قراءة سريعة في ورقة (إعلان الوطنية السورية)

مأمون خليفة

بعد القراءة السريعة لها يشعر من تابع محاولات قيام جسم وطني سوري على مدى سبع سنين على الأقل ، لمواجهة واقع التفتت الوطني الداخلي ومقتدرا على مواجهة العدوان الخارجي المركب المتعدد الأطراف على سورية الوطن والشعب والثورة ، أن هذه النسخة الأخيرة جاءت شديدة التدوير للزوايا تشق طريقها بين أنقاض ما نحن عليه ، لا لكي تستوعب كل الطيف الوطني السوري بل استمرارا لتصور أراه يستجيب ولا أقول يخضع لحالة الانكسار الذي نحن عليه .
فهل يستطيع المرء أن يتقبل على سبيل المثال روح هذه الورقة التي تقطع مع المناخ العربي عندما كان الربيع العربي في أوج عطائه وكانت ثورتنا السورية في عز عطائها في شهورها الأولى وهي تحمل روح استعادة مبادرة المشروع العربي بلحق ركب التقدم الإنساني ، مع تطور فكرة الوحدة العربية من تذويب للأقطار الذي لا يتناسب مع روح العصر في لا مركزية الحوكمة وإدارة الشؤون العامة إلى الاحتفاظ في الأقطار التي لا تتعارض مع مشروع تعبئة الموارد البشرية والمادية ، تمكنت إليه دول مختلفة التركيبات الثقافية والمصالح المختلفة بعد حروب كبرى وذلك استجابة لحاجتها في التقدم المستمر.

فنقطة البدء في الحديث عن الحيز الجغرافي الراهن لسوريا، وبعده الحضاري والتاريخي، حديث لا أساس علمي له ، فالجغرافيا السورية الراهنة ، ليس لها بعد تاريخي حضاري ، بشكل ما قد تجد ملامح هذا البعد في جغرافية سوريا الطبيعية، أما الراهنة فهي نتاج “سايكس – بيكو .
هذه حقيقة مؤسسة لما بعدها، إذ حينما نلتزمها، يصبح تحرير فلسطين والالتزام تجاه الشعب الفلسطيني ، جزء من الالتزام “الوطني” السوري ..
واستتباعا لما سبق فإن الحديث عن “المجال العربي والاقليمي”، في تحديد علاقة سوريا التي نريد مع الخارج، لا يستقيم، لأن العربي والاقليمي لا يجتمعان بلفظ الخارج ، المحيط العربي محيط انتماء الى منظومة أمة واحدة، سواء كان لهذه الأمة دولة أو كانت مجموعة دول ، وتحديد العلاقة مع دول هذه الأمة لا تقوم على القواعد نفسها التي تقوم عليها العلاقة مع تركيا ، او السنغال، او تشاد أو أثيوبيا أم إيران .
كما لفتني التصور الاقتصادي لسورية في الورقة فهل فكرته تقوم على تصور مشروع حزب ليبرالي أم تعبئة الوطنية السورية التي يجب أن تقوم على العدل الاجتماعي الذي تتقدم فيه دور الدولة والمجتمع في التحولات الكبرى بعد الأزمات والحروب المدمرة ( لنلاحظ التصورات الحديثة في إدارة اقتصاديات المجتمعات الرأسمالية بعد أزمة الكورونا التي تتقدم فيها أدوار الدولة والخدمات العامة على القطاع الخاص ) وهنا ليس المطروح التأميم وخنق فرص الإبداع الخاص في عمليات النمو والتطور الاقتصادي .
باختصار ودون التوقف عند كل نقطة في هذا الإعلان فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا: إلى من يوجه هذا الاعلان، إذا كان للشعب السوري الذي أطلق ثورته في مارس /آذار 2011، فإن هذا الشعب، لم يتحرك لتغيير طبيعة وانتماء سوريا والسوريين، وإنما تحرك يريد الحرية، والعدالة، والكرامة، والنظام الديموقراطي الذي يحدده هو، ويعبر عن إرادته هو، ويمتلك هو آليات تغييره. ثم أضافت الجرائم التي ارتكبها هذا النظام منذ انطلاق الثورة هدف تحقيق العدالة الانتقالية تمكينا للانتقال السلمي الى المستقبل وإطفاء لروح الانتقام التي تستعر في نفوس ذوي الضحايا وتعويضا لهم، كذلك أضاف الى أهدافه ما يستلزمه ضرورة إعادة بناء ما دمره النظام في السنوات الماضية، ومواجهة ما زرعه ونماه من قوى التطرف .
أما إذا كان هذا النداء يستهدف القوى التي نمت في مسار حركة الثورة وما أصاب هذا المسار من انحرافات، هنا يكون واجبا علينا أن نبحث في : النظام الاتحادي ، والنظام الاسلامي ، والنظام العلماني، وطبيعة الشعوب السورية المكونة لفسيفساء المجتمع السوري و..
طبعا هذا المثال استنتاجي افتراضي بسياق منحنيات الورقة ولا علاقة له بروحها التي لا أشك بوطنيتها وبسلامة سجية أصحابها الذين أعياهم كما أعيانا جميعاً البحث عن مخارج وطنية استقلالية وسيادية للاستعصاء الذي ارتفع واستحكم بإرادتنا ونحن شظايا عيينا عن لمها وتركيبها .
وفي النهاية أتمنى وأنا بكامل الحرص والاحترام والتقدير لجهود أصحابها أن يتقبلوا قراءتي في سياق الحوار الوطني الهادف للبحث عن مخارج نظرية وعملية لمعضلتنا لفاجعتنا السورية المريرة .

المصدر: صفحة مأمون خليفة

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى