أزمات لبنان توفر فرصة لمواجهة انتهاكات «حزب الله» في الجنوب

أساف أوريون

في 10 آذار/مارس، نشرت الأمم المتحدة التقرير الثاني والأربعين للأمين العام للمنظمة بشأن تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1701 [حول حل النزاع اللبناني الإسرائيلي]، الذي يغطي الفترة بين 1 تشرين الثاني/نوفمبر 2019، و 18 شباط/فبراير 2020. وبسبب جائحة فيروسات كورونا، تم تأجيل نقاش المجلس حول هذا الموضوع من منتصف آذار/مارس إلى 4 أيار/مايو.

وعلى الرغم من أن التقرير يبدأ بوصفه المعتاد بأن منطقة جنوب لبنان “هادئة في الغالب”، إلّا أنه يكشف مرة أخرى أمثلة وفيرة عن الأعمال العسكرية غير المشروعة لـ «حزب الله» وتواجده في العديد من المواقع. بالإضافة إلى ذلك، وفي ليل 17 نيسان/أبريل، تم قطع السياج الأمني الإسرائيلي على طول حدود “الخط الأزرق” مع لبنان في ثلاثة أماكن. وخدم هذا الحادث الأخير غرضين لـ «حزب الله»: توجيه إنذارٍ إلى إسرائيل بعد تعرّض إحدى آليات الحزب للاستهداف قبل يومين من ذلك التاريخ في بلدة “جديدة يابوس” على الحدود السورية، وإظهار استعداد الحزب لشن هجمات عبر الحدود رداً على بعض الإجراءات الإسرائيلية.

وحددت الأطراف التي صاغت القرار رقم 1701 الوجود العسكري لـ «حزب الله» في جنوب لبنان على أنه إحدى الشرارات التي أشعلت فتيل حرب عام 2006، وأن خط الاحتكاك لم يؤد سوى إلى زيادة إمكانية “انفجاره” منذ ذلك الحين. ولمنع اندلاع حرب أخرى، من الضروري على المجتمع الدولي أن يبذل الكثير من الجهود الإضافية لمواجهة وجود الحزب الموثّق جيداً على طول الخط الأزرق. وتوفر الأزمات الحالية متعددة الأبعاد في لبنان فرصة فريدة لمعالجة المشاكل المعروفة بطرق جديدة.

تحليل التقرير

من القراءة المتمعّنة لتقرير آذار/مارس يتجلى صوتان مختلفان. ويستفيض أحدهما في الحديث عن الأزمة الاقتصادية والسياسية في البلاد أكثر من تركيزه على النقطة المحوريّة للقرار رقم 1701: أي الوضع الأمني ​​العسكري في الجنوب، وتحديداً منطقة العمليات التي تتولى فيها “قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان” (“اليونيفيل”) مراقبة تنفيذ قرارٍ يرمي إلى إعادة فرض سلطة الدولة على طول الحدود. ويستخدم هذا الصوت أيضاً لغة مبهمة لتجنب الحقائق غير الملائمة والقرارات السياسية الصعبة. وعلى الرغم من جميع الأدلة التي تشير إلى عكس ذلك – بما فيها داخل صفحاته – إلّا أن التقرير يؤكد خطأً أن “«اليونيفيل» واصلت مساعدة «الجيش اللبناني» على إقامة منطقة خالية من الأفراد المسلحين، والأصول، والأسلحة” بين الخط الأزرق ونهر الليطاني. ويمكن للمرء أن يفترض بثقة أن هذا الصوت يمثل المستويات السياسية -الدبلوماسية للأمم المتحدة في بيروت ونيويورك.

أما الصوت الثاني، الذي ينبع على الأرجح من القيادة العسكرية لـ “اليونيفيل”، فيركّز على التقارير المستندة إلى الوقائع عن الحوادث العملياتية في الجنوب. ويتجلى ذلك بشكل خاص في الملحق الأول للتقرير، الذي يوضح بالتفصيل الطرق المختلفة التي قيّد بها «حزب الله» وشركاؤه بشكل غير قانوني حرية حركة “اليونيفيل”. وتم التطرق بالتفصيل إلى 13 حادثة قام فيها “مدنيون” لبنانيون، بعضهم مسلحون، بإعاقة طريق دوريات “اليونيفيل”، والاستيلاء على الوثائق والمعدات الإلكترونية التي كانت بحوزة طاقمها، وإحباط مهماتهم بين تشرين الثاني/نوفمبر وشباط/فبراير – مما يعني أنه لم يتم القيام بأي شيء لتحسين الوضع بعد أن تم تفصيل أربعة عشر من هذه الحوادث في تقرير تشرين الثاني/نوفمبر.

وكما هو الحال مع قطع السياج في 17 نيسان/أبريل، تقع بصمة الحوادث الثلاثة عشر المبلغ عنها على طول الخط الأزرق أو بالقرب منه، وفي القطاع المركزي بشكل رئيسي. وقد وقَعَت ثلاثٌ منها على بُعد بضعة كيلومترات من الحدود – بالقرب من بلدة برعشيت في 14 كانون الثاني/يناير و 29 كانون الثاني/يناير و 15 شباط/فبراير، وشملت الحادثة الأخيرة أعمال عنف جسدية ضد عناصر قوة حفظ السلام.

تتْبع هذه الأحداث نمط العمليات المعروف لـ «حزب الله» لمنع وحدات “اليونيفيل” من دخول المناطق الحيوية في الجنوب أو توثيق أنشطتها هناك – إنها حملةٌ لمنع الوصول، ومعارضة التوثيق، ومنع دخول المناطق التي مكّنت الجماعة الإرهابية من العمل كما يحلو لها على طول الخط الأزرق، وفي الوقت نفسه التعايش مع بعثة الأمم المتحدة و”الجيش اللبناني”، بتكلفة سياسية ضئيلة لها أو للحكومة اللبنانية الأوسع نطاقاً (انظر دراسة المؤلف من تشرين الثاني/نوفمبر 2019 للحصول على وصف كامل لهذه الحملة، إلى جانب خرائط توضّح فترات الإبلاغ عن الحوادث السابقة). وفي هذا الصدد أيضاً، فإن تقرير الأمم المتحدة لا يستخدم البيانات لتوضيح الأمور بل لتعتيمها: “من خلال قيام «اليونيفيل» بما معدله 14,457 عملية عسكرية شهرياً، من بينها  6,774 دورية، حافظت «القوّة المؤقتة» على بصمة عملياتية في جميع البلديات والقرى”. وقد تسير دوريات الأمم المتحدة بالفعل عبر كل قرية في جنوب لبنان، لكن أقسام محدودة فقط من المنطقة الإجمالية للعمليات متاحة لـ “اليونيفيل”، أما المناطق ذات الصلة بعمليات «حزب الله» فهي محظورة [الدخول لـ “القوة المؤقتة”].

كما ألقى التقرير الضوء بشكل مقلق على الدور المنهجي الذي تلعبه أجهزة “الجيش اللبناني” في إعاقة وصول قوات الأمم المتحدة إلى المناطق التي يطلق منها «حزب الله» صواريخ مضادة للدبابات، والأنفاق الهجومية عبر الحدود، و “الطرق الخاصة” التي تم الكشف عنها حديثاً، وحتى المساحات الأحدث التي يطلق عليها “المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية لـ «الجيش اللبناني»”، ومنصات المراقبة التي تديرها جمعية “أخضر بلا حدود” – التي هي أداةٌ لـ «حزب الله» تتنكّر كمنظمة بيئية غير حكومية. وهذا التقرير هو أيضاً الأول من نوعه الذي يوثّق المشكلة الطويلة الأمد التي ترفض سلطات “الجيش اللبناني” طلبات “اليونيفيل” للعبور إلى إسرائيل.

وبالطبع، لا يُعد أي من هذه الأدلة الوافرة جديداً حقاً، ولم يدفع أيٌّ منها واضعي التقرير إلى طرح توصيات قابلة للتنفيذ تعالج المخاطر المتزايدة. وما تغيّر هو السياق الاستراتيجي. ولم تَعُد الافتراضات الأساسية التي قام عليها القرار رقم 1701 صالحة، حيث يسيطر معسكر «حزب الله» على النظام السياسي في لبنان، ويدعم “الجيش اللبناني” ومؤسسات الدولة الأخرى منظمة إرهابية بصورة نشطة، سواء عن طيب خاطر أو تحت الإكراه. وفي الوقت نفسه، وصلت الأزمات السياسية والاقتصادية في البلاد إلى ذروتها، وفاقم فيروس كورونا الأمور. وكل هذه العوامل تجعل اعتماد اللبنانيين على المساعدات الخارجية أقوى من أي وقت مضى، مما يمنح الجهات الفاعلة الدولية أداة قوية لتعزيز السياسات التي تساعد على تجنب الحرب.

التوصيات

بعد اجتماع مجلس الأمن في 4 أيار/مايو، أمام السلطات حتى 1 حزيران/يونيو لعرض “تقييم للأهمّية المستمرّة لموارد «اليونيفيل»” بموجب أحكام القرار 2485، مع مراعاة الحد الأقصى للقوات”. وتشمل المواعيد النهائية اللاحقة التقرير التالي عن لبنان (المقرر إصداره في تموز/يوليو) والتجديد السنوي لتفويض “اليونيفيل” (المقرر لأواخر آب/أغسطس). ويمنح هذا الجدول الزمني إسرائيل والولايات المتحدة والجهات الفاعلة ذات التفكير المماثل فرصة للتركيز على الجهود التالية، والتي يمكن أن تساعد على الأقل في تحسين ظروف التقدم الاستراتيجي في المستقبل.

الضغط على بيروت: بينما يسعى لبنان إلى تلبية حاجته الماسّة إلى المساعدة الاقتصادية والطبية والعسكرية الخارجية، على المجتمع الدولي أن يعرض عليه بعض الخيارات الصارمة: إمّا التمتع بالمساعدة كدولة شرعية أو الاستمرار بتوفير مؤسساته وأراضيه لمنظمة إرهابية؛ وإمّا تحميل “الجيش اللبناني” المسؤولية كجيش وطني ذي سيادة أو السماح له بالاستمرار في التعاون مع الإرهابيين. وبالمثل، يجب وضع «حزب الله» في بؤرة المعضلة: بين مواصلة عملياته العسكرية غير المشروعة على طول الحدود الإسرائيلية ومشروعه الصاروخي البالغ الدقة أو التمتع بالمساعدات الدولية إلى البلاد التي أصبح يحكمها حالياً، طالما يتم وضع شروط مناسبة وبرامج قائمة على الأداء ويمكن التحقق منها أولاً. ولكن، من الناحية الواقعية، تميل العقلية السياسية/الدبلوماسية في الأمم المتحدة وأماكن أخرى إلى تفضيل الاستمرارية والتفكير الغارق بالتمني حول “الاستقرار” على تغيير السياسة أو خوض مساومات صعبة مع «حزب الله» ورفاقه. وهناك احتمال ضئيلٌ بأن يفرض مؤتمر “سيدر” الذي ترعاه فرنسا أو الآليات الأخرى من “أصدقاء لبنان” شروط على مساعداتهم؛ ومن غير المرجح أيضاً إدخال تحسينات كبيرة على ولاية “قوة الأمم المتحدة المؤقتة” في لبنان.

تغيير العمليات وتقليص حجم القوات: يجب على صانعي السياسات أن يطالبوا كالمعتاد بمنح “اليونيفيل” الحق الكامل ودون عوائق بالوصول إلى منطقة عملياتها بأسرها. كما يجب على “القوة المؤقتة” أن تجهز دورياتها بكاميرات جسدية تسمح بالتعرف على وجوه المعتدين وكل مَن يعيق حركة عناصر القوة وحقها بالوصول إلى المناطق المنشودة أو يحاول الاستيلاء على معدات تابعة للأمم المتحدة. ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت لدى الدول التي تساهم بأفراد في قوة “اليونيفيل” شهيّة لاتخاذ مثل هذه الخطوات. ومهما كانت الحالة، يجب دعم هذه الاقتراحات من خلال وضع خيار آخر أمام بيروت: إما السماح بتنقل قوات “اليونيفيل” دون عوائق أو مواجهة تخفيضات تدريجية في حجم القوة وميزانيتها. وستكون نقطة الهدف الجيدة تخفيض 10-20 في المائة من هذه القوة خلال مناقشات تجديد التفويض في آب/أغسطس، بناءً على نتائج تقرير تموز/يوليو وتقييم خاص منفصل آخر. ويمكن النظر في التخفيضات الإضافية القائمة على الأداء كل أربعة أشهر بعد نشر تقارير لاحقة حول ذلك. ويمكن لهذا النهج أن يحسّن من كفاءة قوة “اليونيفيل” عن طريق تقليص الفجوة غير المقبولة بين حجمها (حالياً 10,368 جندياً و 580 موظفاً مدنياً) وفعاليتها. كما يمكن أن يقلّل من المخاطر على قوات حفظ السلام في حالة اندلاع حرب، ويحفّز بيروت على التعاون.

تحسين آلية التقارير لدى الأمم المتحدة: نظراً للعقبات الإستراتيجية والعملياتية المتوقعة، قد يضطر صانعو السياسات إلى الاكتفاء بتحقيق الهدف الأدنى المتمثل في تعزيز آلية إعداد تقارير الأمم المتحدة من خلال [الاعتماد على] المزيد من البيانات الموثوقة والواقعية لدحض أي أوهام عن حقيقة الوضع على الأرض. وفي عام 2017، فشل قرار مجلس الأمن رقم 2373 بشكل متوقع في تعزيز تفويض “اليونيفيل”، لكن جهود الولايات المتحدة في ذلك الوقت ساعدت في تحسين إعداد التقارير وإرساء الأسس الواقعية للمناقشات السياسية الحالية والمستقبلية. إن الانتقال بهذا النهج إلى المستوى التالي يعني إدخال البيانات الجغرافية والإحصائية والزمنية لتقارير الأمم المتحدة بمرور الوقت، مثل الخرائط التفصيلية لمواقع الحوادث الدقيقة وطرق الدوريات. ويذكر تقرير آذار/مارس “منصات بيانات نُظم المعلومات الجغرافية” لـ “اليونيفيل”. يجب أن يسعى أعضاء مجلس الأمن للوصول إلى “بيانات نظم المعلومات الجغرافية” هذه لفهم الحقائق في جنوب لبنان بشكل أفضل. وهناك حاجة أيضاً إلى وجود سجل تراكمي لجميع الحوادث المعلّقة السابقة وحالتها (وضعها). وأخيراً، ينبغي دعوة قائد قوات “اليونيفيل” لإطلاع مجلس الأمن الدولي خلال المناقشات مثل الاجتماع الذي عُقد في 4 ايار/مايو من أجل إعطاء صوت أقوى للتقارير الواقعية. وإذا فشل ذلك، بإمكان بعثات الأمم المتحدة ذات التفكير المماثل طَلبْ إحاطات عملياتية قائمة على الحقائق من قبل الضباط الميدانيين لـ “اليونيفيل” قبل اجتماعات مجلس الأمن الدولي.

أساف أوريون هو “زميل روفين إنترناشيونال” في معهد واشنطن. وقبل تقاعده من “جيش الدفاع الإسرائيلي” في عام 2016، تولى دوراً قيادياً في “مديرية التخطيط” تضمن التنسيق مع قوات “اليونيفيل” و “الجيش اللبناني”.

المصدر: معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى