسنًا ملحوظًا في البنية التحتية والخدمات الأساسية منذ عام 2017، تحت إدارة حكومة الإنقاذ السورية وفقًا لتقرير ودراسات نشرت سابقا.

وفي 8 يناير 2025، أكد وجهاء الدروز في إدلب أنهم يعيشون في حرية تامة دينيًا واجتماعيًا، مشيرين إلى أن الحقوق التي سُلبت منهم سابقًا قد أُعيدت إليهم. عطا مرعي، أحد وجهاء الطائفة، أوضح أن “تجربتنا مع حكومة الإنقاذ بدأت منذ ما يقارب 9 سنوات، حصلنا من خلالها على كامل حقوقنا التي أخذت منا في جبل السماق بوقت سابق من قبل بعض الفصائل”.

هذه التجربة تعكس إمكانية تحقيق التعايش السلمي بين مختلف المكونات السورية، وتؤكد أن التنوع يمكن أن يكون مصدر قوة وإثراء للهوية الوطنية. كما أنها تدعو إلى إعادة النظر في الصور النمطية والتخوفات المرتبطة بالتعددية، وتبرز أهمية الحوار والتفاهم في بناء مجتمع متماسك ومزدهر.

تجربة مسيحيي إدلب: بين عودة العائلات وإحياء الطقوس

رغم أن أعداد المسيحيين في إدلب تُعد قليلة مقارنة بالمكونات الأخرى، فإن تجربتهم خلال سنوات الثورة تقدم نموذجًا بارزًا لتحولات التعايش في المنطقة. وفقًا لتقرير نشره موقع تلفزيون سوريا في يوليو 2024، عادت 30 عائلة مسيحية إلى منازلها في بلدات وقرى إدلب، مع تسهيلات قدمتها “حكومة الإنقاذ” لضمان استقرارهم وتذليل العقبات أمام المزيد من العائلات للعودة.

من جهة أخرى، ذكرت إندبندنت عربية أن “هيئة تحرير الشام” سمحت للمسيحيين بإحياء طقوسهم الدينية، حيث احتفلوا بعيد القديسة آنا في كنيسة اليعقوبية للمرة الأولى منذ عقد، وسط حراسة أمنية مشددة.

على الرغم من قلة أعدادهم، تعكس هذه التجربة تطور واقع التعايش في إدلب، حيث أصبحت المنطقة مساحة لتفاعل أكثر انفتاحًا، يعزز من مفهوم التكامل بين مختلف مكونات المجتمع السوري، ويمهد لإعادة تشكيل الهوية الوطنية على أسس من التفاهم والتعايش.

“بيت في كل بلد”: فلسفة البيت المشترك

منذ القدم، كان المثل السوري يقول: “ابنِ بيتًا في كل بلد”، وهو تعبير عن أهمية العلاقات الإنسانية كجسر للتواصل والانتماء. تجربة إدلب جسدت هذا المثل بشكل حي. لكل سوري عاش في إدلب ذكريات وروابط جعلته يشعر أن له بيتًا هناك. وفي المقابل، حمل كل شخص عاد من إدلب إلى مدينته أو قريته جزءًا من روح إدلب وثقافتها.

إدلب لم تكن مجرد مأوى، بل رمزًا لفكرة البيت المشترك. هذه الفكرة تقوم على أن لكل إنسان مكانًا يمكنه أن ينتمي إليه، بغض النظر عن خلفيته أو أصله. إدلب أظهرت أن سوريا بأكملها يمكن أن تكون بيتًا مشتركًا للسوريين جميعًا، إذا ما تجاوزوا الحواجز التي فرضها النظام المخلوع.

هذه الفلسفة لا تمثل مجرد حلًا اجتماعيًا للأزمة السورية، بل هي أساس يمكن البناء عليه لإعادة تشكيل الهوية الوطنية. إدلب أظهرت أن الهوية السورية يمكن أن تكون شاملة، تتسع للجميع دون إقصاء أو تمييز.

إرث المختبر الاجتماعي في المستقبل

التجربة التي عاشها السوريون في إدلب لا تتوقف عند حدود الأزمة الحالية. هذا المختبر الاجتماعي أنتج إرثًا يمكن أن يشكل أساسًا لمستقبل سوريا.

  1. تعزيز الهوية الجمعية

التفاعل اليومي بين السوريين في إدلب خلق وعيًا جديدًا بهويتهم المشتركة. هذه الهوية، القائمة على التعددية والاحترام المتبادل، يمكن أن تكون أساسًا لمجتمع أكثر تماسكًا في المستقبل.

  1. إعادة بناء العلاقات الاجتماعية

العلاقات التي تشكلت في إدلب أصبحت جزءًا من نسيج اجتماعي جديد يربط بين مختلف المناطق السورية. هذه الروابط يمكن أن تتحول إلى شبكات تعاون واسعة تُسهم في تحقيق التنمية وإعادة الإعمار.

  1. تصحيح إرث التمييز

إدلب قدمت نموذجًا عمليًا لتجاوز التمييز والتقسيم الاجتماعي. التفاعل المباشر بين سكانها كان بمثابة عملية لتفكيك الصور النمطية وإعادة بناء الثقة بين المكونات المختلفة.

  1. دعم النمو الاقتصادي والاجتماعي

الشراكات التي تشكلت في إدلب بين أصحاب المهن المختلفة أظهرت إمكانية التكامل الاقتصادي بين المناطق. هذا التكامل يمكن أن يكون قاعدة للتنمية المستدامة التي تستفيد من تنوع الموارد البشرية والطبيعية في سوريا.

البعد الفلسفي والاجتماعي لإدلب

إدلب ليست مجرد مدينة أو محطة عابرة في مسار الثورة، بل هي نموذج لفكرة أعمق تتعلق بإعادة تعريف الانتماء والهوية. من منظور علم الاجتماع، ما حدث في إدلب يمثل تجربة تحول اجتماعي عميقة، حيث واجه الناس تحدي إعادة بناء علاقاتهم وهويتهم في ظل ظروف قاسية.

هذه التجربة تعكس الفكرة القائلة بأن الأزمات ليست بالضرورة مدعاة للتمزق، بل يمكن أن تكون فرصة للتجديد وإعادة البناء. إدلب أثبتت أن المجتمعات، حتى في أصعب الظروف، قادرة على اكتشاف إمكانيات جديدة للتعايش والتعاون.

خاتمة: سوريا الجديدة تبدأ من إدلب

إدلب، التي احتضنت السوريين من كافة المناطق، ليست مجرد مكان جغرافي، بل هي رمز لفكرة البيت المشترك. إنها المكان الذي أعاد للسوريين إيمانهم بقدرتهم على تجاوز الانقسامات، وبناء مجتمع أكثر عدلًا وشمولًا.

التجربة الاجتماعية التي شهدتها إدلب تحمل في طياتها إمكانات هائلة لمستقبل سوريا. هذا المختبر الاجتماعي سيكون أساسًا لبناء سوريا جديدة، حيث تكون الهوية الوطنية جامعة، والروابط الاجتماعية متينة، والثقافة الاقتصادية قائمة على التعاون والتنمية.

في سوريا المستقبل، ستبقى إدلب رمزًا لفكرة أن لكل سوري بيتًا في كل زاوية من بلاده، وأن سوريا كلها يمكن أن تكون بيتًا يتسع للجميع، بروح الوحدة والتنوع التي تمثلها إدلب.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى