على تخوم روسيا.. لماذا أنشأت ليتوانيا قاعدة عسكرية أميركية جديدة؟

ترجمة: هدير عبد العظيم.

مقدمة الترجمة:

أعدَّت جاكلين فِلدشِر، كبيرة المراسلين المتخصصة في الأمن القومي الأميركي، تقريرا نشرته مجلة “ديفِنس وان”، ألقت فيه الضوء على القاعدة العسكرية الجديدة التي افتتحتها ليتوانيا، الواقعة في شرق أوروبا، للقوات الأميركية التي تنتشر بصورة دورية في البلاد، واستعرضت وجهات النظر المختلفة فيما إذا كانت هذه القاعدة، الواقعة قرب الحدود الروسية، تهديدا لموسكو. كما تناولت تلميحات المسؤولين في ليتوانيا لأن يصبح الوجود الأميركي في البلاد دائما لا دوريا.

نص الترجمة:

تحب ليتوانيا أميركا إلى درجة لا تخطئها عين، ويقول المسؤولون إن أغلبية السكان المحليين يؤيدون وجود القوات الأميركية، ويرتاحون لصوت نيران الدبابات لأنه بمنزلة تذكير لهم بالحماية التي تُحيطهم، حتى إن وزارة الدفاع الليتوانية رعت أثناء فعاليات مؤتمر “كوميك كون البلطيق” (مؤتمر سنوي يجمع عشاق القصص المصورة وأفلام الكرتون) عام 2019 لقاء اثنين من الأبطال الخارقين للمرة الأولى: كابتن أميركا وكابتن ليتوانيا.

لقد وجد الجنود الأميركيون الضيافة الكريمة في معسكر “هِركوش” بليتوانيا، فعلى هذه القاعدة البعيدة، التي افتُتحت في أغسطس/آب الماضي وتؤوي حاليا مئات الجنود الأميركيين، تباهى مسؤولو الحكومة بحماس بالمقر الجديد الذي كلَّف 7 ملايين يورو، ويضم صالة رياضية مُجهَّزة بالمشايات الكهربية، وملاعب كرة سلة بأرضيات من العشب الاصطناعي تُحيط بها منازل مُتنقِّلة، بالإضافة إلى متاجر لبيع السجائر والحلوى، وصالة ألعاب حيث يلعب الجنود ألعاب الفيديو.

بيد أن الأمر لا يتعلَّق براحة ضيوف “فيلنيوس” فحسب، بل تهدف العاصمة الليتوانية من وراء ذلك إلى إغراء واشنطن لتحويل الانتشار الدوري لقواتها العسكرية كي يصبح إقامة دائمة، ومن ثمَّ صد القوات الروسية التي تنتشر وتتدرَّب في بيلاروسيا بصورة دورية على بُعد كيلومترات قليلة منها. وقد قال وزير الدفاع الليتواني، “أرفيداس أنوشاوسكاس”، في افتتاح القاعدة: “نتمنى أن تكون هذه القاعدة الجديدة في ’بابرادِه‘ وطنا ثانيا للقوات الأميركية”.

بعد ذلك بعدة أسابيع، أكَّد أنوشاوسكاس النقطة ذاتها في تغريدة رحَّب فيها بالجنرال “كريستوفر كافولي”، قائد الجيش الأميركي في أوروبا وأفريقيا، قائلا: “تتجلَّى الحاجة إلى انتشار القوات الأميركية أكثر من أي وقت مضى، ونحن نوفِّر كل الظروف الضرورية للقوات الأميركية كي نحافظ على استعدادها”. وأضافت “إنغريدا شيمونيتِه”، رئيسة وزراء ليتوانيا: “وجود القوات الأميركية في ليتوانيا وتدريبها إلى جانب قواتنا هو أفضل آلية للردع”.

البيت الأبيض يتردَّد

أما في واشنطن، فلم تُعبِّر إدارة بايدن والمسؤولون العسكريون عما إذا كانوا ينظرون بجدية في أمر وجود قاعدة دائمة للقوات الأميركية بإحدى دول البلطيق، حتى إن مسؤولي البيت الأبيض رفضوا التعليق على المسألة. هذا وشكر الناطق الرسمي باسم البنتاغون ليتوانيا على استثمارها، بيد أنه كان حذرا بشأن ما إذا كانت أماكن الإقامة الأفضل وخطط تحسين مرافق التدريب ستُشكِّل فارقا، مُظهِرا حساسية دبلوماسية وسياسية بشأن رفع الوجود العسكري على أعتاب روسيا.

وقال “أنطون سِمِلروث”، المقدِّم في قوات المشاة البحرية والناطق الرسمي باسم وزارة الدفاع في تصريح لمجلة “ديفِنس وان”: “لطالما كانت ليتوانيا مُضيفا مذهلا للمجندين من رجالنا ونسائنا داخل حدودها، ونحن نُقدِّر أهمية الاستثمارات التي قدَّمتها ليتوانيا من أجل تحديث البنية التحتية وتوسيعها، التي دعمت القوات الأميركية وقوات الناتو الدورية في تدريباتها ومناوراتها”. وأشار سِمِلروث إلى أن مسؤولي البنتاغون يراجعون حاليا انتشار جنودهم في شتى أنحاء العالم ومدى اتساق ذلك مع أهداف الأمن القومي الأميركي، وذلك بحسب توجيه أصدره الرئيس بايدن في فبراير/شباط الماضي.

ليست ليتوانيا الحليف الوحيد في شرق أوروبا الذي يسعى بدأب للحصول على التزام أميركي طويل الأجل. فقد عرضت بولندا عام 2018 تسمية واحدة من قواعدها العسكرية باسم الرئيس ترامب مقابل وجود دائم لآلاف الجنود الأميركيين الإضافيين، وقد ماتت الفكرة في مهدها العام الماضي، لكن الولايات المتحدة عزَّزت قواتها وتسليحها هناك. وحافظت الولايات المتحدة على وجود دوري لمئات الجنود في ليتوانيا منذ أكتوبر/تشرين الأول 2019، ويرى بعض نواب الكونغرس أن الوجود الجديد والدائم للقوات الأميركية على مقربة من الحدود الروسية بمنزلة إشارة إلى موسكو بالتزام أميركي أقوى للدفاع عن حلفائها في البلطيق.

خطر الغزو الروسي

يقول المسؤولون في ليتوانيا إن شعبهم يشعر بتهديد عميق آتٍ من روسيا، ويعي مواطنو ليتوانيا، التي تحدها بيلاروسيا من الشرق ومحافظة كالينينغراد الروسية من الجنوب الغربي، وعيا تاما خطورة زيادة العتاد العسكري لروسيا التي يمكنها الاستحواذ على ليتوانيا واستئصالها من الناتو. ويجادل المسؤولون الليتوانيون أنه إن وقع الهجوم الروسي فستصل التعزيزات من دول الناتو بعد أن يكون الروس قد اكتسحوا البلاد، التي تتساوى مساحتها مع مساحة شبه جزيرة سيناء المصرية.

ويضغط المسؤولون في فيلنيوس على البنتاغون لإقرار تمركز دائم للقوات الأميركية في البلاد لردع هذا الغزو الروسي المُحتمَل. ويرى المسؤولون في ليتوانيا أنه في حال قرَّرت موسكو الهجوم، يمكن أن تساعد القوات الأميركية في الرد السريع حالما تتدفَّق قوات الحلفاء الأخرى من غرب أوروبا نحو البلطيق.

أما في الولايات المتحدة، فيتناقش المخططون والمحللون العسكريون حول ما إذا كان الوجود العسكري الدائم أفضل أم الانتشار الدوري، حيث فضَّلت وزارة الدفاع في السنوات الماضية نشر قوات دورية لمدد قصيرة في بلاد شتى من أوروبا والشرق الأوسط والمحيط الهادئ، وذلك بدلا من نشر قوات عسكرية دائمة وضخمة تتمركز في القواعد التاريخية للقوات الأميركية. وتتراوح الأسباب في ذلك بين التكلفة والحساسيات السياسية للبلد المُضيف والحاجة إلى أن تكون القوات أكثر تنقُّلا وحركة لا صيدا سهلا للتهديدات الحالية العالية التقنية.

بيد أن تكاليف النقل المرتبطة بالوجود الدوري تُعتبر باهظة بعض الشيء، ويرى البعض أن الوقت المتاح للجنود للتركيز على مهمتهم يصبح شهرين تقريبا بين المدة التي يقضونها في التجهيز والتأقلم، والمدة التي يقضونها في الاستعداد للخروج بعد نهاية المهمة. لكن آلية التناوب تجعل المنطقة مألوفة لعدد أكبر من الجنود الأميركيين، وتُتيح للوحدات التدرُّب على مهارات الخدمات اللوجستية مثل نقل الدبابات إلى شرق أوروبا، وهو أمر سيكون مهما تنفيذه بسرعة إذا ما بادرت روسيا بالهجوم. وفي الأخير، يعتقد محللون أنه يصعب على إدارة بايدن تلبية طلب ليتوانيا، لا سيما أن الرئيس يُعيد توجيه اهتمام بلاده نحو الصين ومنطقة الهندي-الهادئ.

الوجود الأميركي في ليتوانيا

قال المقدِّم “بول غودسون”، قائد الكتيبة الثالثة بالفوج 66 المدرع، وهو مُحاط بعشرات الدبابات من طراز “أبرامز” التي أخذت تتجوَّل في منطقة “بابرادِه” للتدريب العسكري، في تصريح لمجلة “ديفِنس وان” إن جنوده يُقدِّرون المنشآت في معسكر “هِركوش”، التي تُظهِر أن الليتوانيين “استثمروا فعلا” في الإبقاء على القوات الأميركية في بلادهم، بيد أنه قال إن العمليات والتدريبات التي تُجريها القوات الدائمة ستكون مُشابهة لما يفعله جنوده الآن. أما جون دِنِي، الأستاذ في الكلية الحربية للجيش الأميركي، فقال إن صورة الوجود الدائم مهمة في أنظار الجميع، ثم أردف: “مع الافتقار إلى التمركز الدائم بصورة كاملة، ستكون لدينا مشكلات في طمأنة الحلفاء بالتزامنا وصمودنا، وستكون لدينا مشكلات في ردع الروس”.

بدأ الانتشار الدوري للبنتاغون في ليتوانيا قبل عامين بتعداد 500 جندي، و30 دبابة من طراز “أبرامز”، و25 مركبة قتالية مدرعة من طراز “برادلي”. وفي صيف العام الجاري، وصلت قوات “غودسون” إلى المنطقة لتتمركز لمدة تسعة أشهر في “بابرادِه”، وهي بلدة تقع في شرق ليتوانيا على بُعد أقل من 16 كيلومترا تقريبا من الحدود مع بيلاروسيا، وعلى مسافة أقرب من منشأة التدريب العسكري الرئيسية في ليتوانيا. كما قرَّر الناتو وضع فرقة قتالية بحجم كتيبة في “روكلا” بليتوانيا منذ عام 2017 بقيادة ألمانيا.

من جانبها، اتخذت ليتوانيا مؤخرا خطوات مالية ودبلوماسية كي تبدو شريكا جاذبا للولايات المتحدة، ومنها التصدي للصين بحزم. ففي إبريل/نيسان، عقد سياسيون ليتوانيون جلسة استماع بشأن انتهاك الصين لحقوق الإنسان في منطقة “شينجيانغ”، وصوَّتوا في مايو/أيار على إصدار إدانة رسمية للإبادة العِرقية التي ترتكبها في حق الإيغور. وفي أغسطس/آب، أغضبت فيلنيوس بكين بسماحها لتايوان بفتح مكتب تمثيل دبلوماسي باسمها، ومن ثمَّ استدعت الصين سفيرها في ليتوانيا مُهدِّدة بـ”عواقب محتملة” إذا بقي المكتب مفتوحا. هذا واعترفت ليتوانيا بالحركة المعارضة المؤيدة للديمقراطية في جارتها بيلاروسيا.

التقطت إدارة بايدن تلك الإشارات من فيلنيوس، وتحدَّث سوليفان هاتفيا مع شيمونيتِه، رئيسة الوزراء، الشهر الماضي مُعرِبا لها عن “الدعم الأميركي القوي لليتوانيا في مواجهة محاولات الضغط الصينية”، مؤكِّدا “تقدير الولايات المتحدة العميق للسياسة الخارجية للبلاد القائمة على دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان”، وذلك بحسب نص المكالمة الذي نشره البيت الأبيض. وفي الكونغرس، أعرب “دون بَيكون”، النائب الجمهوري، عن “فخره” بوقوف ليتوانيا في وجه الصين قائلا: “تقف ليتوانيا الآن بمفردها نوعا ما، وإنني أرغب أن تنتبه الإدارة الأميركية لذلك وتوفِّر لها بعض الدعم”.

على الصعيد العسكري، رفعت ليتوانيا إنفاقها على الدفاع إلى أكثر من ثلاثة أضعاف منذ عام 2014 إبَّان ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في أوكرانيا، كما حقَّقت هدف الناتو بإنفاقها 2% على الأقل من إجمالي الناتج المحلي على الدفاع منذ عام 2018. وفي غضون السنوات الخمس المقبلة، تنوي ليتوانيا إنفاق أكثر من 500 مليون دولار على عتاد أميركي الصنع، يتضمَّن مركبات تكتيكية خفيفة، ومروحيات من طراز “بلاك هوك” من تصنيع شركة “سيكورسكي” الأميركية.

قد تمنح الصالة الرياضية الجديدة بمعسكر “هِركوش” للجنود الأميركيين فرصة قضاء وقت ممتع، بيد أن الأمر سيحتاج إلى استثمارات أكبر في منشآت التدريب العسكري للقوات الأميركية كي تكون جاهزة للقتال فعليا. وكما قال “بِن هودجز”، القائد السابق لجيش الولايات المتحدة في أوروبا: “أعداؤنا لا يخافون لاعبي كرة السلة، المسألة ليست مسألة ثكنات ووجود جنود فيها فحسب”.

الغرب يُفضِّل الوجود الدوري

في المقابل، فإن أي قرار لإدارة بايدن بشأن نشر القوات الأميركية يجب أن يضع في الاعتبار التكلفة على دافعي الضرائب في الولايات المتحدة، وفي هذا الصدد يقول غودسون، قائد الكتيبة الأميركية في ليتوانيا، إن الوجود الدوري أغلى قليلا، لكنه يوفِّر مزايا خاصة، فحينما ينتقل الجنود إلى شرق أوروبا، سيُرغَمون على القيام بأعمال لوجستية مثل نقل المعدات عبر الموانئ، والتبديل بين خطوط القطارات ذات قياسات العرض المختلفة بين غرب أوروبا وشرقها، ثم أضاف: “بوسعنا أن نستنتج في الواقع أننا سنخسر بعض المرونة” إذا ما جعلت الولايات المتحدة وجودها في ليتوانيا دائما.

كذلك، ربما يتعارض الوجود العسكري الدائم في ليتوانيا مع القانون التأسيسي للعلاقات بين حلف الناتو وروسيا الذي وُقِّع عام 1997. وبحسب الاتفاق فإنه “في البيئة الأمنية الحالية وبالمستقبل القريب” لن ينشر الناتو بصورة دائمة “قوات قتالية كبيرة” على طول الحدود مع روسيا. وفي المقابل، التزمت روسيا باحترام حدود بلدان شرق أوروبا. هذا وفتحت اللغة المستخدمة الباب لتأويلات عدة، إذ يبدو جليا لبعض الخبراء أن البيئة الأمنية حاليا تختلف عما كانت عليه وقت توقيع الاتفاق قبل ربع قرن مضى. ويقول هودجز: “حينما غزت روسيا أوكرانيا، فإنها ألغت الاتفاق برُمَّته”.

على الرغم من ذلك، تعتقد بعض الدول الأعضاء في الناتو، لا سيما ألمانيا، أن على الحلف “التمسك بالأفضلية الأخلاقية”، والالتزام بروح الاتفاق. فيما قال هودجز إن فرنسا وهولندا ستعتبران أيضا الوجود الدائم “خطوة استفزازية كبيرة”، وقد يتعيَّن على إدارة بايدن حينها “بذل جهد دبلوماسي شاق” للحصول على دعم الحلفاء.

يُرجِّح “بيتر شيمانسكي”، زميل باحث في برنامج الأمن الإقليمي بمركز الدراسات الشرقية في بولندا، أن روسيا قد ترى تعزيز الوجود العسكري خطوةً تصعيدية، بيد أن موسكو تعتبر فعلا الانتشار الدوري دليلا على عدائية الناتو، فيما يجادل المسؤولون في ليتوانيا بأن التمركز العسكري الدائم في المنطقة من شأنه تهدئة التوترات مع روسيا، لأنه سيُعزِّز الردع المتبادل، ولأنه بإمكان أميركا تقديم الحماية على عكس أي حليف آخر.

————————————————————————————

هذا التقرير مترجم عن Defense One ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر: الجزيرة. نت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى