سورية:انهيار التفاهمات..يؤدي لتصادم المصالح 

العقيد عبد الجبار العكيدي  

أفضى التدخل الدولي على المستويين السياسي والعسكري في سوريا إلى نشوء صراع مصالح بين الدول النافذة، وخشية وصول هذا الصراع لدرجة التصادم نشأت مسألة بناء تفاهمات تعنى بالدرجة الأولى بإدارة هذا الصراع والحيلولة دون وصوله إلى مرحلة الانفجار، ولعل أبرز هذه التفاهمات تلك القائمة بين روسيا وإسرائيل.

ولإن كان صحيحاً أن الروس يرون أنفسهم أصحاب أحقية كبرى في الوصاية على نظام الأسد بحكم نفوذ آلتهم العسكرية التي حافظت على نظامه من السقوط منذ أيلول/سبتمبر 2015، إلا أنه لا يمكنهم التنكر للدور الإسرائيلي الذي يسعى هو الآخر للحفاظ على نظام الأسد، بل كان له السبق في ذلك منذ العام 2012 من خلال الضغوط التي مارسها رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو على  إدارة باراك أوباما للتخلي عن فكرة اسقاط النظام.

وجهة النظر الإسرائيلية بالتمسك بالأسد تنطلق من نظريتهم التي تقول (شيطان نعرفه أفضل من شيطان لا نعرفه)، وعلى أساس هذا التكامل في المصالح مضت موسكو وتل ابيب في إدارة مصالحهما داخل سوريا.

لقد التزم الروس كامل الالتزام بعدم التعرض للطيران الإسرائيلي الذي يستهدف مواقع ميليشيات إيران داخل الجغرافيا السورية، بل ذهبت بالتعاون إلى حد منع تشغيل واستخدام منظومات الدفاع الجوي التي أحكمت سيطرتها عليها بشكل كامل، وبالمقابل التزمت إسرائيل بالتنسيق وإخطار الروس بأي طلعة جوية لطيرانها في الأجواء السورية والحفاظ على التنسيق العسكري والاستخباراتي من خلال الخط الساخن بين تل أبيب وقاعدة حميميم.

لكن ثبات المصالح أمر متعذر الحصول في العلاقات بين الدول، بل يمكن القول إن أي تغيير في مسار المصالح لابد أن يؤدي إلى الإطاحة بما سبقه من تفاهمات، ولعل الغزو الروسي لأوكرانيا قد أفرز شكلاً جديداً من المصالح، وبالتالي أوجب شكلاً جديداً أيضاً من التفاهمات لإدارة هذا الصراع، إلا أن إيجاد هذه التفاهمات الموجبة ربما يكون متعذراً لازدياد الهوة في المصالح المتناقضة.

الروس اليوم في حال تحدٍ صارخ للموقف الغربي الرافض لغزو أوكرانيا، وتحول هذه الحرب بالنسبة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من حرب حدود إلى حرب وجود، وكذلك لم تعد غاية الغرب هي ردع بوتين فحسب بل باتت الغاية هي تقويض روسيا كدولة عظمى سياسياً واقتصادياً، الأمر الذي أحرج إسرائيل التي لم يعد بإمكانها إمساك العصا من المنتصف، بل أظهر أنها مهما بلغت من البراغماتية فإن انحيازها إلى حليفها التقليدي الأميركي أمر لا بد منه. ومن هنا يمكن الركون إلى ارهاصات واضحة تنذر ببروز تصادم جديد روسي-إسرائيلي، وعلى الرغم من الحرب في أوكرانيا على رأس أسباب هذا التصادم، إلا أن مسرح عمليات هذا الصراع ربما يكون الأرض السورية.

التدافعات بين تل أبيب وموسكو تجاوزت مستوى الوقائع الميدانية لتصل إلى مستوى آخر ربما يكون أكثر حساسية مما هو ملموس على أرض الواقع، من خلال التقاذف الأيديولوجي والديني الذي تجلى بتصريحات وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف بتنسيب هتلر إلى اليهودية، فضلاً عن انتماء زيلنسكي، الأمر الذي جعل الأجواء بين الطرفين مكتملة الاحتقان بل ناضجة لاستنبات خلافات قادمة.

لعله من الطبيعي أن يكون التنسيق السابق بين البلدين حول استهداف ملحقات إيران في سوريا هو العرض الأولى لحلقات هذا الصراع، ولعل هذا ما تترجمه تصريحات لافروف المتكررة التي تصب في مجرى إدانة إسرائيل لقصفها مواقع في سوريا، ليتطور هذا الموقف الإعلامي الروسي إلى موقف عملي تجسد بسحب روسيا لبعض قواتها وقواعدها البرية ومجموعات من الضباط من المطارات السورية وبعض المواقع الأخرى وتسليمها لأطراف تابعة لإيران. ولعل هذه العملية هي الرسالة الأولى التي تحمل استفزازا روسياً لإسرائيل، إذ تدرك موسكو مدى حساسية الموقف الإسرائيلي من ميليشيات إيران داخل سوريا.

في السياق ذاته يمكن النظر إلى الزيارة التي قام بها رئيس النظام بشار الأسد إلى طهران ولقاؤه بالمرشد والرئيس الإيرانيين، إذ لا يمكن أن يغيب الظل الروسي عن أجواء هذه الزيارة إن لم يكن القسم الأهم منها من أجله، خاصة وقد سبقتها زيارة وفد من حركة حماس إلى موسكو، ذلك أن انشغال الروس بحربهم على أوكرانيا من جهة وتوتر علاقاتهم مع إسرائيل من جهة أخرى، لا بد أن يترك فراغاً في سوريا على إيران أن تبدأ بملئه، بل ربما ترى أنها باتت صاحبة الأحقية قبل الروس بتوجيه بوصلة الصراع في سوريا، وهنا لا يمكن تجاهل الطلب الإيراني من الأسد بعودة علاقاته مع حركة حماس، في استفزاز روسي-إيراني مشترك لإسرائيل، لم يتأخر الرد عليه بقصف جديد استهداف مواقع جيش نظام الأسد في مدينة مصياف القريبة من قاعدة حميميم، وقتل العديد من ضباطه وجنوده.

ربما طبيعة المصالح لدى الطرفين تحتم على كليهما مزيداً من التفكير قبل الوصول إلى أي صدام، ذلك أن إسرائيل تدرك جيدا أنه لولا التنسيق مع روسيا فإن طائراتها ربما أصبحت عرضة للإسقاط أو التصدي لها من خلال تفعيل منظوماتي الدفاع الجوي الروسية “إس-300” و”إس-400″، وبالمقابل تحرص موسكو على أن تبقى إسرائيل على موقفها الثابت تجاه عدم المساس بنظام الأسد في الوقت الراهن.

رسائل التصعيد المتبادل بين موسكو وتل أبيب كشفت عن أزمة سياسية حادة بينهما، لم يقتصر تأثيرها على ساحة الحرب الأوكرانية وإنما امتدت إلى الساحة السورية، ما قد ينجم عنه احتدام التنابذ بين الطرفين واستخدام هذه الساحة لتصفية الحسابات بينهما، فيما إذا تم إيقاف التنسيق العسكري والاستخباراتي الذي يربطهما، واتخذت روسيا موقفا تصعيدياً بمنع الطائرات الإسرائيلية من قصف أهدافها في سوريا.

هنا لابد من توضيح الأمر عسكرياً بأن سلاح الجو الروسي المتواجد في قاعدة حميميم، سواء طائرات “سو-22” حتى “سو-34″، وبما في ذلك أحدث طائرات الميغ، غير قادرة على اعتراض الطائرات الإسرائيلية “إف-15″ و”إف-16”. هذه الطائرات تتمتع بقدرة عالية على المناورة ومزودة بصواريخ موجهة قادرة تلقائياً على تدمير منظومات الدفاع الجوي والرادارات بمجرد ملامسة نبضة الرادار الليزرية لجسمها.

وفي حال قرر الروس تفعيل منظومات الدفاع الجوي، فسيكون لدى إسرائيل خيار استخدام طائرات “إف-35” العصية على الكشف من قبل أجهزة الرادار الروسية ولا يمكن لحظها في الأجواء، بالإضافة إلى إمكانية استخدام صواريخ أرض-أرض وصواريخ بحر-أرض من قواعدها وسفنها الحربية.

ما تقدم يضعنا أمام سؤال مهم هو: إلى أين سيفضي هذا التوتر القائم بين موسكو وتل ابيب على الجغرافيا السورية؟ وهل بمقدور الطرفين اجتياز هذا المأزق وبناء تفاهمات جديدة على ضوء ما أفرزته الحرب في أوكرانيا، وإعادة التوافق بينهما على معالجة الملفات الخلافية التي ظهرت على خلفية هذه الحرب، والإبقاء على التنسيق في الجغرافيا السورية؟

من خلال تأكيدات الجانب الإسرائيلي أن التوتر مع موسكو بشأن أوكرانيا لن يشمل ملفات المنطقة الأمنية، ورغم أن هذه التأكيدات قد تكون مجرد تصريحات لانتزاع فتيل أزمة مقبلة، إلا أن الأمور على ما يبدو تنحو باتجاه تبريد التوتر وضبط ردود الأفعال منعاً للتصادم وتفجير الخلاف بينهما، وتعويل بوتين على الوقت والتغيرات والتبدلات في الواقع الميداني في حربه على أوكرانيا بما يتيح له أن يفرض على الإسرائيليين الحياد الفعلي عن التدخل في هذا الملف على أقل تقدير.

ويبقى السؤال الأهم: هل سيكون بمقدور الطرفين صياغة تفاهمات جديدة قادرة على استيعاب هذا المأزق؟ أم أن هذا التوتر سيدفع إيران لشغل مساحات جديدة في سوريا في ظل ضواء أخضر روسي غير مباشر، والغمز من قناة المقاومة بما يؤدي لزيادة زخم الهجمات الإسرائيلية وقوات التحالف ضد القوات الإيرانية المتواجدة في سوريا؟. ربما كانت هجمات دير الزور الأخيرة إحدى أهم علاماتها، وربما يكون الجواب مرهوناً بتداعيات الحرب الأوكرانية كما هو مرهون أيضا بمدى استمرارية تصاعد الموقف الغربي من موسكو وارتباط إسرائيل به.

المصدر: المدن

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى