” غاندي” سورية جمال الأتاسي: الرسالة والريادة والدور (وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر)!

محمد خليفة

في بلد كسورية، ومجتمع كمجتمعنا، يزخر بالتناقضات والتعقيدات والانقسامات المزمنة، بين مكوناته المتعددة، ليس من السهل أن يحظى قائد سياسي بإجماع وطني بين التيارات المتصارعة، وأن يكون دائما واسطة العقد الوطني، وموضع احترام الجميع يسارًا ويمينا، ليبراليين واسلاميين وقوميين وشيوعيين. وليس سهلا أن يتبوأ شخص ما صدارة المفكرين الطليعيين، وصدارة المناضلين البارزين الذين يقرنون الفكر بالعمل والرأي بالفعل. وليس سهلا أن تجتمع في شخصية واحدة مناقب نادرة كالعقلانية والمبدئية والمثالية والاستقامة والنزاهة والاعتدال والحكمة والتحلي بالفهم العميق والبصيرة الثاقبة والرؤية الاستراتيجية، مع البعد عن المظهرية والشعبوية والعنترية، ومع التعاطي مع التحديات والعواصف والزلازل.

هذه المزايا والسجايا لم تجتمع إلا في شخصية جمال الأتاسي، المفكر الطليعي، والقائد السياسي، واختمرت في تجربته الملحمية الفريدة التي ناهزت الستين عاما. وتعرضت للاختبار عبر أصعب وأقسى الظروف والمحن والمراحل.

من الصعب اختزال شخصية شديدة التركيب ومتعددة المواهب والمناقب والخصال في مقال قصير، ولكنني سأحاول إيفاءه حقه بدون إسهاب ولا إطناب.

المعدن والجوهر:

هذا الرجل الفذ جَبَلَه ربُّه على عينه من فلذات ومعادن وعناصر كيميائية كريمة متعددة، ولا يمكن فهم تكوين جمال الاتاسي العقلي والنفسي والروحي، وسلوكه السياسي والانساني.

 أولها – نبله وسموه اللذان يتجليان في أخلاقه التي لا تتوفر للسياسيين إلا نادرا، والنزوع الفطري للقيم السامية والمثالية، أكسبه حصانة ضد السقوط والانحدار والبحث عن مكاسب الدنيا ومصالحها. من الرائج بين الناس في كل العالم أنه يجوز في السياسة ما لا يجوز في غيرها، والغاية تبرر الوسيلة، والكذب والخداع والمناورة عملات متداولة في دهاليز وبورصات السياسة، وشر لا بد منه في كل الأحوال. أما جمال الأتاسي فنموذج مضاد لهذا الهراء والابتذال، أثبت في سلوكه أن السياسة أخلاق ومبادئ وقيم رفيعة، تمثل مضادات حيوية للفساد المعنوي والادبي والاخلاقي المستشري.

 وثانيها – عقله المتقد وفكره الابداعي الذي تخضرم خلال دراسته للعلوم الطبية وعلم النفس، وجعلته يحتكم دائما للفكر العلمي، والاتزان النفسي في أصعب الأوقات، وأكثرها اضطرابا، ومنحه الاعتدال والاستقامة ورباطة الجأش. فأمكنه تطبيق قواعد العلم والمنطق على السياسة، فكأنها علم بحت.

 وثالثها – طاقته الإبداعية المتجددة، التي أكسبته القدرة على الرؤية البعيدة، والنظرة الثاقبة، واستشراف لمستقبل، مما مكنه تحديد وترتيب الأولويات، ومراجعتها حسب تغير الظروف والمراحل، فامتزجت فيه ملكات المفكر ومواهب السياسي الملتزم، فصنعت منه القائد الحكيم.

 ورابعها – يقين مستقر وإيمان عميق بغائية الانسان في الحياة، وبرسالية المثقف، ووظيفة المفكر الاجتماعية، والقومية، والرائد بين قومه. القيادة عنده ليس سلطة ولا تسلطا، بل مهمة نبوية.

 وخامسها – صلابة وقوة شخصية في مواجهة الأخطار والتحديات والتهديدات والمغريات في آن واحد، ومعا، منحته الثقة بالنفس، والشجاعة، والصمود.

 وسادسها – قوة وحرارة الشعور الغريزي بالانتماء الى الجماعة، والشعب والأمة، مما حفزه ليسخر كل طاقته وجهوده في سبيل شعبه وبلاده وأمته العربية، وغاياتها وأهدافها العليا والعظمى، فلم يحد عنها، ولم يعرف المساومات والصفقات والمراوغات، ولم تغره المناصب والمكاسب السطحية. كثير من المثقفين والمفكرين، سيما من اليسار، زلزلتهم التغيرات الدولية، وخاصة بعد انهيار العالم الاشتراكي، وجعلتهم ينقلبون على ماضيهم، أو يقفزون الى الجانب الآخر، ويبدلون اتجاهاتهم بخفة وانتهازية، إلا أن الأتاسي حافظ على ثباته واتزانه الفكري والسياسي. التغيير الوحيد الذي طرأ على منهجه ومذهبه هو التغير النوعي الناتج عن التراكم في الخبرات والمعرفة، أي التغيير في العمق، وتجلى عنده في الوصول الى الخيار الديمقراطي كحل نهائي لإشكاليات التخلف والتقدم ، والحرية والاستبداد ، النهضة والوحدة ، منذ سبعينات القرن العشرين ، حين كانت غالبية النخب اليسارية والقومية ، تصنف الديمقراطية في نطاق الثقافة الغربية الامبريالية !

هذه المعادن النادرة التي صقلتها التجارب الكثيرة ، وجوهرتها عقود النضال المرير في بلد مضطرب كسورية ، في حقب مختلفة ، كالتي عاشها جمال الأتاسي منذ الاستعمار الفرنسي الخارجي، الى حقبة الاستعمار الداخلي، أي عصر الطغيان التوتاليتاري الشامل الذي وسم عهد حافظ الأسد ، هي التي خلقت منه مفكرا طليعيا ، ورائدا من رواد العروبة ، والقومية العربية ، وقائدا بارزا ، لا يقل مثالية عن رعيل المفكرين والمناضلين الرواد ، أمثال نجيب عازوري ، وساطع الحصري ، وقسطنطين زريق ، وعبد الرحمن الكواكبي ، وعبد الحميد بن باديس ، وعبد العزيز الثعالبي ، وزكي الارسوزي ، وصولا الى جمال عبد الناصر ، وكمال جنبلاط ، وجورج حبش ، وعصمت سيف الدولة ، وفؤاد الركابي ، وخير الدين حسيب ، وأحمد صدقي الدجاني .

غاندي سورية:

كان انتماؤه للأمة الكبرى، وولاؤه لها، وكانت القضية التي تسكن وجدانه وتشغل تفكيره، ويعمل لها، هي العروبة والقومية ووحدة الأمة، ونهضتها، وتجددها الحضاري، لا الوصول للسلطة، أو مغانمها. عرضت عليه، أو وصلت اليه زحفا، فعف عنها، وسما عليها. كثيرة هي الدول التي فتحت له أبوابها لينتقل للعيش الهانئ في قصورها الوثيرة، فأبى بتعفف، ورفض بترفع، وآثر البقاء في خندقه الدمشقي، ممسكا بجمرات مبادئه قريبا من مخالب الأسد وبراثنه.

كانت وطنيته السورية لا تقل عن قوميته العربية، ونزعته الوسطية والمعتدلة، طبعت مواقفه وخياراته السياسية، حتى أنه كان رغم مبدئيته الفطرية المرنة، وثوريته المتأصلة كان ذا طبيعة سلمية، حتى أنني أستطيع وصفه بغاندي سورية في سلميته وتصالحيته مع الجميع.

ورغم أدواره الكثيرة في ملحمته النضالية المعمرة ، فإن أهمها سيظل هو الفصل الأخير من سيرته ومسيرته الطويلة ، والذي تمثل في مواجهته لحافظ أسد ، وهو في ذروة جبروته وإرهابه ، إذ عارضه وقاومه ، بفضل “غانديته” الهادئة الثابتة ، لأنه كان يدرك بوعيه النافذ مدى الاخطار التي تنطوي عليها مقاومة طغيانه واستبداده بالقوة في سبعينات القرن الماضي ، وما  سيترتب عليها من آثار مدمرة ، نظرا الى أن الطاغوت لا يرعوي عن ارتكاب أي شيء حفاظا على سلطته، فانكفأ بانتظار فرصة مواتية ، وعلى قاعدة حماية الوطن وتقليل الخسائر ، ولكنه في كل الأحوال لم يرضخ ، ولم يساوم ، على حق الجماهير في ممارسة المعارضة ، بل بقي يعلن عبر حزبه مواقفه الحادة الصريحة :

1 – رفض استمرار حكم “نظام الحزب الواحد” رفضا مطلقا.

2 – مقاومة مظاهر “عبادة الفرد” التي استوردها طاغية دمشق من حليفه الكوري الشمالي، وكرسها بحذافيرها في دمشق.

3 – مناهضة العصبية الطائفية التي أججها الأسد.

4 – رفض مفهوم “توريث السلطة” الذي أعاد الديكتاتور إحياءه واستخراجه من موروثات القرون الوسطى، وعمل على تثبيته في أساس النظام وهيكليته.

5 – الاصرار على حق المعارضة بالوجود والعمل وسط المجتمع والجماهير في تحد سافر للقمع والبطش والقهر، في وقت تحولت سورية غابة تحكمها شريعة القوة، وعصابات الاستخبارات بلا ضابط لها، وتحولت “الدولة” ذاتها أداة طيعة في أيدي القوى المسلحة، وعصابات الأسرة الحاكمة، وعلى الأخص في دمشق، ومدن الساحل.

هذه عناوين سياسة حزب الاتحاد الاشتراكي أثناء قيادة جمال الاتاسي له في الفترة بين 1970 وحتى عام 2000. وكانت كافية للتموضع النضالي في الخندق المعادي للطاغية ونظامه وثقافته وتوجهاته السياسية في الداخل. وهي بالطبع سياسة رابضة ومتحدية للنظام وجاهزة للاستنفار العملي كلما سنحت الفرصة، كما حدث عام 1980، ومع تأسيس التجمع الوطني، وربيع دمشق، وثورة 2011.. إلخ.

وجاء الرد الأقوى للأتاسي وحزب الاتحاد الاشتراكي على سياسة الطاغية بتبنيهما الخيار الديمقراطي في مواجهة الاستبداد، والتوتاليتارية، وحكم الحزب الواحد، واحتكار السياسة، والخيار العلماني الوطني في مواجهة الطائفية. والتمسك بالقومية والعروبة بمقابل السياسات الأسدية المعادية للثورة الفلسطينية، والمتواطئة مع الايرانيين في حروب الخليج.

 ولكي ندرك أهمية هذا النهج المتحدي، ينبغي علينا تذكر كم كلف سورية رد التيارات والحركات الدينية باللجوء الى العنف الأعمى والإرهاب الأسود والقتل على الهوية الطائفية بين 1975 الى اليوم، مما شكل خدمة كبرى لا تقدر للأسد، ومجاراة له في خياراته المدمرة، وملاقاته في منتصف طريق العنف والاجرام، مما وضع سورية بين فكي كماشة متشابهين، وأسس لفتنة طائفية، وحرب أهلية بالتقسيط، لم ينطفئ أوارها، ولا نارها، طوال نصف قرن في الوطن المعذب الممزق.

الرهان على الديمقراطية:

لقد استطاع الأتاسي وحزبه في أحلك الظروف مقاومة الأسد وتثبيت صوت المعارضة العقلانية الحكيمة، وتعزيز دور الحزب الأكبر في ساحة المعارضة، وتقوية دوره كقائد لأحزاب المعارضة وقواها. ثم انتقل الاتاسي الى إقامة وقيادة جبهة وطنية مضادة لجبهة النظام المفرغة من محتواها مع القوى التنويرية (التجمع الوطني) بعيدا عن العصبيات الدينية والطائفية وبعيدا عن سلطة الاستبداد. واستطاع (التجمع) رفع رايات المعارضة الوطنية العقلانية والوسطية والمعتدلة لقطع الطريق على نظام الطاغية الذي كانت تغريه رائحة الدماء، لارتكاب مزيد من التجارب. وإنني أعتقد أن الطاغية السابق كان يشعر بالاستفزاز والخطر من دور الأتاسي وحزبه منذ أن انسحبا من الجبهة الوطنية معه، ولكنه لم يكن يجرؤ على اعتقاله أو تصفيته، ولكن هذا الأمر كان احتمالا قائما دائما، ولا اشك أن الأتاسي رحمه الله كان يعلم ذلك علم اليقين، ومع ذلك واصل دوره ومسيرته بكل ثقة وقوة وحسم، إيمانا برسالته وبقدره وبدوره التاريخي والوطني. وهذه قمة الشجاعة.

ولا بد من الاشارة أيضا الى أن اختيار الأتاسي وحزب الاتحاد الاشتراكي للديمقراطية حلا وبديلا نهائيا وجذريا لثقافة وخيارات وموروث الطغيان والاستبداد وتوريث السلطة وحكم الحزب الواحد قد شكل في الواقع (ثورة فكرية) في ثقافات وأيديولوجيات اليسار القومي والتقدمي العربي كافة، وعلى رأسها تنظيمات الحركة الناصرية في الوطن العربي كله. لقد كان لهذه النقلة أو الثورة في ثقافة هذه التنظيمات وحركات اليسار أثر بالغ يساوي الأثر الذي تركه غرس جمال عبد الناصر مفهوم الاشتراكية في خمسينيات القرن العشرين على مستوى المنطقة. لقد أصبح هذا التحول في ثقافة وأدبيات الحركة الناصرية والقوى القومية واليسارية عنوانا لحقبة جديدة ، وميثاقا جديدا على مستوى الأمة والمجتمع ، وتحديا لأنظمة الطغيان المعشش في كافة الدول والانظمة العربية ، وخاصة تلك التي ترفع شعارات التحرر والتقدم  والوحدة !

بل ينبغي القول إن طرح الخيار الديمقراطي منذ السبعينات قولا ونضالا وسلوكا في سورية منذ السبعينات تحول تدريجيا الى رهان استراتيجي ، لإنقاذ سورية من المصير الذي اختاره الأسد وعائلته ، كما أصبح رهانا قوميا للامة العربية كلها ، لخلاص شعوبها من تركة التخلف والعصبية القبلية والدينية والرجعية ، وكسبيل للحاق بركب التقدم واكتساب الحداثة والانتماء للعالم المتحضر، وهي بالطبع أساس وقاعدة مشروع النهضة العربية المعاصرة الذي تبلور مع جمال عبد الناصر، وقاده مع طلائع الثورة في كل البلدان العربية ، في مرحلة الصعود القومي والتحرري ، والذي ظل الأتاسي متمسكا به ، وظل (حزب الاتحاد الاشتراكي) يسير عليه مبدأ ومنهجا وغاية ، بلا تغيير، ولا تراجع ، حتى هذا اليوم ، مما أهّله ليكون عامل توحيد وتقريب بين القوى الوطنية التحررية التقدمية ، كما أهله ليقود أي تجمع أو جبهة وطنية تقدمية معتدلة قومية في سورية طوال ستين سنة، ويمثل بهذا بوصلة العمل الوطني السليم في سورية .

وكلمة الحق التي يجب أن تقال اخيرا بصوت عال في الذكرى العشرين لرحيل هذا القائد المميز في تاريخ سورية المعاصر تتمثل في تذكره في خضم ثورة الحرية والكرامة الحالية، وتمثل حكمته ومواقفه وثوابت مبادئه ، إذ أنه لو كان حيا في هذه الثورة الشعبية العارمة لكان له دور مؤثر وربما استطاع أن يكون قائدها بامتياز ، أو أحد قادتها الرئيسيين ، وربما استطاع تجنيبها الانزلاقات التي قادتنا لها الفصائل الطائفية والإسلامية المتخلفة ، بمباركة من نظام الاسد الابن ذاته ، لأنه يلتقي معها في الجوهر الطائفي ، ولأنها خدمت ، وتخدم مصلحته ، ولربما كان جمال الاتاسي قد جمع النخب الوطنية والثورية لتشكيل مظلة ثورية وطنية لثورة الشعب وحراك الجماهير، وواجهة صالحة لمخاطبة العالم الخارجي ، بعقلانية واعتدال بخطاب ديمقراطي . هذا إن لم يقتله طبعا الطاغية المتوحش كما قتل القادة العقلاء جميعا، ولربما ساهم في انجائنا من عطب الذات المتفاقم الذي شخصه د. برهان غليون. على أي حال علينا الآن متابعة طريق الثورة بمنهجية جمال الأتاسي وعقلانيته وحكمته ووطنيته ووسطيته.

اترك تعليقاً
1+

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. إن تعظيم الشخصية على هذا القدر لا يزال يسبح في ارث الماضي من الثقافة ، ولا ينسجم كثيرا مع تحرير الذات من عظمة الفرد ، وبرغم أن جميع القوى السياسية والحزبية قد فشلت في خلق فارق سياسي حقيقي زمن حافظ الأسد ، فإن ملاحظتنا هذه لا تقلل من الدور النضالي لكل من قدم وضحى وناضل في زمن التسلط ، لكنها أيضا لا تبالغ فتضيّع علينا فرصة نقد السلوك السياسي أو الفكري لأي شخص أو أي مفكر.

    0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى