حوار مع الدكتور برهان غليون

هديل عويس

النص الأصلي للمقابلة التي أجرتها هديل عويس مع   الدكتور برهان غليون وأعاد محرر نورث برس صياغتها باختصار ثم أعاد نشرها الدكتور غليون في موقعه كما يلي:

أين يقف برهان غليون، الآن وبعد مضي تسع سنوات على انطلاق الثورة السورية؟

ج: في المكان ذاته الذي كان يقف فيه قبل انطلاق الثورة، أي مع الشعب السوري ضد أعدائه ومضطهديه من كل الأطياف ومع الحرية في كل المواقع المحلية والأجنبية. وهذا الموقف لن يتغير سواء بقيت جثة النظام السابق وحطامه فوق صدر المجتمع السوري لوقت أطول او ساعدت الظروف على رفع انقاضه، حتى يتنفس الشعب هواء الحرية والعدالة التي حرم منها من دون رحمة وباستقالة المجتمع الدولي الأخلاقية.

  في آذار/مارس العام الفائت قلت في تصريح أثناء إطلاق كتابك “عطب الذات. وقائع ثورة لم تكتمل”، إن المعارضة السورية ماتت سياسياً، كيف تنظر إلى المعارضة السياسية الآن؟

ج: المعارضة التقليدية، من أحزاب ومنظمات وتجمعات فشلت في اللحاق بالثورة والتفاعل معها وشكلت بالعكس عائقا امام تنظيمها وتقدمها بدل أن تشكل القيادة التاريخية لها، ماتت بالتأكيد. ولا أحد يرى اليوم أي وجه من وجوهها فما بالك بانجازاتها. لكن معارضة الشعب السوري بمختلف فئاته وتياراته لنظام العبودية والقهر توسعت واشتدت لتشمل الشعب كله، حتى لو ان معظم قطاعات الرأي العام السوري تلوذ اليوم بالصمت، أو لا تملك الفرصة للتعبير عن نفسها بسبب الظروف القاسية التي فرضها عليها الدمار الشامل واختطاف القرار من قبل الدول الاجنبية وانعدام القيادة الوطنية الملهمة. إنما هذه فترة ضياع استثنائية نجمت عن قوة الصدمة، وهول الكارثة الانسانية والوطنية، والفراغ الذي خلفه موت المعارضة القديمة كما ذكرت. ولن يتأخر الوقت كثيرا قبل أن تظهر بوادر معارضة شابة جديدة أكثر نضجا وكفاحية.

  هل أخطأت المعارضة السورية في احتواء قضايا الأقليات في سورية عموماً و المسألة الكردية على وجه الخصوص؟

 ج: أنا ضد استخدام مصطلحات أقليات وأكثريات لأنها توحي كما لو كانت الأقليات “ضيوفا” في البلاد ينبغي على الأكثرية مراعاتهم والعناية بهم و”شوفة خاطرهم”. وهي مصطلحات دخيلة على ثقاتنا التاريخية التي لم تعرف التمييز على أساس الكثرة والقلة. وكانت تطلق كلمة ملة على جميع الجماعات الدينية، الصغيرة والكبيرة، وكلمة قوم على جميع الشعوب والاتنيات، وجميعها تساوي بعضها البعض، بصرف النظر عن العدد والموقع السياسي، ولم يعرب الملوك الأوائل سوى الدواوين الادارية، أي فضاء الدولة، وتركوا للجماعات الدينية والقومية حرية ممارسة ثقافتها ولغاتها بحرية.

وهذه الملل والأقوام هي جزء من النسيج التاريخي لمجتمعات المنطقة جميعا. وأبناؤها عناصر أساسية مكونة لهذه المجتمعات، ومنها سورية، ومصدر ثرائها وغناها الثقافي والانساني، كما كنت قد كتبت في “المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات”، منذ أربعين عاما، وليست عبئا او مشكلة أو خطأ أصابها. وقد كان الكرد والتركمان والأشوريون والسريان وغيرهم من الممل والأقوام المتأصلة في منطقتنا شركاء في بناء الدولة السورية الحديثة منذ نشاتها في العشرينيات، وفاعلون في تقرير سياساتها أيضا. وربما لا يقل عدد القادة السياسيين والعسكريين الذين تقلدوا مناصب عليا في الدولة السورية منذ نشوئها، في الجيش والحكومات المتعاقبة، من الأصول الكردية، عن عدد القادة من أرومة الأكثرية العربية أو السنية،  فما بالك من “الأقليات” عموما. ويؤكد المؤرخ الكردي عزالدين مصطفى رسول، في مقال نشره في صحيفة (كوردستان نوي)، إن “عائلة الرئيس السوري بشار الأسد ترجع أصولها بالتحديد إلى قضاء خانقين ضمن محافظة ديالى عند الحدود مع إيران” ومن الكرد الكاكائية (https://www.youtube.com/watch?v=5AboaTohwP). عدا عن أن رئيس وزرائه من 21 كانون الأول 1972 إلى 7 آب 1976، محمود الأيوبي، كان ايضا من كرد دمشق. بالمقابل سكان الجزيرة السورية كانوا جميعا، كردا وعربا وأشوريين وسريان وأرمن، مهملين ومهمشين، لأن سورية لم تحظ، منذ نصف قرن بشكل خاص، بحكم وطني يضع في مقدمة اهتمامه مصالح الشعب وتحسين شروط معيشته وإنما كان هم حكوماتها ونظامها السياسي، الأول والأخير، بصرف النظر عن أصولهم القومية، إخضاع شعبها، أقلياته وأكثرياته، وقمعه، وتحريض بعضه على بعض، وتغذية مشاعر الكراهية بين قومياته وطوائفه، من أجل تسهيل نهبه وسلبه وحرمانه من حقوقه وحرياتها الأساسية، وتحويل سورية إلى مملكة أو بالأحرى مزرعة عائلية. وكان الزعيم الكردي المعروف عبد الله اوجلان صديقا شخصيا للأسد الذي تخلى عنه تحت ضغط التهديد التركي باجتياح سورية إذا لم يوقف دعمه للحركة المسلحة الكردية، وإجبار دمشق على توقيع اتفاقية أضنة التي لا تزال أنقرة تستخدمها الى اليوم لشرعنة تدخلها في الأراضي السورية.

لقد كان الكرد شركاء في بناء سورية الحديثة مع العرب وغيرهم من الأقوام، مثلما كانوا جميعا ضحية السياسات الديكتاتورية والفاشية التي سادت فيها. ومسؤوليتهم في الدفاع عنها وإعادتها إلى طريق الحياة الدستورية والديمقراطية لا تختلف عن مسؤولية العرب والتركمان وغيرهم، تماما كما أن مصلحتهم في التواصل مع شركائهم في الوطنية ومد جسور التفاهم والتعاون والحوار معهم لا تقل عن مسؤولية هؤلاء في واجب الحوار والتواصل معهم. وهي بلدهم ولا أحد يطلب إجازة وترخيصا من أجل دفاعه عن وطنه وحماية حقوقه أو يربط دفاعه عنه بموقف الآخرين وتضحياتهم في سبيله. فبمقدار ما نضحي من أجلها يكون رصيدنا وموقعنا وأثرنا فيها. ولن ينسى السوريون جميعا دور الشباب الكرد ومشاركتهم في القتال البطولي في معركة القضاء على داعش واجتثاث جذور الارهاب من شرق سورية في السنوات الماضية.

لا ينبغي أن نجعل من وجود أكثرية قومية أو دينية في سورية عقدة نفسية او سياسية كما يفعل الأسد لإثارة النزاعات الداخلية ووضع الأقليات في مواجهة الاكثرية والعكس، حتى يستطيع ان يغطي على الاغتصاب الدائم للسلطة ويستخدم الدولة اداة لقمع الشعب بكل أطيافه، أقليات وأكثريات. فلا توجد دولة ولا يمكن ان تستقر من دون وجود أكثرية، إنما المهم أن لا يترتب على هذه الأكثرية العددية امتيازات سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، تسيء إلى المواطنة المتساوية، وأن تحترم الجماعة الأكثرية هوية وحقوق الجماعات الأخرى الأقل عددا ولا تنتقص من هويتها وحقوقها. مع العلم أيضا بأن الأكثرية ظاهرة تاريخية وليست واقعا ابديا، أي أنها منذورة للتغير، ولو عبر حقب طويلة من التاريخ، كما يبين ذلك بشكل واضح تعاقب الحضارات على هذه المنطقة المفتوحة على كل التاثيرات الخارجية، ومعها تبدل اللغات والثقافات والأديان أيضا. وبالمثل لا ينبغي ان تعتقد الجماعات الأقل عددا أن مصلحتها او حقوقها او احترامها لذاتها وهويتها يستدعي الانتقاص من حقوق الأكثرية والانتقاص من مصالحها والتشهير بهويتها وثقافتها وتقاليدها. ولم يجلب مشروع تحطيم الاكثرية الذي سعى نظام الأسد العائلي إلى تطبيقه سوى الخراب على الدولة والمجتمع والعمران.

 بالعكس لا يمكن الوصول إلى حياة ديمقراطية وأخلاقية سليمة وصحية إلا بالسعي ما أمكن إلى تحقيق الانسجام بين الاكثرية والأقليات القومية والدينية، ولا توجد طريقة لتحقيق ذلك اليوم سوى المساواة التامة بين أفرادها أمام القانون، بما في ذلك احترام هويتهم الثقافية وحقهم في التعبير عنها، وهذه هي المساواة في الحرية. وهذا الاعتراف والاحترام المتبادل للهويات الثقافية لا يلغي الصراع السياسي والاجتماعي والفكري أيضا بين فئات وطبقات والنخب التي تتباين مصالحها وتوجهاتها وخياراتها، في إدارة الدولة وتسييرها.

بل لو تاملنا بنية المجتمعات لوجدناها مكونة من خليط من الجماعات والهجرات والتحولات التاريخية، وفيما وراء ذلك، تكاد تكون مكونة جميعها من أقليات إما قومية او دينية أو طبقية أو جهوية أو مهنية أو عقائدية، تعكس الاختلافات المتعددة في نمط الحياة والمصالح والتطلعات، وتتقاطع فيما بينها على مستويات متعددة. ولا تستقر الحياة الاجتماعية ويعم الامن والسلام والازدهار لدى المجتمعات إلا عندما تتوصل إلى نمط من الوعي والسلوك الذي يضمن التوازن بين مصالح الجميع ويساعد على إصلاح الاختلالات التي لا بد أن تحصل في مجتمعات هي هيئات حية ومتحولة باستمرار.

سورية للكرد كما هي للعرب، وواجب الكرد ان يدافعوا عن حريتها واستقلالها وحقوق جميع السوريين القاطنين فيها تماما كما أن من واجب جميع السوريين الآخرين الدفاع عن حقوق الكرد السوريين والقوميات والأديان الأخرى. من دون ذلك لا توجد دولة ولا وطن ولا وطنية. وانتقادي للاحزاب الكردية هو انها بدت بعد الثورة كما لو انها تريد مقابلا لانتمائها لوطنها والمشاركة في معركة تحريره من الطغيان والاحتلال. وهذا ما أضر كثيرا بعلاقاتها مع أطراف المعارضة الأخرى، كما أضر بالعلاقات الكردية العربية في سورية. لكن هذا لم ولا ينبغي ان يغير من واجب السوريين جميعا في ضمان الحقوق الفردية والجماعية للكرد، ولجميع القوميات الأخرى، بصرف النظر عن حجم هذه القوميات وعددها، كجزء لا يتجزأ من شروط بناء سورية الديمقراطية الجديدة، وإنهاء فذلكة الأقلية والاكثرية إلى الأبد في خطابنا السياسي. في الوطن الحر الذي يتساوى فيه الجميع امام القانون ولا تحكمه الإرادات الشخصية والعصبيات القبلية والطائفية والاتنية، لا توجد أقلية وأكثرية وإنما مواطنة واحدة ومتساوية. وآمل أن يكون سوء التفاهم الذي شهدناه في السنوات القليلة الماضية المصبوغة بالدم قد بدأ ينجلي، وأن تتم مناقشة الحقوق الجماعية للتنويعات القومية والثقافية والدينية في المستقبل بحرية وإريحية حتى نخرج منها ونعد أنفسنا لمرحلة البناء التي لا ينبغي أن تتأخر كثيرا أمام تفاقم أزمة النظام المهترئ وحلفائه المتورطين من رأسهم إلى أخمص قدميهم في الحرب السورية.

وفي النهاية، قبل أن نكون عربا او كردا أو تركا أو صينين، أو غير ذلك، ينبغي ان لا ننسى أننا بشر، وهذه هويتنا الأساسية والجوهرية الحقيقية. وإنسانيتنا هي أكثر ما يساوي بيننا، فيما وراء الجنس والمذهب والعقيدة، وهي تشكل ضمانتنا الرئيسية في هذه الطبيعة الكونية المليئة بالأنواع والإشكالات والمخاطر. وبمقدار ما نعي هذه الحقيقية البسيطة ونستثمر فيها نكتشف قرابتنا الوجودية ونتقدم في بناء المجتمعات التي توفر للفرد السعادة والحرية والاحترام للذات والنفس البشرية. دعونا إذن نحافظ عليها ولا نفقدها.

–  كيف تقرأ مستقبل الثورة وسوريا عموماً في ظل ما يصفه البعض بارتهان معظم الأطراف السورية السياسية لدول اخرى؟

ج: ليس لهذا الارتهان أي أساس موضوعي وثابت ولكنه حصل نتيجة الضياع الذي قادت إليه سياسات النظام الوحشية، وتخبط المجتمع الدولي أمامها وترك الامور تسير نحو الكارثة، خدمة لأغراض استراتيجية لعدد لا يستهان به من الدول الاقليمية والعالمية. وسوف تزول أوهام الاستناد إلى الدول الاجنبية لخلق وقائع جديدة على الأرض، بسرعة، بعد ان تظهر بوادر الانتقال السياسي، واطمئنان الجميع في سورية ديمقراطية مدنية وتعددية إلى مساواتهم وضمان حقوقهم، وإدراكهم بأنه لا يوجد حل سياسي ممكن في سورية من خارج وحدة الأراضي والدولة السوريتين. وأن جميع الحلول الأخرى لن تكون سوى خيار تمديد القتال والحرب، بوسائل مختلفة، نظامية أو غير نظامية.

– لو عاد الزمن إلى الوراء ثمان سنوات، أين سيكون برهان غليون؟

ج: تماما في الموقع الذي كان فيه قبل ثمان سنوات. لم يتغير من خياراتي أي شيء. كنت ولا أزال مع التحرر من الاستبداد سواء جاء ذلك بثورة أو بنصف ثورة أو بانقلاب، ومهما كان الثمن، ومع الانتقال لنظام ديمقراطي وحكومة تمثل الشعب فعلا، ومع وحدة قوى التغيير الديمقراطي، فيما وراء حدود الطوائف والقوميات، ومع سورية ديمقراطية تعددية مستقلة وحرة، يحقق فيها جميع السوريين، افرادا وجماعات، ذاتهم، وتكون على مستوى طموحاتهم وآمالهم وتطلعاتهم، وطنا حرا لشعب حر بلون قوس قزح.

المصدر: نورث برس

اترك تعليقاً
0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى