الهوية من منظور علماني (2)

د- عبد الله تركماني

2 – الحداثة السياسية وإشكالية الهوية
فرضت الدولة الحديثة، في بدايات تأسيسها، نموذجًا للهوية وجعلته أحد الشروط الحقوقية للانتماء الوطني، حيث نجد أطرًا متدرجة لصناعة الهوية، اعتبارًا من المؤسسات المجتمعية والدينية والتعليمية والإعلامية وحتى السلطة السياسية القائمة، وبقي الفرد هو المتلقّي، وأصبح أفراد هذه الدولة مجرد أرقام في آلية الدولة. أما اليوم تتميز الحداثة السياسية بدمج الفردانية بالتكوين الجديد للمجتمعات والدول، بعد أن ترافق فتح الأسواق والاتصالات مع الاتساع في تأسيس منظمات مجتمعية متنوعة حرة. مما فرض ضمان الحقوق والحريات والهويات والفرص لكل الجماعات المكوّنة للمجتمع، بدون الحاجة للاستيعاب القسري، من خلال مشاركة الجميع في صنع القرار، أي صيغة إدارة تقوم على قاعدة عريضة، تحتوي داخلها كل المكوّنات المجتمعية، التي يحظى كل مكوّن منها بنصيب في المشاركة بالإدارة، بالطبع استنادًا إلى الكفاءة والقدرات وليس إلى المحاصصات المعطِّلة للجدوى. وبمثل تلك الشراكة تتخفف مخاوف المكوّنات من خطر الاستلحاق والاستعباد، في حالة التطبيق الحرفي لحكم الأغلبية. وذلك انطلاقًا من أنّ الدولة الحديثة هي الإطار السياسي الذي يستطيع الإنسان، من خلاله، تنظيم حياته وشؤونه.
أي لا يمكن الحديث عن منع ” الهويات القاتلة ” في غياب الديمقراطية، باعتبارها أحد أهم مرتكزات الدولة الحديثة، نظرًا لقابلية احتوائها الاختلاف وتنظيم العيش المشترك لكل مكوّنات المجتمع، المختلفة بالاعتقاد والرأي والعرق والدين. وهنا تبرز أهمية الديمقراطية التوافقية/الائتلافية، التي تؤكد على المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات، ضمن إطار دولة لا مركزية إداريًا.
ويبدو أنّ الاحتواء اللامركزي، كأسلوب مخالف كليًا لأسلوب الهيمنة المركزية، يخلق إمكانية توازن جديد بين الدولة والمجتمع، ويقوم على مبدأ الحوار والجمع بين وحدة الهوية الوطنية واستقلالية إدارة موسّعة، تقدم مجالًا واسعًا لتقاسم الإدارة والثروات والفرص. بما يساعد على الحدِّ من النزعات الانفصالية، ويملأ فراغ المطالب الحقوقية، عبر حماية اللغة والثقافة والدين، في سياق عملية تكامل وطني.
إنّ الدولة اللامركزية، إداريًا وليس سياسيًا، جغرافيًا وليس قوميًا، تنطوي على فوائد عديدة: تغليب المصلحة الوطنية العامة على مصالح الهويات الفرعية، وفسح في المجال لترسيخ وجود دولة مدنية تصون حقوق جميع مكوّناتها، وإنهاء الثقافة السياسية السائدة لصالح مفاهيم الحداثة السياسية، وترسيخ العلاقات التعاقدية المعبّر عنها بـ ” العقد الاجتماعي “.
وفي كل الأحوال، من المهم أن تؤدي مبادئ وقيم الحداثة السياسية (الديمقراطية والعلمانية والعقلانية) إلى الهوية الوطنية الجامعة، بما تخلقه من إجراءات الثقة بين المكوّنات الاجتماعية المختلفة، إضافة إلى التخلّي عن ” هوس الهوية الفرعية “.

3 – مخاطر الهويات الطهورية
تعيش مجتمعاتنا العربية أزمة هوية، تتجلى بعدم قدرتها على التوازن بين الأصالة والمعاصرة. إذ يتم تبنّي الدين كمضمون ثقافي شكلاني لا يتجاوز الشعار، بالتوازي مع الإصرار على استعادة ظروف انطلاقه، ووضع الحاضر في قفص الاتهام، دون اعتبار لحجم المتغيّر الزمني. وأدى انفجار الوضع على هذا النحو إلى انفصام عميق في الذات، مما استقطب أشياعًا رفعوا سيوفًا حاقدة، فيما كان التكبير والتهليل مجرد طقوس لإضفاء الشرعية على هذه السيوف.
وفي محاولة للبحث عن أسباب انغلاق الهوية في الثقافة العربية المعاصرة، يمكن إبراز سببين رئيسيين : أولهما، أنّ هذه الثقافة تقدم مسألة الهوية على الحرية، في حين أنّ الحداثة وتحولاتها المعاصرة قد حسمت أمرها – منذ زمن – في تقديم قضية الحرية على قضية الهوية. إذ إنّ الثقافة الشعبية، وبعض الاتجاهات الفكرية العربية، ولاسيما القومية والدينية، تكاد تجعل من قضية الهوية قضية القضايا. ومن دلالات هذا الاتجاه تحوّل أغلب ثورات الربيع العربي من ثورات من أجل الحرية، إلى ثورات منشغلة بالهوية. الأمر الذي أربك تلك الثورات، وغذّى هوية تقليدية مغلقة، لا تساعد على نشوء هوية إنسانية قابلة لاستيعاب كل الانتماءات المحلية ومجاراة التحوّلات العالمية، والتفاعل الإيجابي معهما.
وثانيهما، أنّ الثقافة العربية المعاصرة مازالت تعاني من هيمنة الجماعة على الفرد، فإذا كانت الثقافة المعاصرة قد انتقلت من إعطاء الأولوية للكيانات الجمعية إلى إعطاء الأولوية للفرد وحقوقه وانتمائه الثقافي، فإنّ الثقافة العربية لم تتمكن من هذا الانتقال بعد.
وهكذا، انتهت الهوية، التي تزعم سموها وطهوريتها المطلقة، كخطاب استعلائي ضد الثقافات والهويات الأخرى، إلى تأجيج مشاعر الكراهية والإقصاء بين الشعوب. وكانت الظاهرة الداعشية، التي تعتقد في تسامي الهوية الإسلامية على باقي هويات بني البشر بدون استثناء. إنّ وهم الهوية المقدسة السامية تبدو معطى جاهزًا لا مجال لمراجعته، مما يؤسس لفكرة ” الحقيقة المطلقة “.
ويمكن لأي متابع لكتابات الحركات الإسلامية أن يلمس هذه ” الحقيقة المطلقة “، التي تتمايز مع الهوية الوطنية، حين تعرّف نفسها بأنها ” هوية ربانية “، عابرة للحدود السياسية، الأمر الذي جعل الخطاب الإسلامي مناقضًا لاحتضان الدولة الوطنية وحمايتها، بل أنّ كل الكيانات التي نشأت باسم الدين كانت حالات استثمار لإضفاء القداسة على النظام القائم.
إنّ كثيرًا من النزاعات والأعمال الوحشية تتغذى على وهم هوية متفردة لا اختيار فيها، إذ عبرها تنشأ ” الهويات القاتلة “، مجسَّدة في فن الكراهية، الذي يأخذ شكل إثارة القوى المتطرفة لهوية ربانية مزعومة السيادة والهيمنة، تحجب باقي الهويات. وعلى ضوء هذه التوصيفات يمكن تفسير الظاهرة الداعشية، إذ تكفّر هذه الجماعة كل أمم الكون، وتتوعد كل إنسان لا يحمل الهوية الإسلامية، على مذهب أهل السنّة والجماعة في شكلها السلفي حصرًا، إذ تغالي في طهورية وقدسية الهوية الإسلامية، اجتماعًا وسياسة وأخلاقًا، كما تكيل لنفسها من المزايا والشرف والقدسية، وفي المقابل تسفّه وتدين وتكفّر باقي الأديان والهويات، بل تعتبر أنّ ترويع وترهيب حاملي الهويات الأخرى يدخل في باب ما يضمن للمؤمن دخوله الجنّة.
وقد لوحظ، مع بداية ظهور الجماعات الإسلامية المتطرّفة في سورية، التي تدور حولها شبهات كثيرة، وتثير تساؤلات كثيرة ” لم تتخذ جماعة الإخوان المسلمين موقفًا واضحًا رافضًا لها، الأمر الذي أعطى انطباعًا مفاده بأنّ هناك رغبة في الاستفادة من جهود تلك الجماعات، واستثمارها سياسيًا، والاستقواء بها في مواجهة المنافسين المحتملين، هذا إذا تجاوزنا موضوع التنسيق بين الجماعة وبعض القوى الإقليمية في هذا المجال ” .
والخطورة في هذه الاتجاهات الطهورية أنها ” توظف أفكار الخصوصية والهوية والذاتية كمصدات، تمنع تسرّب مبادئ حقوق الإنسان للحياة العامة في البلدان الإسلامية “. خاصة وأنّ هذه المبادئ ” تركّز على حرية المعتقد، والحق في تغيير المعتقد أو الدين ” .
وهكذا، من المهم إعادة تعريف الهوية عند الإسلاميين، المرادفة للدين، والرافضة للدولة الحديثة. ذلك أنّ كون الفرد مسلمًا ليس هوية يمكن أن تطغى على الهويات الأخرى، إذ من المحتمل أن يكون لمسلم موقف متشدد من الهويات الأخرى، ويمكن أن يكون مسلم آخر متسامحًا دون أن يفقد إسلامه.
إنّ الهوية الدينية لا يمكن أن تكون لها أولوية على العقل، إذ إنّ تجاهل كل شيء إلا الدين معناه طمس حقيقة الاهتمامات التي تحرّك الناس لتأكيد هوياتهم، التي تتجاوز الدين بكثير. حيث لا استقرار ولا صيانة للمكتسبات بدون مواطنة فاعلة، كما لا مواطنة حقيقية بدون قدر كافٍ من الوعي بالهوية الوطنية داخل كل فرد، إذ إنّ الشعور بالانتماء الوطني هو المولّد الطبيعي لقيم الولاء للكيان السياسي للدولة الوطنية الحديثة.

المصدر: الحوار المتمدن

اترك تعليقاً
2+

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى