الدولة المعاصرة وتطوراتها…ومأزقها

أحمد العربي

.الرأسمالية.. وفقدان العدالة

.الدولة الشمولية.. وفقدان الحرية

.النمطان ضد إنسانية الإنسان و حياته الافضل

.الحل بالديمقراطية.. والعدالة الاجتماعية

.أفق البشر المنظور

اولاً . استمر النمط الامبراطوري في السلطة السياسية. ( وهو سلطه متغلبة داخل الجماعة ومستغلة لها وتستثمرها وفق آليات الحياة القديمة .معتمدة على الرعي أو زراعية وتجارية وبعض الصناعات البسيطة. وهي تعتمد على منطق القوة في علاقاتها مع الجماعات والمجتمعات الأخرى. فهي تمتد او تنحسر. وقد تمتد لتغطي مساحة واسعة من العالم او تنحسر حتى تزول. وكل ذلك محكوم بقانون القوة .و صراعاتها على الأرض وجودا وعدما..). ذلك استمر الى ما قبل الثورة الصناعية وانعكاسها..على حياة البشر  وشكل السلطة والدولة وأدوارها على كل المستويات.. حيث قدم التطور العلمي عبر عشرات السنين. متغيرات نوعية في الحياة والاستفادة من الطبيعة. ودخل الانسان في المكننة وإعادة تدوير ماتعطيه الطبيعة وتجاوز الاكتفاء باستهلاك ما تعطيه.. لقد وضع الإنسان يده على قوانين الطبيعة والكون واستفاد منه لتحسين الحياة وفرصها لتحسين قوته و قدرته وفاعليته…

ثانيا ً. إن استحضار العلم ونتائجه المذهلة  في حياة البشر مكّن أوروبا (التي كانت الحاضنة التي نمى فيها جنين العلم المتراكم تاريخيا). والتي استثمرت ذلك في كل شيء

فصنعت للإنسان حاجاته و ابتدعت حاجات جديدة وأصبح إنتاجها متراكما.. استوجب عمالة كبيرة واستوجب أسواق تصريف وتطوير أدوات استحضار المواد الأولية. وأعطى هذا مجالا للحصول طور جديد في المجتمعات الإنسانية هو البرجوازية وتطورت لتكون الرأسمالية فقد ظهر عدد كبير من البشر كعمال يقدمون جهدهم ويأخذون عليه اجرا (لا يناسب الجهد). وهنا مصدر تراكم رأس المال عند مالك العمل الذي أصبح مع امثاله مكونا للطبقة الرأسمالية.. وهي خليط من الإقطاعيين السابقين مع الحكام مع بعض البرجوازيين وتطورهم من عمالتهم الصغيرة ليصبحوا نواة تراكم رأسمالي كبير… استدعى هذا تطورا مجتمعيا من الدول الامبراطورية المتحركة زمانا ومكانا.. الى الدولة القومية الثابتة في ارض و محددة بلغة وتاريخ ..الخ.. وبدأت تصنع دولها القومية: أرض وشعب وسلطة سياسية سيادية. وأصبح هناك دول محددة بحدود وحصل صراعا بين الدول المتشكلة حديثا حتى استقرت أوروبا على ماهي عليه قبل قرنين من الآن تقريبا

كان لهذه الدول الجديدة (القومية) سمتين: الأولى أن الطبقة الجديدة الرأسمالية استنزفت طاقة عمالها بكثافة خلقت حالة مظلومية هائلة، دفعت كثير من المفكرين للتحدث في موضوع العدالة الاجتماعية وتم تداول مفهوم الاشتراكية،  التي تتحدث عن إنصاف العمال في وجه الرأسماليين. تحدث مفكرين وخاصة ماركس  ان سبب الالم هو الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وطرح حله الشيوعي بإلغاء ملكية وسائل الإنتاج وحق البشر بالعيش المتساوي… واستمر الاستغلال داخليا و عملت الرأسمالية على تجاوز مشاكلها دوما من خلال الالتفاف عليها وتحسين ظروف عمّالها وعدم اندفاعهم للثورة، والثانية هي التوسع خارجيا لخلق موارد أولية رخيصة للصناعات الحديثة وإيجاد أسواق لتصريف المنتج وخلق تراكم رأسمالي تخدم الطبقة الجديدة… وانعكس هذا التطور العلمي والاقتصادي على العالم كله خارج أوروبا وحصول التوسع الاستعماري الذي كان ضد الشعوب في على سطح الأرض…

أمريكا المكتشفة وملايين الضحايا من اهلها الاصليين . وكذلك من العبيد المنتزعين من افريقيا، ملايين الضحايا بين من نُقل في البحر وموت بالأعمال المجهدة … أن للرأسمالية عالميا بمرحلتها الاستعمارية. التي طالت كل العالم خارج أوروبا. و( التي لم تنتهي للان).. تاريخ الرأسمالية اسود وظالم على بني الإنسان

ثالثا ً. ان للتطور العلمي والرأسمالي في أوروبا والذي امتد لأمريكا واليابان.. وجها آخر ليبرالي هو حياة أفضل اقتصاديا على شعوبها.. مع تطور علني في شؤون الحياة جميعا ، في الاقتصاد والاجتماع والسياسة والتاريخ والجغرافيا وعلم النفس.. لقد أصبح الكون والإنسان والطبيعة كتاب مفتوح للفهم والتفاعل. وإعادة تدويره لتعظيم مصلحة الإنسان وتراكم مكتسباته.. ومن تطوراته معالجته لشأنه السياسي والاقتصادي.. فقد مر بمرحلة الرأسمالية الوحشية الاستعمارية الاولى والتي ولدت حربين عالميتين في القرن الماضي سقط بها ملايين الضحايا. وبدأ العالم يُحكم من الكبار الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية أضيفت الصين. ووفق قواعد محددة تقنن التفاعل والمصالح داخل مجتمعاتها حيث وضع الدين خارج السياسة من خلال العلمانية. واعتبرته شأنا فرديا محكوما بالرأي الشخصي الحر ولا إكراه به. والدولة حيادية تجاه الأديان إلا ما ينعكس على الدولة والمجتمع سلبا او ايجابا  .. و أعطت مجالا لحضور الديمقراطية كطريقة بالحكم تعيد أمر الناس لهم . بتحديد مطالبهم الحياتية الكاملة.. وابتدعت السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية وعدم تغول طرف منها على آخر كذلك حماية الحريات. ودخول الإنسان في عصر الرفاه والفردية وعمله الدؤوب لتحقيق مصالحة دوما (طبعا كل ذلك في اوربا وامريكا والدول الرأسمالية).. أما بقية دول العالم فهو بين مجتمعات متخلفة (العالم الثالث) ومستعمرة وتابعة. وبين المعسكر الاشتراكي لمدة سبعين عاما حيث صنع قطبا يواجه الغرب الرأسمالي ولكنه سقط بالصراع وبقيت الرأسمالية سيدة العالم…

بكل الاحوال ورغم مكتسبات الرأسمالية بقيت مسؤولة عن ظلم الانسان في موضوع استثمار ظالم للعالم الآخر( غير دولها).. وبكل الوسائل وحتى الحروب. وغياب نسبي للعدالة عندها وغياب نهائي لها مع العالم الثالث وضمنه…

رابعا ً. لم تستسلم البشرية للرأسمالية الممتدة للغرب على كل العالم فكل دول العالم المستعمر من أمريكا وأفريقيا وآسيا. قامت ثورات تحررية واغلبها نجح في ثورته التحررية.. وبعضها طرح مشاريعها العقائدية المختلفة عن الرأسمالية.. واولها كان الثورة الشيوعية الاولى في روسيا بقيادة لينين والتي تبنت الماركسية. وانها ضد ملكية وسائل الإنتاج الخاصة وصنعت ثورة صناعية في دولة متخلفة وفق أفكار شمولية بدولة تقوده حركة سياسية (الحزب الشيوعي) امسكت بمفاصل الحياة كاملة كدولة ومجتمع.. وسرعان ما أصبح الثوار انفسهم اصحاب الحكم والدولة.. وسرعان ما تحولت الدولة الاشتراكية التي انتصرت للعدالة الاجتماعية بعد موت مؤسسها لينين. لتكون دولة للحزب الشيوعي وقيادته تحمي مصالحهم. لخلق مظلومية جديدة وتفاوت وعدم مساواة .صنعت دولة استبدادية… وكانت تعتمد القمع وغياب الحريات في التعامل مع المختلفين ومع الناس عموما.. وبررت ذلك بانهم اعداء الثورة و أولوية محاربة الرأسمالية. وانعكس ذلك بمشاكل اقتصادية داخلية. وأصبح المعسكر الاشتراكي بآخر أيامه سجن كبير لمجتمع فقر وبطالة وقمع واستبداد خلق منتفعين جدد يمثلون السلطات وعصبها.. وأصبح مطلب العدالة الذي قامت لأجله الدول الشيوعية معدوما.  في واقع الظلم الاقتصادي والسياسي… وضعفت هذه الدول في معركتها مع الغرب (سباق تسلح ونفوذ)… وسقطت الشيوعية كحكم على الطريق ( في التسعين من القرن الماضي)… وها نحن مجددا نجد فكرة العدالة الاجتماعية تسقط ضحية الدولة الاستبدادية. .ونعود مجددا لنمط سلطة مستغلة .تحتكر السلطة والثروة والنفوذ والشعب كله ضحية..

خامسا ً. لم تستسلم البشرية في باقي أقطار الأرض لامتداد أوروبا الرأسمالي الاستعماري. بل عمدت لصناعة ثوراتها التحررية ..فها هي أمريكا ( الولايات المتحدة تثور على الانكليز  واعتبرتها دولة استعمارية). واستطاعت أن تتحرر منها وخاضت معركة التوحيد بعد ذلك.. وتحولت إلى دولة رأسمالية التحقت بأوروبا. ودخلت مع الحلفاء في الحرب العالمية الأولى ..ثم امتدت في العالم كدولة رأسمالية تتحرك لتحقيق مصالحها.. وعمدت نفسها بعد الحرب العالمية الثانية زعيمة للدول الرأسمالية عبر حضورها في قنابلها قصف الذرية على اليابان وموت مئات الآلاف في لحظات وتدمير ألمانيا …والوقوف بعد ذلك في وجه المعسكر الاشتراكي … و صراع الحرب الباردة بين الغرب الرأسمالي بقيادة أمريكا والمعسكر الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفييتي (الحرب بالوكالة عن طريق الدول الصغيرة التابعة والحصار الاقتصادي والنفوذ السياسي) .. حتى سقط الاتحاد السوفييتي ومعه المعسكر الاشتراكي كله وتصبح أمريكا ووراءها الغرب قائدة العالم ومصالحها به مصالح الرأسمالية.. بكل ما تعني من استغلال وتفاوت ورعاية حروب وتحكم بالمجتمعات. وكان نصيبنا نحن العرب استعمار طال أو قصر. وزرع إسرائيل. مع هيمنة مطلقة على النفط ودولة. وجعلها تابعة مطلقه لامريكا والغرب ومصلحة إسرائيل.. وتحولت الأنظمة لأنظمة مستبدة تابعة. وتستثمر البلاد بالواسطه لصالح الغرب .وتحصل على حصتها .منها كوكيل وتابع وكله على حساب الشعوب الموغلة في الفقر والقهر والتخلف..

سادسا ً. حاول العرب منذ بداية القرن الماضي.. ومع بداية اصطدامهم بالحضارة والاستعمار الغربي.. أن يفكروا.بحلول تجعلهم يخرجون من التخلف والفقر والظلم وأن يغادروا الخلافة العثمانية التي عنت لهم سجنا كبيرا يحافظ على مصالح عصبة الحكم العثماني بينما الشعوب غارقة في تخلف واستغلال وفقر مديد… ساعد الغرب الرأسمالي المستعمر على هذا الخروج من الخلافة العثمانية.. وتقاسم بلاد العرب بينهم كدول اوربية مستعمرة… وبدأ يفكر العرب بكيفية الخروج من الاستعمار. وبناء الحياة الأفضل العادلة. وتجاوز هوة التخلف بيننا وبين الغرب والعمل للتقدم ايضا. وكان أمام العرب نماذج معينة تحتذى هي الاتحاد السوفييتي. كنموذج التقدم والعدالة الاجتماعية.. نشأت أحزاب شيوعية على الطريقة السوفييتية واتخذتها قدوتها… وكذلك أحزاب اشتراكية وقومية. أخذت من الغرب الأوربي نموذجا.. كحزب البعث .والحزب القومي السوري… وغيره من الحركات القومية و الاشتراكية. وكذلك الأحزاب الإسلامية التي رأت أن حل مشكلة تخلفنا تكمن بالعودة للإسلام دينا ودولة.. والتي توالدت كلها في عصر الاستعمار أو بعده بقليل..والتي كانت نواة للانظمة التي تحركت لتبني الدول الحديثة في بلادنا… …

سابعا ً. تنوعت الانظمة بعد الاستقلال منها الملكي ومنها الجمهوري ….منها ما هو امتداد لحكم سابق قبلي أو عائلي مرتبط مع المستعمر أو جمهوري ايضا استمر بعلاقة معه.. وكلها كانت مشتركة بكونها ترعى مصلحة عصبها الحاكمة واستمر المجتمع في فقرة وتخلفه.. وعملت النخب الحزبية والثقافية. لتصنع دولها التي تنفذ بها أفكارها القومية أو الاشتراكية أو الشيوعية أو الاسلامية. التي اتخذت موقفا من الاستعمار والتبعية له، كذلك زرع الغرب ل(إسرائيل) في فلسطين. حيث اعتقدت الانظمة انها تحقق من خلالها الحياة الأفضل للناس في دولها الحديثة.. وبعضها حكم من الثوار التحرري ضد المستعمر.. الجزائر أو اليمن الجنوبي. بينما بقية الانظمة تشكلت باتفاق وطني نسبي او ببنية قبائليه مع المستعمر الخارجي… ودخل الوطن العربي في محاولة بناء حياته الأفضل في ظل هذه الأنظمة. التي لم تستطع اغلبها ان تنجح في نقل شعبها للحياة الافضل. او على الاقل العدالة ناهيك عن الرفاه.. وعادت مشكلة المجتمعات مع اشكال حكم بعضه ديمقراطي يخدم الفئات الثرية من رأسمالية واقطاع، وبعضها ملكي وراثي والكل مشترك باستبداده الواقعي وتخلفه وغياب العدالة وارتباطه بالغرب في تبعية مطلقة…

ثامنا ً. كانت فترة الخمسينات والستينات في الوطن العربي فترة حراك سياسي شديد… صنع انظمة وانقلب على الاخرى.. وظهرت في المشرق دولتي سوريا والعراق .تحت حكم البعث بأهدافه المدعاة بالوحدة والحرية والاشتراكية.. والتي ومنذ بدايتها لم تكن أكثر من عصب عائلية أو حزبية او طائفية .استولت على الحكم تحت هذه الشعارات وانتجت نظم استبدادية. متناقضة موضوعيا و بالممارسة مع هذه الأهداف.. وأصبحت تمتهن الشعب وجعلته عبيدا في مزارع الحكام وعصبهم. وتورطت بحروب خاسرة . وقامت بتحالفات لمصلحة العصب. وضد مصلحة الشعب وبعد نصف قرن من الحكم. لم تنتج الا الخراب والسجون والفقر والقمع والتخلف . احتل العراق وارتد للخلف عشرات السنين وها هو الآن يعيش  حربا أهلية وحرب دولية واقليمية بالواسطة وموقعا لمايني الإرهاب العالمي . لمصلحة الغرب والعصب الحاكمة وضحيتها الشعب.. وكذلك سوريا التي أصبحت مسرحا للقتل والتدمير والتشريد. من قبل النظام وحلفائه وبعد ذلك امتدادا لإرهاب داعش . وكله لاجل عصب حاكمة عائليه وممتدة بالطائفة . ومستعدة ان تدمر البلد وتقتل الشعب او يعود عبيدا والبلاد مزرعته.. كل ذلك شعارهم وحدة وحرية واشتراكية.. هذه هي الأفكار العظيمة عندما .تتحول الى سكين لذبح الشعب بيد العصب المستبدة…

تاسعا ً. كذلك حصل في بقية الدول العربية. فأغلب دول الخليج التي ترفع رسميا شعار الاسلام . وأنها تحكم بما أمر الله. وهي واقعيا عصب قبائلية وعائلية تحتكر الدولة والمجتمع وتراهن على الغرب ومصلحته مطلقا.. وتركت شعبها قطيعا مترفا لكنه خارج كل الشروط الانسانية من حرية وكرامة وعدالة… وكذلك كل الدول العربية الجمهورية التي تحولت بالتقادم لوكلاء للغرب والمصالحة المطلقة. وان تطلق يدهم بالاستغلال والبطش واستمرار الاستبداد والتخلف وغياب الأمل وضياع وحرمان من الحياة الأفضل..وهنا ايضا امتهنت كل الأفكار العظيمة وتحولت لمجرد غطاء. التبعية والاستبداد والتخلف …والفقر والفاقة وضياع الحقوق الإنسانية….

اخيرا ً. هاهي بلادنا العربية مسرحا مختبرا للعصب الحاكمة .التي استغلت الشعب واستبدت به واستعبدته لمصالحها كعصب وامتهنت كل العقائد والأفكار. من قومية واشتراكية وإسلامية… وحولتها لمجرد غطاء لأفعالها ضد هذه المبادئ والأفكار وليستمر التخلف وضياع المستقبل والأمل أيضا….

ثم ماذا عن الإسلاميين في العصر الحديث في امتنا العربيه.. ماذا فعلوا وأين أصبحوا

16.6.2015…

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. لماذا وكيف ستكون الدولة المعاصرة وما هي تطوراتها…ومأزقها ؟ قراءة موضوعية وتحليل برؤية جميلة ، لقد كان استمرار النمط الامبراطوري في السلطة السياسية من قبل الثورة الصناعية والتحكم بالطبيعة من خلال اكتشاف القوانين وتسخيرها لبناء الدولة المتحضرة ، والوطن العربي يقع تحت سلطة أنظمة مستبدة استعبدت شعبها لمصالحها ممتهنة كل العقائد والأفكار .

زر الذهاب إلى الأعلى