
في المساحة الزمنية بين نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 حين وقع الرئيس الأميريكي دونالد ترامب أمراً تنفيذياً يُمَكّن من بدء عملية تقييم لتصنيف بعض فروع جماعة الإخوان المسلمين “منظمات إرهابية”، وتنفيذ الإدارة الأميركية للقرار في 13 يناير/كانون الثاني الجاري، بتصنيف ثلاثة فروع للجماعة في لبنان والأردن ومصر “منظّمات إرهابية” وفرض عقوبات عليها… بينهما، تنوّعت ردّات فعل فروع الجماعة لتفتح النقاش حول كيفية الاستجابة لتطوّرات ما بعد التصنيف. ويساعد تحليل محتوى البيانات في كشف تفضيلات واتجاهات الجماعة وخياراتها.
وإزاء تتابع الإجراءات الأميركية، تراوحت محاولات مجموعات “الإخوان” بين الانطلاق من قاعدة الخلاف الحضاري ومرونة التصدّي للتهديد من الولايات المتحدة. فبينما تنطلق مجموعة “المكتب العام” منذ 25 نوفمبر الماضي، ومعها “ميدان”، من مرجعية الخلاف الحضاري والعقدي مع الغرب، إذ يُنظر إلى سقف السياسة الدولية والمحلية بوصفه معادياً للحركة الإسلامية، وتُعتبر الولايات المتحدة “العدو الأول للحرية” الذي تسبّب في إجهاض “الربيع العربي”، ودعم السلطوية و”الثورات المضادة”. وعلى هذه الأرضية، استدعى الخطاب نصوصاً داعمة للقناعة بالخروج على الوضع الحالي ومشروعية الحرب مع غير المسلمين.
المسؤولية المشتركة
على مستوى المجموعتين الأخريين (التيار الرئيس في الجماعة)، انصبّ الاهتمام على اتخاذ موقف دفاعي بصياغة موقف مرن تجاه السياسة الأميركية لإلغاء عملية تصنيف الجماعة. ومن جهته، بدا بيان “إخوان سايت” في 26 نوفمبر 2025 و13 يناير 2026 الأكثر تفصيلاً في طرح موازنة للتعامل مع الحملة الأميركية، قامت على جانبَين. الأول كان التحذير من خطورة تطلّعات الإمارات وإسرائيل على الأمن القومي الأميركي والاستقرار الإقليمي؛ إذ تعمل جماعات الضغط الموالية على الإدارة الحالية بما يُحدث تأثيراً مزدوجاً، يرهن الحكومة لمؤثّرات خارجية من شأنها تشكيل بيئة تحريض ضدّ المسلمين، كما يعزّز القمع والعقوبات الاقتصادية ضدّ مشروعات أعضاء الجماعة بيئةَ التطرّف في الشرق الأوسط.
أما الثاني، ومن خلفية الفاعل الدولي، فقد ربط بين الالتزام بالعمل السلمي في صورته الديمقراطية “بشكل حصري” وعلاقته البناءة مع جميع الحكومات، وقيام العلاقة على “أساس الاحترام المتبادل والقانون الدولي”. وبذلك تبني هذه المجموعة صورة شخصية دولية مناظرة للحكومات، رغم أنها موضوعة ضمن الملاحقة القانونية في بلدان كثيرة.
لا يشكّل النزاع على تمثيل الجماعة سوى مشكلة إدارية تتعلّق بحجم المجموعة وانتشارها في البلدان
وفي الاتجاه نفسه، قدّم بيان فريق “إخوان أون لاين” في 30 نوفمبر الماضي، وعبر نشر فيلم وثائقي في يناير الجاري، إيضاحاً مختصراً عن نفي الجماعة للعنف وبراءتها منه، وأضافت أنها ليست “معنية بأيّ اتهامات بالإرهاب”. وأعادت نشر شعار “صفحتنا بيضاء” للتعبير عن غياب العنف في تاريخ الجماعة واتّباع الوسائل السلمية في الوصول إلى السلطة، وأنها لم ترتكب أي أعمال تمسّ أمن الدول أو سيادتها.
وبشكل مشترك، نظرت حركة الإخوان إلى تعقيدات العملية التشريعية بوصفها عائقاً أمام خطوات الرئيس ترامب. فمن جهة، ساد افتراض بصعوبة صدور قوانين بتصنيفها، سواء لتعقيدات النظام الأميركي أو لضعف الأدلة وغيابها. وهنا استقرت القناعات على ترجيح صعوبة الاستمرار في تطوير التشريعات اللازمة لتصنيف الجماعة وتقييد ما صدر منها، وذلك استناداً إلى التداخل بين الجماعة والمسلمين في الغرب. فمع صدور قرار وزارتي الخارجية والخزانة في 13 يناير الحالي بوضع ثلاثة فروع للجماعة على لائحة الإرهاب، اعتبرته الجماعة بمثابة تحريض على المسلمين المقيمين في تلك البلدان، كما هو استهداف للإسلام.
من النزاع إلى التكاتف التنظيمي
وبغض النظر عن تنازع تمثيل الجماعة، بدت المواقف أكثر تكاملاً. وكما تراجع الحديث عن الانقسامات، كان تعدّد الردود ضمن مساحة أيديولوجيا الجماعة. ولندرة البيانات عن الواقع الداخلي لـ”الإخوان”، يمكن قراءة بيان “إخوان سايت” تعبيراً عن الجماعة؛ لتكون توجّهات هذا الفريق الأكثر تمثيلاً للجماعة، فيما تبقى المكوّنات الأخرى أقرب إلى التفويض. ولذلك لم يكن اختلاف مواقف أجنحة الجماعة موضوعاً جوهرياً؛ فهي تستمدّ مشروعيتها من حسن البنّا وسيّد قطب، كما تتأطّر تنظيمياً وراء “المرشد العام” محمّد بديع، فلا يشكّل النزاع على تمثيل الجماعة سوى مشكلة إدارية تتعلّق بحجم المجموعة وانتشارها في البلدان.
وعلى الرغم من تعدّد ردّات الفعل، فإنها تقع ضمن الأرضية الفكرية للجماعة ومظلّتها التنظيمية؛ فتنوّعها من وصف التحرّك الأميركي بأنه معادٍ للإسلام والشعوب الإسلامية، حتى محاولة إنشاء علاقة تفاوضية، هو صور تعكس القناعات السائدة منذ مراحل التأسيس بالترابط بين ميثولوجيا الحركة والتجديد الديني على أساس أفكار البنّا وقطب في التغيّر السياسي، لينصبّ اهتمامها على البحث عن مساحات التكيف مع التحدّيات الآتية من الولايات المتحدة.
تعطي تحرّكات التنظيم الدولي مؤشّرات على هامشية تأثير الانقسام على خيارات الجماعة؛ إذ بدت أكثر تقارباً في التعامل مع عملية وضعها على قوائم الإرهاب
وفي هذا السياق، تعطي تحرّكات التنظيم الدولي مؤشّرات على هامشية تأثير الانقسام (بمعناه التنظيمي) على خيارات الجماعة؛ إذ بدت أكثر تقارباً في التعامل مع عملية وضعها على قوائم الإرهاب. ويعكس اتساع المشاركة في احتفالية الجماعة الإسلامية – باكستان (في 21 نوفمبر الماضي) الإعلان عن استقرار الروابط بين مشاركي 42 دولة، شملت ممثّلين من أميركا الشمالية. وفي ظلّ هذه الأجواء، يمكن فهم تواضع ردود الجماعة بشكل يبعث على الاعتقاد بفشل محاولات سابقة في حصار الجمعيات والمنظمات الخيرية القريبة من الجماعة، وخصوصاً مع علانية تحرّكات مسؤولي التنظيم عبر أوروبا والأطلسي.
رفض الرواية الأميركية ونفي الارتباط
في ظلّ جدّية الولايات المتحدة في عملية التصنيف، كان التوجه الأساس لدى جماعة الإخوان متمثلاً في نطاقين: إظهار ضعف الرواية الأميركية، والإعلان عن القابلية للتكيّف. وكانت الوجهة الأساسية ماثلة في نفي ذرائع التصنيف بسبب وجود التنظيم في الأراضي الأميركية. وهنا حاولت الجماعة التقليل من أهمية الوجود الإخواني في أميركا الشمالية، رغم وجود أدبيات منذ بداية تسعينيّات القرن الماضي تضمّنت خطط الجماعة في التغيير الاجتماعي والثقافي.
وفي هذا السياق، بدت محاولات الجماعة لنفي وجود نشاط لها بعيدة عن ذاكرة مراحل إنشاء منظماتها في أميركا الشمالية. وفي إشارة واحدة، تضمّن خطاب محمّد أكرم (في مايو/ أيار 1991) لرئيس شورى أميركا الشمالية عمليات تأسيس المنظمات التابعة للجماعة في الولايات المتحدة؛ فتعلقت بالبحث في تطوير 29 منظمة قائمة لتكون وسائل مشروع مجلس الشورى 1987 للانتقال من التفكير الجزئي إلى الشامل، أي “تمكين الإسلام في أميركا الشمالية”، فيكون امتداداً لجماعة الإخوان المسلمين نشاطاً محليّاً وعالمياً.
وبغض النظر عن تقييم فاعلية هذه المنظمات وتحقق محتواها الإصلاحي أو الدعوي، فقد جرى مسار حياتها تحت رقابة المؤسّسات الأميركية المدنية والأمنية، لتكشف محاولات نفي وجودها عن مستويين من الخصائص: تمثّل الأول في إظهار نفي وجود فروع للجماعة امتداداً لجذور مشكلات دائمة، ومنها تغلغل ثقافة السرّية التنظيمية، والقابلية للمراوغة مع الحكومات والاستفادة من ميّزات الخضوع في مساحات “الملاذ الآمن”. أما المستوى الثاني، فإنه على مدى ما يقرب من أربعة عقود ظلّت السياسة الأميركية متسامحةً مع انتشار الجماعة، سوى بعض الملاحقات الجزئية التي صدرت فيها أحكام على أفراد من الجماعة، مع ترك الجماعة لتعمل تحت الرقابة الأمنية والسياسية.
قد تكون إحدى قراءات نفي الجماعة وجود فروع لها في أميركا الشمالية نوعاً من المراوغة؛ فلدى الجماعة خبرة واسعة في إخفاء العلاقات التنظيمية. وخلال مسارها، ظلّت تعمل تحت حظر قانوني عبر شبكات غير رسمية أكثر من الروابط القانونية. وينطبق هذا السلوك على كل فروع التنظيم، بما فيها أميركا الشمالية، بحيث تكون الجمعيات والمشروعات (بأحجامها المختلفة) أداة لتنفيذ توجّهات الجماعة. وعلى المستوى الأميركي، خضع كثير من أعضاء الجماعة للتحقيق والإدانة لأسباب تتعلّق بالنشاط المالي والانخراط في أنشطة عنيفة.
وباعتبار وضوح بُعد الأمن الداخلي في عملية التصنيف الأميركية، فإنه (على خلاف توقّعات الجماعة بانهيار قرار ترامب) تتشكّل بيئة سياسية وتشريعية لتقوية مسار التصنيف القانوني. وفي هذا السياق، يتجانس التوجّه التشريعي مع القرارات التنفيذية؛ إذ يعمل مجلسا الكونغرس في بناء بيئة تشريعية متماسكة. فإلى جانب مجلس الشيوخ، بدأ مجلس النواب الأميركي إجراءات تشريع قانون رقم H.R. 4397، تقوم فكرته على توسيع تصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمةً إرهابيةً أجنبية. وقد جاء مقترحاً مشتركاً من جمهوريين وديمقراطيين، وتوسّع في التعريف ليشمل “أي كيان يُعدّ فرعاً أو جمعية أو منظمة مملوكة أو خاضعة بشكل مباشر أو غير مباشر لسيطرة جماعة الإخوان المسلمين أو مرتبطة بها، وهو تعريف ينطبق على كثير من المؤسّسات في دول مختلفة، ليشمل (إلى جانب أميركا الشمالية) دولاً منها السودان وقطر وتركيا واليمن، بالإضافة إلى المغرب وتونس.
بين التودّد والكراهية
على مساحة البيانات والتصريحات، تكشف القوة التعبيرية عن ملامح خريطة أولويات الجماعة في المرحلة المقبلة. وفي إطار الوعي بالعقيدة الفكرية والتجربة السياسية، تبرز أهمية ثنائية العداء والتعايش مؤشراً على خيارات الجماعة، وخصوصاً ما يتعلّق بالنظر إلى العلاقة مع الغرب: الجهاد ضدّ الاستعمار ومكانتها في البلدان الأصلية.
بشكل عام، يتلاقى التيار الرئيس في تجنّب الملاحظات الأميركية والتركيز في الردود الهادئة بوصفها بحثاً عن حلّ وتوسيعاً لمساحة الحوار. وكان بيان “إخوان سايت” صريحاً في هذه الجزئية عندما اتخذ موقفاً دفاعياً قدّم فيه تنازلاً فكرياً، تجنّب فيه الردّ على الاتهام بتبنّي “الجهاد العنيف”، كما استخدم “إسرائيل” بديلاً عن “الحلف الصهيوأميركي”. وبغض النظر عن الانحراف عن المرجعية، فقد أبدى مرونةً وقابليةً للتخلّي عن قناعات ظلّت تشكّل أساس خطاب التعاطف والحشد على مدى العقود الماضية. وهي لا تبدو حدثاً عارضاً؛ فقد تبنّت الجماعة موقفاً مشابهاً في مارس/ آذار 2017، بما يعطي دلالة ليونة تُعزّز إقامة تواصل مباشر مع الولايات المتحدة.
يتلاقى التيار الرئيس لـ”الإخوان” في تجنّب الملاحظات الأميركية والتركيز في الردود الهادئة بحثاً عن حلّ وتوسيعاً لمساحة الحوار
وفيما انشغل بيان التنظيم الدولي (فريق إخوان سايت) بالبحث عن حلّ تفاوضي مع الولايات المتحدة، سواء بطلب التواصل المباشر أو التلويح بالتداعيات السلبية على الأمن الأميركي وانتشار التطرّف، فقد ظلّ على عنفوان رفضه للنظام المصري عندما وصف الوضع في مصر بأنه “انقلاب دموي”. لتبدو حالة ازدواج بين الرفض والبحث عن حلّ مريح لدى الولايات المتحدة، بما يؤسّس لوضعية انزياح الجماعة بعيداً عن مجتمع المنشأ لحساب تجنب الإكراهات والتسوية مع رعاة الحرب على فلسطين وضدّ قضايا إسلامية أخرى.
ومع الأخذ في الاعتبار تفاوت القوة بين الدولة والحركة، لا يعكس طلب الجماعة التواصل مع الحكومة الأميركية وجميع الحكومات وضعية تكافؤ بقدر ما يكرّس فجوة كبيرة تكون فيها حركة الإخوان تحت شروط الدول. وهي علاقة لا تنتهي عند التغلغل الغربي في شبكاتها، وإنما قد تصل إلى الانخراط طوعاً في حالة “تحوّل ثقافي”، يكون فيها العقل الحركي مرناً في التخلّي عن شعارات النضال إذا ما واجه تهديداً مباشراً، وأكثر قبولاً لمفردات السياسة الأميركية. ليس النقاش هنا عن أخلاقية تواصل حركة متعدّدة الجنسيات مع الحكومات الأجنبية خارج نطاق المواطنة ومشروعيته، لكنّه يتعلّق بما يترتّب منه من تداعيات ترابط خريطة المصالح وانعكاسها على هُويّة الجماعة.
نحو الاغتراب
في هذا النطاق، لم يعكس بيان “إخوان سايت” محتوى سياسياً بقدر ما يُمهّد الطريق لوضعية الاغتراب عن المقولات التقليدية للجماعة، في مشهد تتبلور مفرداته في التقرّب من الديمقراطية على حساب الجهادية. ظهرت ملامح هذا التوجّه في التخلّي عما يشير إلى مكافحة الصهيونية، ليظهر اسم “إسرائيل” استخداماً سياسياً، بوصفه جسراً للعلاقة مع الولايات المتحدة، بما يعكس قدراً ثقافياً من الثقة في الاستعمار.
وعلى مستوى التجربة السياسية للجماعة في الغرب، يتبلور مدخلان للتفسير: يرتبط الأول بأن حالة التعايش بين “الإخوان” والسياسة الغربية لعقود عديدة ساهمت في تشكيل وضعية تكيّف متبادل، كان أساسها توطيد مصالح الجماعة في تلك البلدان. ولم تقتصر مظاهرها على حرية تحرّك التنظيم وسهولة الوصول إلى المصادر التمويلية. وتحت مظلّة التفاهم السياسي، استقر وجود كيانات تعّبر عن الجماعة مباشرة أو غير مباشرة. وهنا يقدم مثال وجود الأمانة العامة في لندن وتحرّك مسؤوليها تحت عنوان واضح بتمثيل الجماعة إحدى صور الاستثمار المتبادل؛ قامت في واحدة منها على توفير فرصة مدّ الحياة لتنظيم معارض والتغاضي عن أيديولوجيته المضادّة للغرب بمعناه السياسي والديني. ويشكّل هذا السياق قسماً مهماً من استناد نفي “الإخوان” اتهام التطرّف والعنف إلى التقرير البريطاني في يوليو/ تموز 2016 بوصفه “شهادة مدوّنة سلوك”.
أسهمت حالة التعايش بين “الإخوان” والسياسة الغربية عقوداً في تكيّف متبادل، أساسه توطيد مصالح الجماعة
أما المدخل الثاني، فينحدر من نشأة التنظيم في تلك البلدان من مجتمع مهاجر كان نتاج هجرة طوعية أو أزمة سياسية. وفي الحالتَين، كانت الرغبة في التكيّف مع المجتمع الجديد أساس الحراك التنظيمي، وهي تطلّعات جرى التعبير عنها بالتوطين والتمكين. وتصاعدت هذه الظاهرة واحدةً من تداعيات الحرب الأميركية على السوفييت في أفغانستان وأزمة الجماعة في مصر بعد 2013، لتتشكّل قناعةٌ بتفهم شروط الإقامة في الدول الغربية، مع تشدّد في مراجعة مواقفها تجاه دول عربية؛ وهي حالة مشابهة للعلاقة بين الجماعة وبريطانيا في ستينيّات القرن الماضي ضدّ الحكومات القومية.
في هذه الحالة، سارت تقديرات الجماعة على احتمالية تراجع الولايات المتحدة بقدر يمكنّها من الاستجابة لشروط التابع والمتبوع، غير أنها صارت تواجه بيئة معقّدة، سواء بسبب خطأ توقّع موقف الإدارة الأميركية أو بسبب وجودها حركة منفى، بما يجعلها أكثر قابليةً للانزلاق نحو الاستجابة للشروط الأميركية على أرضية التابع والمتبوع. وتقدّم تجربة المنفى لأكثر من عقد تفسيراً لرغبة الجماعة في التفاوض مع الولايات المتحدة؛ فقد تشكّل قسم كبير من وعي اللاجئين الجدد على أرضية الصراع مع دولة الجنسية في مقابل الاطمئنان لحالة اللجوء، ما يمكن تصنيفه بالقابلية للارتحال عن الخطاب الأيديولوجي التقليدي واستبداله بقناعات أخرى.
في ضوء هذه السياقات، يتشكّل إدراك الجماعة لعملية إدراجها في قائمة الإرهاب العالمي من مستوى انخراط شبكات مصالحها في الدول الغربية وحدود استقلال اختيارات مديريها. وتبدو المرونة الحالية انعكاساً لتباطؤ عمليات الإثبات ونقص العملية التشريعية، لتكون العمليات المقبلة ضمن المساومات على حدود التطبيق داخل النظام الأميركي. فإنه، إلى جانب محدودية لغة التحدّي، تبنّت غالبية الردود البحث عن صيغة تفاوضية للحفاظ على الجماعة ومصالح أفرادها، وهو ما يعكس أولوية التفاهم على طريقة عمل التنظيم داخل الولايات المتحدة وخارجها.
المصدر: العربي الجديد




