حركة المقاطعة – BDS: نقاط ارتكاز يطرحها مثقّفون (نصّار وعزم والأسدي والحواش وغانم)

أوس يعقوب

في كتابه «حركة مقاطعة إسرائيل: BDS بحث في الطرق والقيم والتأثير»، الصادر عن مؤسّسة الدراسات الفلسطينية، بيروت 2020، يناقش الباحث الأكاديمي عمرو سعد الدين، نشاط حركة المقاطعة في فلسطين ومجتمعات عربية وأوروبية وفي الولايات المتحدة، محدداً انطلاق إشكالية دراسته “من ملاحظة أولية تتمثل في إضفاء حركة مقاطعة إسرائيل وفرض العقوبات عليها وسحب الاستثمارات منها أولوية على الطرق عبر دول الشمال العالمي كالولايات المتحدة، في حين أنّ السياقات الفلسطينية والعربية تعدّ أساسية وتشهد تطبيعاً رسمياً مطرداً”. للوقوف على أهمية حركة المقاطعة (المعروفة عالمياً بـ BDS)، توجهت “رمان” لعدد من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين لسؤالهم عن علاقة حركة المقاطعة بقيم الحرية والديمقراطية والعدالة، وبالنضالات الفلسطينية والعربية والعالمية المتنوعة، فضلاً عن علاقة الحركة بإسرائيليين مناهضين للصهيونية، ومن هي الفئات السياسية والاجتماعية التي تشكّل هذه الحركة. كما سألناهم عن مدى انتشار حركة المقاطعة في فلسطين بجغرافيتها التي مزّقها الاحتلال؟ وما الذي حققته برأيهم حتى الآن على الصعيد العالمي؟ وإلى أي مدى تحظى الحركة اليوم بدعم من المجتمع المدني عالمياً؟ وهل تستطيع حركة المقاطعة تجفيف منابع الدعم الغربي غير المشروط لدولة الاحتلال؟ فكان هذا التحقيق..

الحواش: تراجعت المقاطعة بعد توقيع اتفاقية أوسلو

بداية حديثنا كانت مع الناشط السياسي والأكاديمي البروفيسور كامل إسحق الحواش (رئيس حملة التضامن مع فلسطين في بريطانيا)، الذي أوضح في مستهل حديثه أنه منذ نشأة حركات التضامن مع فلسطين والمتضامنون في جميع أنحاء العالم يعملون على الضغط على حكوماتهم حتى تغيّر سياساتها المجحفة تجاه الفلسطينيين والداعمة لإسرائيل من خلال المظاهرات وتوجيه المراسلات لممثليهم في البرلمانات والتعريف بالقضية الفلسطينية. مبيّناً أنه تركز وما زال يتركز التأييد للفلسطينيين في الشرائح اليسارية التي تتبنى قيم العدالة والحرية وحقوق الإنسان وبالذات ممن وقفوا ضد سياسة الأبارتهايد في جنوب أفريقيا وتبنوا المقاطعة كأداة للضغط على حكومات الفصل العنصري حتى سقط ذلك النظام وأتى نلسون مانديلا للحكم. وبحث هؤلاء عن طريقة مشابهة لدعم حقوق الفلسطينيين حتى أُطلقت حركة BDS في عام ٢٠٠٥ ونمت بطريقة منظمة وواجهت الضغوطات الإسرائيلية وما زالت تواجهها

يضيف البروفيسور الحواش، ما زاد من فعالية المقاطعة كان التركيز على أهداف محددة مثل شركة “فيوليا” الفرنسية و”جي فور اس” التين اضطرتا لإنهاء عملهم في إسرائيل. فكان التركيز على أهداف معينة مفيداً بتجميع الجهد عالمياً بدل بعثرته وإضعافه بقرارات فردية للمقاطعة لا تحدث تأثيراً. كما كانت هناك نجاحات لمطلب سحب الاستثمارات من شركات ضالعة في المستوطنات الإسرائيلية الغير شرعية. وكان أحدثها “صندوق معاشات التقاعد في النرويج” (KLP) الذي سحب استثماراته من ١٦ شركة إسرائيلية ومن خارج إسرائيل ضالعة في تمويل أو العمل في المستوطنات. ويتابع حديثه معنا قائلاً: من المهم ذكره تزايد عدد اليهود في أمريكا وأوروبا الذين يدعمون الـ BDS لعدم دعمهم للصهيونية ومن أهمهم “مؤسّسة الصوت اليهودي للسلام” في أمريكا التي تؤيد الحركة. كما يؤيدها عدد متزايد من الأفراد اليهود وبالذات من الشباب في أمريكا الذين يدافعون بقوة عن حقوق الفلسطينيين ويتبنون المقاطعة كأداة سلمية للضغط. ولكن ما لم تحقق الحركة نجاحاً به هو إلقاء عقوبات من حكومات بشركات ضالعة بالاستيطان أو إسرائيل كدولة تخرق القانون الدولي وتستمر بتوسيع الاستيطان. ومع ما قد ينظر له بنجاحات قليلة إلا أنّ إسرائيل أنشأت وزارة خاصة لمناهضة حركة BDS، وعملت على تجريم من يدعمها في الغرب وبالذات في أمريكا. وذلك لأنّ أكثر ما تخشاه إسرائيل ليس الخسارة الاقتصادية بل ما تسميه بنزع الشرعية عنها. وتوجهت إسرائيل أيضاً لوسم الـ BDS بحملة معادية للسامية وبذلك كل من يدعمها.

أما بالنسبة للدول العربية فقد تراجعت المقاطعة بالذات بعد توقيع اتفاقية أوسلو، وحصل تحوّل جديد من خلال اتفاقيات التطبيع وبالذات بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، حيث تم دعوة مجموعات مستوطنين لزيارة الإمارات وتوقيع اتفاقيات كان من ضمنها استيراد نبيذ من مستوطنة في الجولان السوري المحتل. ولكن ما زالت هناك مقاطعة شخصية من الشعوب العربية لبضائع إسرائيلية وليس فقط من المستوطنات.

أما في فلسطين فإن السلطة الفلسطينية -بحسب البروفيسور الحواش- تدعم مقاطعة بضائع المستوطنات ولكنها لا تقوم بمنع تواجدها في المحلات بقوة، وما زالت فئات من الشعب تستهلك بضائع إسرائيلية وتبرر ذلك بعدم وجود بديل.

لا زالت الحركة تنمو وتحقق نجاحات ولكن ليس بالقدر المطلوب الذي قد يقلق إسرائيل بطريقة أكبر. وهي تضغط على الدول الصديقة وحلفائها لثني مؤيدي الحركة بسن قوانين جديدة كما تحاول بريطانيا وأمريكا. وتستعمل التعريف الجديد لمعادات السامية الـ IHRA الذي يقحم انتقاد إسرائيل أو استثنائها بالعقوبات ضمن الأمثلة المرفقة.

كتلخيص للوضع يقول الأكاديمي الفلسطيني (رئيس حملة التضامن مع فلسطين في بريطانيا): إنّ حركة المقاطعة تلقى دعماً من الشعوب ولكن تناهضها إسرائيل والدول الداعمة لها، وهي تقلق إسرائيل بدليل تخصيص وزارة وميزانية لمواجهة هذه الحركة السلمية والأخلاقية التي تعمل على الضغط على إسرائيل لإنهاء الاحتلال والمساواة بين كل مواطنيها وحماية حق العودة للاجئين الفلسطينيين.

نصّار: المقاطعة النضالية وضرورة التوعية والتعبئة الجماهيرية

من جهته رأى الأكاديمي والمؤرخ عصام نصار (أستاذ تاريخ الشرق الأوسط المعاصر، وزميل بحثي بمؤسّسة الدراسات الفلسطينية): أنّ مبدأ مقاطعة دولة تنتهك القانون الدولي وتحتل أراضي الغير مخالفة قرارات الأمم المتحدة، وبخاصة مجلس الأمن، يعتبر أمر شرعي ومقبول عالمياً على مستوى الدول والأفراد. فهناك نماذج في التاريخ الحديث والراهن لعب الأفراد والمؤسّسات والحكومات دوراً هاماً ساهم بدرجات مختلفة في إجبار الدول المستهدفة على تغيير نهجها السياسي كنموذج جنوب أفريقيا، وعلى مستوى الحكومات عدد من النماذج الشرق أوسطية. الإشكالية الرئيسة في حالة فلسطين ليست شرعية المقاطعة، بقدر ما هي أنّ إسرائيل تحظى بدعم دولي وبخاصة أمريكي وأوروبي على مستوى الحكومات ونسبة هامة من الشعوب أيضاً، مما يجعل مقاطعتها أصعب من الحالات الأخرى وبخاصة أنّ داعمي إسرائيل يستخدمون حجة المعاداة للسامية لمكافحة حراك المقاطعة. لكنه لفت إلى أنه من الواضح أنّ الحراك قد تمكّن من إحداث اختراقات عدة في مؤسّسات المجتمع المدني والشعوب في العالم الغربي وهذه مؤشر مهم على أهمية المقاطعة.

أما فلسطينياً -بحسب نصار- فإن اقتصاد فلسطين بكافة مناطقها، يرتبط عضوياً بإسرائيل مما يصعب الانفكاك عنها، وبخاصة في ظل غياب منتوج محلي بديل، وعلى مستوى الاستيراد من الخارج فقد لعبت “اتفاقية باريس الاقتصادية” دوراً سلبياً كبيراً في توطيد التبعية الاقتصادية، وخلفت شريحة فلسطينية منتفعة من التبعية هذه. هذه تشكّل تحدّيات كبيرة حيث تركز المقاطعة بالداخل على المنتوج الإسرائيلي وتتغاضى عن الوكلاء المحليين. مبيّناً أنّ ضعف القدرة فلسطينياً على فرض مقاطعة شاملة – اقتصادية أدى برأيي إلى التركيز على المقاطعة الثقافية، وهي ضرورية، لكنها أصبحت في سياقات محددة نوع من سلاح تهديد يستخدم في غير محله، كمقاطعة إسرائيليين داعمين للقضية أو حتى معادين للصهيونية، مع التركيز على تشويه سمعة المتعاونين معهم، سواء أكان بحثياً أو فنياً.

وشدد محدثنا أنه مع مقاطعة التعاون الثقافي مع المؤسّسات الإسرائيلية بما فيها الجامعات التي تشكّل داعم لنظام الفصل العنصري والاحتلال الإسرائيلي، لكنه حذر من أنّ الخطاب الشعبي يفشل أحياناً في التفريق ما بين التعاون على المستوى الفردي مع معادين للاحتلال والصهيونية والتعاون المؤسّساتي مع الاحتلال، ليس فقط على المستوى الثقافي والعلمي، بل أيضاً على المستوى الأمني – كما هو الحال مع أجهزة الأمن الفلسطينية. وعليه فأنا أعتقد أنّ المقاطعة يجب أن تشمل ليس فقط المقاطعة الفعلية بل أيضاً التوعية والتعبئة الجماهيرية حتى يتم التمييز ما بين المقاطعة النضالية والاصطياد في المياه العكرة، كاستهداف كتاب أو فنان أو باحث لمجرد أنّ المنتج قد أشار لعلاقات مع إسرائيليين حتى لو كانت فقط في سياق السرد الأدبي أو غيره.

عزم: تزامن انتشار BDS مع تراجع دور الفصائل الفلسطينية

بدوره رأى الكاتب والأكاديمي أحمد جميل عزم (أستاذ مساعد في العلاقات الدولية في جامعة بيرزيت، وعضو مجلس إدارة مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية): أنه يمكن اعتبار حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات BDS، واحدة من أنجح آليات العمل الخاصة في القضية الفلسطينية في الخمسة عشر عاماً الفائتة، وذلك من زوايا عدة، إلا أنّ هذا لا يعني أنّ الحركة حققت النجاحات الكافية، وتفاوت نجاحها من مكان لآخر. لافتاً إلى أنه على صعيد النجاحات، لا يوجد أطر عمل انتشرت جغرافياً على نطاق عالمي في العقدين الأخيرين وتتعلق بالقضية الفلسطينية، كما فعلت BDS، وحدث هذا بالتزامن مع تراجع دور الفصائل الفلسطينية، وتراجع دور الاتحادات الشعبية الفلسطينية التي كانت تنتشر عالمياً مثل “الاتحاد العام لطلبة فلسطين”، وبالتالي سدت حملة المقاطعة فراغاً مهماً، وقدمت أداة عمل مهمة. لا شك أنه غير مطلوب وغير متوقع من حملة المقاطعة أن يكون لديها برنامج سياسي متكامل، وإلا تحوّلت إلى حركة سياسية وفصيل جديد. فهي أداة أو آلية عمل محددة الأهداف والمعالم، وليست كيان سياسي بالمعنى التقليدي. لكنها عانت كثيراً من غياب الأدوات المساندة من اتحادات وجماعات طلابية وفصائلية وشعبية. ولم تصل لعلاقة تحالف أو تفاهم مع هذه الأطر، ولا تلام BDS على ذلك، بل تلام الفصائل والأطر السياسية.

بيّن عزم في سياق حديثه معنا، أنّ تركيبة BDS تتضمن تطوراً غير معهود في العمل الفلسطيني، فرغم أنّ تأسيسها جاء من أطر فلسطينية إلا أنّ أعضاؤها ونشاطها يشمل الفلسطينيين والمتضامنين معهم من كل بقاع الأرض. لكن على أرض الواقع لا يوجد مجموعات عمل شعبية في فلسطين تعمل باعتبار الحملة محور عملها. لم تتحوّل الحملة إلى إطار شعبي (grassroots). يتابع محدثنا القول: من هنا يتضح أنّ الحملة حققت نجاحات على نطاقين، الأول في سياقات المقاطعة الأكاديمية، ومنع الفعاليات الكبرى لحفلات ومهرجانات ذات طابع تطبيعي مع دولة الاحتلال. وربما يكون نجاحها في المقاطعة الأكاديمية والثقافية والفنية أكبر من المقاطعة الاقتصادية. ثانياً، اعتماد الحركة أسلوب الدعوة لوقف صفقات وشراكات تجارية ضخمة، كملاحقة شركة ما حتى لا تعمل في المستوطنات الإسرائيلية، أو منع هذه الشركات من الحصول على صفقات في دول عربية. هذه النجاحات مهمة ويمكن أن تلمس أثرها في الجامعات العالمية الكبرى، مثل “هارفارد” و”نيويورك” وغيرها. لكن هذه النجاحات تنسجم مع حقيقة أنّ الحملة تأخذ شكل مجموعات من النشطاء النخبويين أو فئات من المسيسين والمثقفين، ولم تتحوّل لحالة شعبية -على سبيل المثال- تستطيع الحملة بتركيبتها الحالية انتقاد الحكومات وملاحقة نشاطاتها التطبيعية، أو متابعة الشركات الكبرى، وقد تنجح في حشد محتجين على هذه السياسات والنشاطات الحكومية، وهذا مهم للغاية، لكنها لم تصل مثلاً لمستوى يمكّنها من شن حملة فاعلة لمقاطعة البضائع الإسرائيلية في الأسواق الفلسطينية، مع أنّ نجاحات تتحقق في هذا الجانب، يساعد في ذلك نشاطات جمعيات ومجموعات مختلفة. والأهم لا يمكن مثلاً فتح ملف نحو مائتي ألف عامل يعملون في سوق العمل الإسرائيلي والمستوطنات.

وفي ختام حديثه يشير أحمد جميل عزم إلى أنّ حركة BDS قصة نجاح نضالية، ظلمها عدم وجود الإسناد الكافي من الفصائل والاتحادات المهنية والشعبية، وحتى إسناد منظمة التحرير الفلسطينية هو أقل من المطلوب! رغم أنها واجهت هجمة شرسة من اللوبي الإسرائيلي، بغرض تجريمها قانونياً في العديد من دول العالم، بخاصة أنّ الحملة تركز عملها في دول الغرب، وبعض الدول العربية خصوصاً دول الطوق والمغرب العربي، لكن ليس في دول الخليج العربية، وجاء تصدي الحملة لمشروعات في الخليج عن بعد، ربما مع بعض الاستثناءات في دول فيها هامش من الحرية للشعوب للعمل. لا شك أنه يمكن التركيز في المرحلة المقبلة على مواجهة الهجمة القانونية على BDS في المحاكم الأميركية والأوروبية، ويعتبر التحالف مع التيار الجديد في “الحزب الديمقراطي الأمريكي” المؤيد للمقاطعة أحد الأمثلة على ما يمكن فعله. أخيراً؛ يبقى السؤال الأصعب، كيف يمكن التحوّل إلى حالة ولجان شعبية في كل قرية ومدينة ومدرسة وجامعة في فلسطين وفي خارجها، وخاصة في الدول العربية؟

الأسدي: ضرورة دعم BDS والاصطفاف ضد التطبيع

أما الكاتب والمترجم عبده الأسدي، فقال لنا: عملياً ما تعرّضت له فلسطين وما زالت، هو استعمار من نمط خاص، استعمار استيطاني إحلالي. ويجب أخذ هذا الأمر بعين الاعتبار عند مناقشة مسألة العلاقة بين مقاطعة هذا الكيان، وبين مسائل الحرية والعدالة والديمقراطية، وهذا أمر بالغ الأهمية والدلالة؛ بالغ الأهمية لأنه يجعل من البلد المحتل، أي فلسطين، بلداً له قضية، لها بعدها الدولي. بالتأكيد هي قضية شعب تعرّض ومازال لظلم تاريخي بشع، فهو الشعب الوحيد في العالم الذي لايزال تحت الاحتلال، ولم يحصل بعد على حقه في إقامة دولته، وعودة كل الفلسطينيين الذين طردوا إبان نكبة فلسطين في العام 1948 والأجيال اللاحقة. ويضيف: حين نناقش المسألة بين مقاطعة هذا الكيان، وبين كونه كياناً استعمارياً، فإنّ هذه القضية قد تبدو للبعض مسلّمة، أو أمر بديهي، لكنها هي ليست على ذات المستوى ونفس الطبقة بالنسبة لآخرين. إننا نراها علاقة جدلية، فالوقوف ضد الكيان الإسرائيلي باعتباره كياناً استعمارياً، يمارس سياسات أبارتهايد ضد غير اليهود من الفلسطينيين (سواء في الأراضي المحتلة منذ 48 أو 67 وفقاً لتقارير إسرائيلية ودولية)، يعني منطقياً الاصطفاف ضد التطبيع، وضد دعم المحتل وسياساته، والوقوف بالمقابل مع السياسات الشعبية والحركات الشبابية في كل بقاع الأرض التي ترفع من شعار مقاطعة إسرائيل وعلى كل المستويات شعاراً سياسياً وعملانياً.

الأسدي أكد أن الجوهر هو أننا لا يمكن أن نغيّر من مفهوم فلسطين، باعتبارها أرضاً قد تعرّضت لاستعمار عنصري، لكن الذي تغيّر في مفهوم البعض لماهيّة إسرائيل، هذا البعض، وأقصد هنا شقين أساسيين: الشق الفلسطيني (السلطة الفلسطينية تحديداً)، والشق العربي… موضحاً أنّ الشق الفلسطيني سوّغ علاقاته التطبيعية مع إسرائيل من باب المفاوضات، والتذرّع بالواقعية السياسية، وأنّ كل الخيارات صبّت في باب المفاوضات مع إسرائيل. وأخطرها التطبيع الأمني، والإلحاق الكولونيالي للاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي. بالمقابل نرى أنّ أبناء الشعب الفلسطيني، وعبر تدفقهم إلى الشوارع في فلسطين، كل فلسطين، وإعلانهم إضراباً عاماً، أعاد للواهمين المتوهمين أنّ فلسطين كقضية انتهت. هي قد تنتهي بحال واحدة لا ثاني لها، وهي: أن يحصل الفلسطينيون على حقوقهم كاملة، ولمّا كان ذلك غير قائم أو ممكن فقد تحركت مياه الشارع، وأعادت طرح سؤال الهوية المؤسّس على المستقبل الفلسطيني. إنّ ما حصل مؤخراً يعيد استحضار الرموز واللغة والشعارات والهتافات باعتبارها رموزاً وطنية تؤكد على رفض التطبيع مع كيان لا يرى وجوده إلا عبر نفي الفلسطينيين وتغييبهم. أما في الجانب العربي (تحديداً: الإمارات، والبحرين، والسودان، والمغرب) فما تم هو إسقاط صفة الاستعمار الاستيطاني الإجلائي الإحلالي عن إسرائيل، وتناسي نشأة الصراع وتجاهل قضية اللاجئين، فسقطت قضية التحرّر والبعد الأخلاقي للقضية الفلسطينية، في مصبّ النهج الذارئعي. وأصبح التطبيع مع إسرائيل ضمانة لتثبيت عروش ملوك وأنظمة عسكرية، عبر البوابة الأمريكية، تحت ذريعة أنّ المقاطعة لا جدوى منها، وأنّ إسرائيل حقيقة سياسية تاريخية.

نجزم هنا -يضيف الأسدي- بأنّ تفعيل مقاطعة إسرائيل يستدعي نهوضاً وطنياً ديمقراطياً في البلدان العربية، وفي المسألة الفلسطينية أيضاً، نهوض يدرك مغزى القضية، ويعي أنّ التحرّر لا ينفصل عن مفهوم الحرية، وبأنّ مقاطعة إسرائيل، باعتبارها كياناً استيطانياً احلالياً استعمارياً، هي مصلحة وطنية ببعد أخلاقي، وتحقيق للعدالة الإنسانية، وهي ردة فعل واعية ورادعة في وجه العنجهية الإسرائيلية.

وفي ختام حديثه يرى الأسدي، أنّ تعزيز المقاطعة هو تعزيز لمفهوم القضية الفلسطينية، وهو تأكيد على البعد الثقافي المعرفي في التصدي لمفهوم الرواية الإسرائيلية، وهو سلوك سياسي حضاري ضد همجية الاستعمار الاستيطاني، لكن كيف لنا أن نجعل من المقاطعة سلوكاً سياسياً اعتيادياً؟ لنطرق الأمكنة العامة في كل مكان، لنجعل من الأمكنة عناوين لاستحضار الرواية الفلسطينية، ولنجعل من الحكايات سرديات حقيقية راهنة، تمتلك قداسة القوة الوطنية والدينية، ليكن تفعيل مقاطعة إسرائيل عنواناً لاستعادة أخلاقية القضية الفلسطينية وعدالتها.

غانم: BDS تتلاءم مع طرق النضال السلمية والشرعية

وفي نهاية تحقيقنا تواصلت “رمان” مع بروفيسور أسعد غانم (محاضر في قسم العلوم السياسية في جامعة حيفا، ورئيس قسم الحكم والفكر السياسي في الجامعة ذاتها)، فاكتفى بقوله لنا: ألخص رأيي بهذا الموضوع بثلاث جمل. أولاً، طرق حركة المقاطعة تتماشى وتتلاءم كلياً مع طرق النضال السلمية والشرعية وقد أثبتت فعالية في أماكن أخرى. وهذا موقف تجاه طرق ووسائل نضالية سلمية. ثانياً، إنها طريقة مكملة لوسائل أخرى ومهمة يجب أن تُتبع وأهمها أنها جزء من رزمة لوسائل نضال تطرحها القيادة الوطنية والشرعية، وفي حالتنا هذه أهم نقطة ضعف للمقاطعة، قيادةً منظمة التحرير ضدها عملياً وتقوم بنقضها يومياً. ثالثاً، الـ 48 غير مهتم فعلياً بالموضوع، وليس جزءاً بها، رغم وجود أصوات هنا وهناك، لا يوجد موقف جدّي رسمي للجنة المتابعة العليا.

 

المصدر: رمان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى