(شبح) في الحصار

عبد الحفيظ الحافظ

تسمرتِ السيارةُ الشاحنةُ الكبيرة بصراخ حاد، قبل نهاية الشارع الطويل، فتوقفت سيارةٌ سياحيةٌ سوداء على بعد مترين منها. طلب سائق الشاحنة من سائق السيارة السياحية التراجع إلى الخلف بإشارةٍ من يده، فطلب سائقها منه مهددًا، أن يتراجع هو إلى الخلف، وكانت سياراتٌ مختلفة الأنواع اصطفت خلف الشاحنة. أخرج سائق الشاحنة رأسه، مشيرًا بحركة من يده إلى أنه لا يستطيع التراجع، فالشارع ضيقٌ، ورتلُ السيارات خلفه ملأ نصف الشارع، لكن سائق السيارة السياحية اكتفى بالتلويح بيده؛ آمرًا -في عناد- سائق الشاحنة بالتراجع. توقفت حركة البيع والشراء في هذا الشارع المكتظ بالبقاليات وباعة الخضار والأرصفة والعربات الصغيرة، فانزرع الناس فيه حول السيارتين، مترقبين معركةً طاحنةً بين السيارتين والسائقين. تعالى زئير زمور الشاحنة القابع على سطح قُمرة السائق، فرددتْ خلفه أبواقُ السيارات الأخرى محتجةً، ومشكّلةٌ في توزيع موسيقي- جوقةَ أبواق نفير حربٍ- ، أصمَّتْ آذان الموجودين في الشارع، وحثَّتْ آخرين من الأزقة القريبة على الالتحاق بهم، وأطلت النساء من الشرفات مذعورات، يشهدن مع الأطفال هذا القطار من السيارات. أخرج سائق السيارة السياحية يدَه؛ آمرًا السيارات بالتراجع، وهو ينذر سائق الشاحنة بالويل والثبور وعظائم الأمور لتطاوله على سيارته؛ فابتعد الناس عن السيارة السياحية خشية أن يرفع سائق الشاحنة قدمه عن مكابحها، لتنقضَّ، وتهرس السيارة السياحة في طريقها، واقترب عددٌ من وجهاء الشارع من سائق الشاحنة راجين منه التراجع، فشتم أبا السيارات وأم السائقين وأخت هذا الزمان، فتابعوا رجاءهم منه بالتراجع. في هذه الأجواء المنذرة بحرب داحس والغبراء، ظهرت دوريةُ شرطةِ المرور، فاتجه رجالها إلى السيارة السياحية، لكن سائقها قطع الطريق عليهم، وأمرهم متوعدًا بأن يأمروا السيارات بالتراجع وفتح الطريق لسيارته، وكان رتل السيارات قد تجاوز بداية الشارع الطويل، فتباطأت خطوات رجال الشرطة، ووقفوا على الرصيف حائرين، لا يعرفون ماذا يفعلون، وأطلق كبيرهم العنان لجهازه اللاسلكي. تقدمت الدكتورة أكاسيا صاحبة العيادة النفسية التي تتربع في منتصف الشارع، من سائق السيارة السياحية، وسألته بود: – لمَ لا تعود يا ولدي بسيارتك إلى الخلف؟ وأنت على بعد أمتار من نهاية الشارع، وهو -كما ترى- ذو اتجاه واحد. همس السائق في أذنها: – أنا لا أعرفُ أن أركِّبَ السرعةَ الخلفية، فطلبتْ منه أن يخليَ لها مقعدَ القيادة.

 المصدر: الأسبوع الأدبي

اترك تعليقاً
1+

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى