جواب بسيط لأسئلة قلقة

راتب شعبو

عندما نقول “الوطنية السورية”، هل نتكلّم في الواقع أم في الخيال؟ هل يوجد تعريفٌ محدّدٌ أو هوية معينة لهذا التعبير؟ هل توجد “وطنية سورية” لها عصبيةٌ ما تشدّ عناصرها، وتحمي حدودها؟ هل يمكن لسورية أن تكون “وطناً”، بما تعنيه هذه الكلمة من استقرار ورضى لأهله؟ ألم يكن ثمّة حظر قومي عربي على تعبير “الوطن السوري”، لفترة غير بعيدة، على اعتبار أن الصفة الوحيدة التي يحقّ لها أن تلحق بكلمة الوطن هي “العربي”؟ أليس ما يجمع السوريين هو القسر، أكان من حيث الحدود الفعلية “المفروضة” أم من حيث النظام السياسي “المفروض”؟ مع ذلك، هل تمكّن هذا القسر، مع الزمن، من صياغة “هوية سورية”؟ أم أنه، على العكس، أحيا الهويات غير السورية وعزّزها، وولّد لديها تطلعاتٍ سياسية، وجعل منها نوىً صغيرة “لوطنياتٍ” كامنة، منها الإثني ومنها القومي ومنها الطائفي ومنها المناطقي؟ هل تكمن المشكلة في قسرية الحدود واعتباطها، أم في قسرية الحكم السياسي واستبداده؟ إذا كان تعديل حدود بلدنا أمراً ليس في متناولنا، لاعتبارات عالمية خارجة عن إرادتنا، فهل يمكن لنظام سياسي ديمقراطي وعلماني في سورية، إذا تمكّنا من إرسائه، أن ينتج وطنية سورية غالبة؟

من بين الناس الذين يعيشون ضمن الحدود السورية المعترف بها دولياً، ما هي نسبة من يدفعه إلى العمل السياسي أو إلى الانخراط في الشأن العام، انتماؤه السوري أولاً؟ بطريقة أخرى، ما هي نسبة هؤلاء الذين يحملون في أذهانهم تصوراتٍ سياسيةٍ تطابق سورية الفعلية وتناسبها بوصفها “وطناً”؟ ومن الناحية الأخرى، عبر تاريخ الدولة السورية، متى كانت المصلحة الوطنية السورية هي المحرّك الفعلي للسلطة السياسية الحاكمة في سورية، بدءاً من أول رئيس جمهورية بعد الاستقلال، شكري القوتلي، الذي يصفه خالد العظم بالحاكم المستبد، ويقول عنه في مذكراته: “كان الدستور ألعوبة بيد حارسه، وقواعد الحكم الديمقراطي النيابي معطلة مهملة، وكان يعتبر البلاد السورية من جملة مخلفات المرحوم والده، فيصعب عليه أن يدّعي أحد بمشاركته في إدارتها أو أن يقف في وجهه معارضاً”، وصولاً إلى الرئيس المجرم الحالي الذي “خلف له المرحوم والده” هذه البلاد، وأوصلها مع نظامه “اللاحم”، بحسب توصيف موفق للصديق الفنان عبد الحكيم قطيفان، إلى حضيضٍ لا سابق له؟

في المرحلة الديمقراطية السورية الوجيزة التي تزيّنها كتب التاريخ بالمديح، رقّ الشعور بالوطنية السورية إلى حدود أن سورية أنكرت ذاتها أو نسيت نفسها وارتمت في الحضن المصري، وتخلّت حتى عن اسمها لتكون مجرّد “إقليم” وليصبح رئيسها (القوتلي نفسه) مجرّد “مواطن”. في مرحلتها الديمقراطية، تنكّرت سورية “لوطنيتها”، ومنحت قلبها لبطل خارجي لم يحز أي زعيم سياسي سوري في كل تاريخها، على ما حازه ذاك البطل المصري من حب السوريين. وفي مرحلة السيطرة الأسدية المديدة، جرى تزييف الوطنية السورية، لتكون مطابقة “لسورية الأسد”، وكان أن حرق هذا التزييفُ الأرضَ التي يمكن أن تنبت عليها بذور الوطنية. ظلت الوطنية السورية هي المفارقة الأبرز في تاريخ سورية منذ نشوئها، فهي الوجود الأقوى في الواقع (لا حقيقة سياسية للسوريين أقوى من حقيقة وجودهم ضمن حدود سياسية معينة تشكل المحل السياسي المشترك لهم)، وهي الوجود الأضعف في الذهن (قليل من السوريين المشتغلين في الشأن السياسي، من كل التوجهات الفكرية، يحترمون الواقع السياسي السوري، ولا يتطلّعون إلى ما هو أبعد منه، وقليلون منهم ينطلقون من مبدأ المساواة الفعلية بين السوريين، الغالبية يُضمرون تمييزاً ما، ويسعون إلى سيطرة شريحة اجتماعية تحت عناوين فكرية فضفاضة).

متى يحدث التلاؤم والانسجام بين الوجودين؟ متى يتجاوز السوريون المنشغلون في الشأن السياسي العام، مدّ النظر السياسي لكي يروا بلدهم وحقيقتهم الأبرز، لكي يروا “وطنهم ووطنيتهم”؟ متى ينشغلون في الإجابة عن السؤال: ألا يمكن أن تكون أولوية الانتماء لسورية مدخلاً لتجاوز المظالم، وكيف؟ ببساطة، لأن المعالجة الوطنية والمسؤولة لشتى صنوف المظالم التي يعجّ بها المجتمع السوري أجدى من التطلع إلى حلها على حساب الوطنية السورية، مثل بناء جماعات سياسية سورية علاقات مع “خارجٍ ما” تتفوّق على علاقاتها مع الداخل السوري.

يبدو لنا، بعد هذا التاريخ وبعد هذه “العشرية الدموية” على نحو خاص، أنه لا مهرب للسوريين من سوريتهم (وقد خبر السوريون الكرد والعرب هذا من تجربة لجوء الأولين إلى كردستان العراق، والآخرين إلى البلدان العربية، فهؤلاء وأولئك سوريون أولاً في نظر الكرد والعرب خارج سورية، وعوملوا على هذا الأساس). ويبدو لنا أن الوطنية السورية قادرة على استيعاب رد الاعتبار وضمان حدود واسعة من الحقوق لكل الجماعات، فضلاً عن كونها أدنى إلى الواقع. ويبدو لنا أن الانطلاق في الحل من مبدأ الوطنية يعود ليعزز هذا المبدأ مع كل خطوةٍ يتم إنجازها على هذا الطريق.

يحتاج الأمر إلى أن يرى الفكر السياسي السوري في الواقع السوري وحدته الأساسية، وإلى أن يتخلّى هذا الفكر، بعمقٍ وصدق، عن كل أحلام السيطرة الداخلية لصالح احترام مبدأ المساواة بالعمق والصدق نفسيهما.

المصدر: العربي الجديد

 

اترك تعليقاً
2+

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى