
تشهد تونس، غداً الثلاثاء (4 مارس/ آذار)، انطلاق أولى جلسات محاكمة مجموعة “التآمر على أمن الدولة”، التي شملت ما يناهز 40 متّهماً، كثير منهم قياداتٍ في الصفّ الأول في العديد من الأحزاب العلنية، على غرار الشيخ راشد الغنّوشي وغازي الشواشي وعصام الشاب~ي وعبد الحميد الجلاصي وخيام التركي… إلخ. وهي الأولى من نوعها بعد الثورة، وقد تكون الأغرب في تاريخ القضاء التونسي، وتحديداً منذ استقلال البلاد (1956). لم يصدّق الناس أن بلادهم ترتدّ إلى هذا الشكل من المحاكمات (عن بُعد وبشكل غير علني) التي لم تعرفها حتى وهي في أحلك تاريخ استبداد حكّامها. وقد انطلقت وقائعها بعد سلسلة اعتقالاتٍ نفّذتها قوّات الأمن التونسية منذ فبراير/ شباط 2023، وتواصلت متقطّعة.
كان إعلان الاستقلال الداخلي قادحاً لحرب داخلية راح ضحيّتها آلاف من التونسيين، لكن البلاد لم تشهد محاكمات سرّية، حتى إذا كانت استثنائية
عرفت تونس أشكالاً من القضاء الاستثنائي، خصوصاً في فترات سياسية حادّة، على غرار الصراع البورقيبي اليوسفي (الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف) الذي مزّق البلاد بين صفّين متقابلين، ترافقا في أشواط عديدة من الكفاح الوطني (المدني والمسلّح) ضدّ الاستعمار الفرنسي، كما احتضنهم تقريباً الحزب الواحد، هو الحزب الدستوري (قبل أن يتحوّل لاحقاً إلى الحزب الاشتراكي الدستوري). ومع ذلك، كان إعلان الاستقلال الداخلي قادحاً لحرب داخلية راح ضحيّتها آلاف من التونسيين، ولكن البلاد لم تشهد محاكمات سرّية، حتى إذا كانت المحاكم استثنائية (على غرار محكمة أمن الدولة التي أُلغيت في نوفمبر/ تشرين الثاني 1989)، وتواصلت نذر هذه الحرب الداخلية حين حاول أحد قادة حرب التحرير ونواة الجيش التونسي، الأزهر الشرايطي، الانقلاب. المحاكمة (مدنيةً أو سياسية) كانت فاقدةً أركانَ الاستقلالية، وانتهت حكماً عليه بالإعدام شمل أيضاً عديدين من أعضاء المجموعة التي اتهمت بمحاولة الانقلاب تلك.
لا تزال ذاكرة التونسيين تحتفظ بمحاكماتٍ عديدة مثل أمامها طيف واسع من السياسيين والمجموعات السرّية المسلّحة، حتى التي سعت إلى إسقاط النظام مثل مجموعة قفصة (يناير/ كانون الأول 1981)، التي تسلّلت من الحدود التونسية الجزائرية والليبية لتقتحم ثكنات مدينة قفصة، وتشتبك مع تشكيلات من الجيش التونسي، قبل أن يُقضى على بعضهم، ويُلقى القبض على آخرين، ويحاكمون محاكمةً علنيةً. تابعت الصحافة آنذاك (رغم انغلاق الفضاء العمومي وبسط نظام بورقيبة هيمنته على وسائل الإعلام بما فيها الخاصّة) وقائع الجلسات القضائية التي تواصلت عدّة أشهر. وفي جلّ أطوارها (من الدرجة الابتدائية حتى درجة التعقيب)، تمكّن الرأي العام من الاطلاع على تفاصيل عديدة، واستمع إلى ردّات فعل المتّهمين ولسان الدفاع.
وبغض النظر عن صدق الرواية التي يقدّمها النظام السياسي عن هذه التهم، لم تكن الرواية الرسمية الوحيدة لتُسرد على التونسيين صيغتها الوحيدة، بل استطاع حتى المتّهمون، وفي ظروف استثنائية جدّاً، إبلاغ مواقفهم وآرائهم من التهم التي أسندت إليهم، فضلاً عن كشف ظروف اعتقالهم ومعاملتهم في السجن. لم يكن هذا شأن المجموعات السرّية وحدها التي حملت السلاح وحاولت “قلب النظام”، بل شمل ذلك المجموعات السياسية التي كانت تعمل بسرّية، بحكم منع حقّ التنظيم الحزبي. فتابع الرأي العام محاكمات مجموعات سياسية مختلفة تنتمي إلى مشارب يسارية وقومية وإسلامية وغيرها.
خلال أكثر من سبعة عقود من الاستقلال، أُوقفت أجيال متلاحقة من أعضاء منظمة برسبكتيف – العامل التونسي (اليسارية)، التي تكوّنت في فرنسا قبل عودة العديد من أعضائها إلى تونس، وفي غالبيتهم طلاب كانوا قد رجعوا إلى بلادهم بعد أن تخرّجوا في الجامعات الفرنسية. مَثُل هؤلاء أمام المحاكم بتهم مختلفة لا تخلو من خطورة، على غرار “محاولة زعزعة النظام”، شملت هذه المحاكمات أيضاً أجيالاً متلاحقة من حركة النهضة، سواء في سنة 1981، أو 1986، أو 1991، التي أخذت جلّ قيادات النهضة إلى السجن أو المنفى بعد صدور أحكام قضائية ثقيلة وصلت حتى الإعدام (متهمو حادثة باب سوية سنة 1991) ولم تُنفّذ بعض الأحكام الأخرى. ومع ذلك كلّه، استطاع الإعلام (الصحافة المكتوبة تحديداً) أن يغطّي وقائع الجلسات القضائية المطوّلة، وتقديم معلومات دقيقة، تكاد تكون تلخيصاً وافياً لمختلف مجريات التحقيق بتفاصيله. يقول بعضُهم إنه لولا تلك التغطية، لما تمكّن الرأي العام من معرفة البنية التنظيمية مثلاً لجماعاتٍ عديدة، فضلاً عن طرق الاستقطاب… إلخ.
يخشى مدافعون عديدون عن حقوق الإنسان أن تكون المحاكمات “السرّية” في تونس طمساً للحقيقة وإعداداً لإصدار أحكام ثقيلة تنتهك مبادئ المحاكمة العادلة
لم تشهد تونس خلال عشرية الانتقال الديمقراطي محاكمات سياسية بهذا المعنى، ولم تتشكّل محاكم استثنائية مطلقاً حتى لمحاكمة أركان نظام الرئيس زين العابدين بن علي ومختلف أذرعه، حتى الذين ارتكبوا أبشع أفعال التنكيل والتعذيب بالمعارضين أحيلوا إلى القضاء العدلي. أمّا تجربة العدالة الانتقالية، فإنها لم تقم على محاكم استثنائية أو شعبية، بقدر ما كانت “محاكماتٍ رمزيةً” لمعرفة الحقيقة والمصالحة، ونُقِل العديد من وقائعها على المباشر، فتولت عدة قنوات نقلها، وكان يُراد منها كشف اشتغال نظام القمع وآلياته، وقد قاطعها المتّهمون من رجال الأمن وغيرهم، قبل أن تتعثّر التجربة لاعتبارات عديدة، ترتدّ إلى شكل جديد من المحاكم الاستثنائية “عن بعد”، بدعوى الخوف من المتّهمين الذين وجّهت إليهم تهم التآمر على البلاد والتخابر مع جهات أجنبية. وهم في جلّهم قد ساهموا في معركة الحرّية قبل الثورة وبعدها.
حين انطلقت تجارب المحاكمة من بعد في شهر مايو/ أيار 2020 (تزامناً مع جائحة كورونا وتعطّل المرفق القضائي)، لم يكن الناس يتوقّعون أن تُستثمَر هذه التقنيات لطمس صوت المتّهمين وحجب الحقيقة عن الرأي العام، خصوصاً في ظلّ إنكار المتّهمين كلّ ما نسب إليهم، واعتبار ما يجري كلّه سعياً إلى إجهاض أيّ محاولة لتغيير الحكم سلمياً، واستناداً إلى القانون أيّ حقّ المعارضة العلنية، والسعي إلى تعبئة الرأي العام من أجل تغيير سياسي يحترم قوانين البلاد. بعث المتّهمون رسائل قُرِئت من أهلهم ومحاميهم، تضمّنت رفضهم تماماً هذا النوع من المحاكمات، واعتبارها محاكماتٍ باطلةً شكلاً ومضوناً.
في ندوة صحافية، عبّرت تنسيقية أهالي القادة السياسيين المتعقلين عن رفضهم هذا الشكل من المحاكمات، و إصرارهم على حضور المتّهمين مباشرةً في المحكمة (وليس عن بعد)، حتى يبلغوا مواقفهم في محاكاة علنية من حقّ التونسيين الاطلاع على مجرياتها من خلال نقل الإعلام وقائعها. يخشى العديد من المدافعين عن حقوق الإنسان أن تكون هذه الخطوة طمساً للحقيقة وإخراساً للسان الدفاع وإعداداً لإصدار أحكام ثقيلة تنتهك مبادئ المحاكمة العادلة.
المصدر: العربي الجديد