الهجرة العابرة في ليبيا

فايز سارة

أمضيت أياماً من الأسبوع الماضي في العاصمة الليبية، طرابلس الغرب، أو طرابلس كما اعتاد الليبيون تسميتها، ومنها قمت بإطلالة على المشهد الليبي الذي وإن كنت أتابعه وأعرف عنه بعضه؛ فإن المعاينة المباشرة بالنظر والإحساس، والكلام مع الناس من مسؤولين ومواطنين عاديين، ومطَّلعين ومهتمين، يعطي المعرفة أعماقاً وأبعاداً، لا توفرها القراءة والاستماع وحدهما.

مناسبة زيارة ليبيا جاءت في سياق مشاركة في أعمال ملتقى دولي، بحث في موضوع الهجرة إلى ليبيا وعبرها إلى أوروبا من بوابة البر الإيطالي. وشارك في حضور الملتقى عرب وأجانب، وأكثرية العرب الحاضرين كانت من الليبيين والسوريين، وقد كانوا في طليعة الربيع العربي، وحدودهم مفتوحة على وسعها للداخلين والخارجين، والتدخلات الإقليمية والدولية فيهما من أكثر التدخلات اتساعاً وعمقاً.

يختصر مشهدان في مطار معيتيقة الدولي الواقع الليبي اليوم. فهذا المطار ولد من قلب الحاجة والضرورة. إذ عطلت هجمات الجماعات المسلحة مدرجات مطار طرابلس الدولي، وأخرجته من الخدمة، ما دفع حكومة طرابلس إلى اعتماد قاعدة جوية سابقة، وتحويلها مطاراً لتأمين انتقال الأشخاص والبضائع في الاتجاهات المختلفة. وإذا كان قسم الاستقبال يعاني من مشكلات العمل الإداري، وتدني مستوى الدعم التقني، وجزء منهما يعود إلى نقص الإمكانيات، وإلى أن المكان غير مخصص لهذه المهمة، فإن المسؤولين فيه يقولون إنهم بصدد علاج المشكلات وتجاوزها. ويعطي قسم المغادرة في الجهة الأخرى إحساساً أفضل بالمكان والإجراءات، وانطباعاً عن مشكلات أقل، يمكن اعتمادهما دلالات على مسار الأزمة الليبية، وأنها تسير إلى حل ولو ببطء، وهو مشهد يترك عند المغادرين فرصة إغلاق عيونهم على صورة، توحي أن الوضع أفضل، وأنه يتحسن.

امتدت أعمال الملتقي ليومين متتاليين، شارك فيها مسؤولون حكوميون وناشطون حقوقيون وكُتاب وأساتذة جامعيون، وتركزت فيها الأحاديث والنقاشات حول مشكلة الهجرة العابرة. ورغم اتفاق أغلب الحضور على أن الهجرة حق إنساني؛ خصوصاً في ظل المعاناة الإنسانية في دول الديكتاتوريات وسياسات القمع والنهب والإفقار وفقدان الأمل بالمستقبل، فإن البعض أبدى تحفظات على الهجرة، بسبب ما تتركه على الواقع الليبي من آثار سياسية وأمنية، وأخرى اقتصادية واجتماعية وثقافية، وسط ظروف هشة ناجمة عن عقد من سنوات صراع مرير، غيرت الكثير في حياة الليبيين، بما فيها بعض من شعارات ظهرت في أيام الثورة الأولى.

وتوقف مشاركون في الملتقى أمام خلاصات في النقاش الجاري، ليرسموا ملامح ما ينبغي القيام به في المرحلة المقبلة؛ حيث أشاروا إلى أن الهجرة تتطلب مزيداً من البحث والتدقيق لكشف تفاصيلها وروابطها، يتم بعدها رسم سياسات وإجراءات حكومية، تضع المشكلة في إطارها الصحيح الذي يأخذ الأوضاع القائمة بعين الاعتبار، بينما أكد آخرون أن السياسات والإجراءات ينبغي أن تكون منسجمة مع حقوق الإنسان والقانون الدولي، وأن يتم بناء قاعدة قانونية وإجرائية مناسبة لها.

وقارب مشاركون سوريون حالة السوريين في ليبيا من نقطتين: الأولى تتصل بالمقيمين هناك، وكثير منهم مقيم قبل 2011، وأغلب هؤلاء ليست لديهم مشكلات ذات أهمية تدفعهم للهجرة، وحالهم في ذلك يشبه حال آخرين من عرب وأجانب مقيمين في البلاد منذ عقود، والنقطة الثانية تخص الساعين من السوريين لتكون ليبيا ممراً لهم نحو أوروبا، وصار هؤلاء كما هو حال وافدين آخرين إلى واحدة من ثلاث حالات: بعضهم وصل أوروبا وتحققت رغباتهم، وبعض آخر وقع في براثن عصابات الاتجار بالبشر والمهربين بأشكالها المتعددة، وقد ساعدت ظروف قائمة أغلب العصابات على الإفلات من العقاب، وطالب مشاركون في الملتقى الحكومة بالتشدد في ملاحقتهم ومعاقبتهم على ما ارتكبوه من جرائم، منها سلب المهاجرين أموالهم ووثائقهم وقتلهم أحياناً، والقسم الثالث من العابرين السوريين الذين تم إنقاذهم من اختلال عمليات التهريب البحرية، جرى وضعهم في ملاذات آمنة بانتظار ما يمكن أن يتقرر في أوضاعهم.

مشكلة الهجرة إلى ليبيا وعبرها إلى أوروبا مشكلة حاضرة ومستمرة في ظل الظروف الليبية الراهنة؛ حيث لا سيطرة كاملة للسلطات على مداخل البلاد ومخارجها، في ظل حدود برية وبحرية كبيرة جداً، وفي ظل وجود ميليشيات مسلحة على مناطق حدودية ومعابر، ووسط حضور عصابات التهريب والاتجار بالبشر، وكلها مضافة إلى ضعف في تطبيق القانون أو غيابه. وتستغل بعض الدول؛ لا سيما الدول الأوروبية التي يقصدها اللاجئون، الظروف الليبية، ويحمِّلونها مسؤولية المهاجرين الجدد الواصلين إليها.

المبادرة الليبية في وضع ملف الهجرة على الطاولة تعكس تحولاً سياسياً لمعالجة قضية مهمة، غالباً ما جرى استخدامها لأغراض لا تتصل بحلها بمقدار ما تتصل بتصفية حسابات في الصراع الليبي وحول ليبيا، وهذا عامل يؤكد أهمية انعقاد الملتقى، مضافاً إلى عوامل أخرى، من بينها أن الملتقى ومجرياته يعكسان رغبة الليبيين في كشف ومعالجة قضية قيل فيها كثير بين الحقائق والأكاذيب، ومن المفترض الكشف عنه، وألا يظل، وألا يكون أساساً في إطار المسكوت عنه؛ لأن الليبيين متضرر رئيس فيها ومنها، والأمر الثاني هو إشراك أطراف مختلفة في بحث القضية، في مسعى لرؤيتها من كل الجوانب والأبعاد؛ لأنها قضية متعددة الأبعاد ومعقدة.

منظمو ملتقى طرابلس الدولي حول الهجرة، اعتبروا ما حصل هو مجرد فتح في جهد يتواصل لعلاج القضية في مجالات ومستويات متعددة، بدأت تتحدد في الاجتماعات والنقاشات التي جرت.

المصدر: الشرق الأوسط

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى