تفكيك الراديكالية في الشرق الأوسط.. سياسة أميركية شاملة أم انتقائية؟

بشار الحاج علي

تضع الولايات المتحدة مسألة تفكيك الراديكالية في الشرق الأوسط في صلب خطابها السياسي والأمني منذ عقود، غير أن هذا الخطاب، الممتد من أفغانستان إلى إيران، يكشف عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة والمقاربات المعتمدة.
ففي حين تُقدَّم مكافحة الراديكالية كأولوية استراتيجية ثابتة، تتبدل الأدوات والمعايير تبعاً للسياق والمصلحة، ما يطرح سؤالاً مشروعاً حول ما إذا كانت واشنطن تتبنى سياسة شاملة لتفكيك الراديكالية، أم تمارس نهجاً انتقائياً يهدف إلى إدارتها واحتوائها.
تنبع هذه الإشكالية أولاً من تعريف الراديكالية في الخطاب الأميركي نفسه، إذ لا يُقدَّم المفهوم بوصفه إطاراً تحليلياً ثابتاً، بل كتصنيف سياسي مرن، يتم توسيعه أو تضييقه بحسب الظرف، ففي حالات معينة تُعرَّف الراديكالية من خلال العنف العابر للحدود، في حين في حالات أخرى تُستثنى أنماط من السلوك الإقصائي أو الخطاب الأيديولوجي الحاد عندما تصدر عن دول أو فاعلين يمكن التعايش معهم، أو إدماجهم في ترتيبات إقليمية مؤقتة.
خاضت واشنطن حروباً مباشرة ضد تنظيمات مثل القاعدة وداعش، وقدمت ذلك بوصفه نموذجاً لتفكيك الراديكالية، لكنها في الوقت ذاته أبدت استعداداً واضحاً للتفاوض، أو الاحتواء، أو حتى القبول بالأمر الواقع، عندما تغيّرت حسابات الكلفة والعائد..
هذه المرونة المفاهيمية لا تبقى في حدود الخطاب، بل تنعكس بوضوح على مستوى السياسات العملية، حيث تظهر الانتقائية كعنصر بنيوي في المقاربة الأميركية، فقد خاضت واشنطن حروباً مباشرة ضد تنظيمات مثل القاعدة وداعش، وقدمت ذلك بوصفه نموذجاً لتفكيك الراديكالية، لكنها في الوقت ذاته أبدت استعداداً واضحاً للتفاوض، أو الاحتواء، أو حتى القبول بالأمر الواقع، عندما تغيّرت حسابات الكلفة والعائد.
تُعد التجربة الأفغانية مثالاً بالغ الدلالة على هذا التحول، فطالبان، التي شُكِّلت في الخطاب الأميركي لسنوات طويلة كنموذج للراديكالية الدينية المسلّحة، وخاضت الولايات المتحدة ضدها أطول حرب في تاريخها، تحوّلت في مرحلة لاحقة إلى طرف تفاوضي، ثم إلى سلطة أمر واقع جرى التعامل معها بوصفها ضرورة لإدارة الانسحاب، وضبط الفوضى، ومنع عودة التهديدات العابرة للحدود.
التحوّل في الموقف من طالبان لم يكن نتيجة لتغير في بنيتها الأيديولوجية أو مقاربتها للحكم والمجتمع، بل انعكاساً لتحول في أولويات واشنطن، إذ جرى الانتقال من هدف تفكيك الراديكالية إلى هدف أكثر تواضعاً يتمثل في ضبط السلوك، والحصول على ضمانات أمنية محددة، وهو ما يعكس استعداداً أميركياً للقبول براديكالية حاكمة طالما أنها لا تستهدف المصالح المباشرة، وتلتزم بسقف أمني قابل للإدارة.
هذا النموذج لا يقتصر على أفغانستان، بل يمتد إلى الشرق الأوسط بأشكال أكثر تعقيداً، حيث تتداخل مسألة الراديكالية مع صراعات الهوية، وبنية الدولة، والتنافس الإقليمي والدولي، وفي هذا السياق، تميل السياسة الأميركية إلى إدارة الظاهرة أكثر من تفكيكها، عبر عزل أخطر تجلياتها، واحتواء ما يمكن احتواؤه، وترك العوامل البنيوية المنتجة لها من دون معالجة حقيقية.
الحالة السورية تُجسِّد هذه الإشكالية بوضوح، فمنذ اندلاع الصراع، أعلنت واشنطن أن محاربة التطرف تمثل أولوية، لكنها عملياً فصلت بين محاربة تنظيم داعش، وبين معالجة السياق السياسي الأشمل الذي سمح بظهوره وانتشاره، فتم التركيز على البعد الأمني والعسكري، من دون بلورة رؤية سياسية متكاملة تعالج تفكك الدولة، وانسداد الأفق السياسي، وتعدد مراكز القوة.
في هذا الإطار، يمكن النظر إلى “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) كنموذج وظيفي في المقاربة الأميركية، إذ جرى التعامل معها كشريك عسكري فعّال في محاربة داعش، وتم توفير دعم سياسي وعسكري لها ضمن حدود هذه الوظيفة، من دون أن يكون ذلك جزءاً من مشروع وطني سوري شامل، أو رؤية واضحة لمستقبل الاندماج السياسي، وهو ما يجعل هذا الدور مرتبطاً بالمرحلة والوظيفة، لا بالاستمرارية أو التحول إلى فاعل سياسي دائم.
ومع تغير أولويات واشنطن، وتراجع مركزية ملف داعش، وتزايد التركيز على ملفات إقليمية أوسع، يبرز تساؤل مشروع حول مستقبل هذا الدور الوظيفي، ليس من باب إعلان نهايته، بل من زاوية إعادة تعريفه، أو تقليصه، في إطار تحولات أوسع في الاستراتيجية الأميركية تجاه سوريا والمنطقة.
يمكن في هذا السياق التوقف عند تجربة هيئة تحرير الشام، التي أعلنت تخليها عن تنظيم القاعدة، وتحولت خلال السنوات الأخيرة من فاعل جهادي عابر للحدود إلى قوة محلية تسعى لإعادة تعريف نفسها، ومع التطورات التي أعقبت مغادرة بشار الأسد سوريا في الثامن من كانون الأول عام 2024، برزت الهيئة بوصفها السلطة الأكثر نفوذاً على مستوى إدارة البلاد، مستندة إلى خطاب براغماتي يركز على الضبط الأمني، وإدارة المؤسسات، وتقديم نفسها كسلطة أمر واقع قابلة للاحتواء لا كحركة أيديولوجية توسعية.
وفي هذا الإطار، لا يمكن تجاهل التحول في المقاربة الأميركية، حيث أعلنت الولايات المتحدة رفع هيئة تحرير الشام من قوائم الإرهاب، في خطوة عكست انتقالاً واضحاً من منطق التصنيف العقابي إلى منطق التعاطي البراغماتي مع الواقع القائم، كما أن استقبال الرئيس الأميركي دونالد ترمب لأحمد الشرع، بوصفه رئيساً انتقالياً، قبل أشهر، شكّل مؤشراً سياسياً إضافياً على استعداد واشنطن للتعامل مع السلطة الجديدة في دمشق، ليس انطلاقاً من تطابق أيديولوجي، بل من اعتبارات الاستقرار، وضبط السلوك، ومنع إعادة إنتاج تهديدات أمنية عابرة للحدود.
وتُظهر هذه المقاربة أن السياسة الأميركية، مرة أخرى، لا تتجه نحو تفكيك البنية التي أنتجت الراديكالية، بقدر ما تسعى إلى إعادة تعريفها وإدارتها ضمن أطر قابلة للاحتواء، وهو ما ينسجم مع نمط أوسع في التعامل مع حركات تحولت من فاعلين راديكاليين إلى سلطات أمر واقع، كما في أفغانستان، ومع نماذج وظيفية أخرى في الإقليم.
وإذا كانت تجربة أفغانستان قد أظهرت استعداد واشنطن للتعايش مع راديكالية حاكمة عند الضرورة، فإن المقاربة الأميركية تجاه إيران تؤكد أن هذا النهج ليس استثناءً، بل جزء من نمط أوسع في إدارة الراديكالية على مستوى الدولة، فالخطاب الأميركي الراهن يميز بوضوح بين تغيير السلوك وتغيير النظام، ويؤكد أن الهدف هو الاحتواء والردع، لا التفكيك البنيوي.
في الحالة الإيرانية، تُستخدم العقوبات، والضغوط الدبلوماسية، والتصعيد المحسوب كأدوات لإدارة المخاطر، لا لإحداث تحولات داخلية عميقة، ويجري التعامل مع راديكالية الدولة الإيرانية بوصفها واقعاً قائماً يمكن احتواؤه، طالما بقي ضمن خطوط حمراء محددة، وهو ما يعكس قبولاً ضمنياً باستمرار البنية الأيديولوجية للنظام.
من أفغانستان إلى إيران، مروراً بسوريا، تتضح ملامح سياسة أميركية تقوم على تصنيف عملي للراديكالية، بين ما يُعد تهديداً وجودياً يجب تفكيكه، وما يُعتبر خطراً قابلاً للإدارة أو التعايش، وفق معيار المصلحة لا المبدأ، ما يضعف مصداقية الخطاب الأميريكي، ويعزز سرديات الازدواجية في المنطقة.
الراديكالية نتاج انسداد سياسي، وفشل في بناء نظم إدماجية، وتغليب منطق القوة على منطق التسوية، وما لم تنتقل الولايات المتحدة من إدارة الراديكالية إلى مقاربة أكثر اتساقاً وشمولاً، فإن سياساتها ستبقى تدور في حلقة الاحتواء المؤقت، لا التفكيك الحقيقي..
على المدى القصير، قد تبدو هذه المقاربة واقعية، وقادرة على تقليص التهديدات المباشرة، لكنها على المدى البعيد تُنتج آثاراً عكسية، إذ تُسهم في إعادة إنتاج الراديكالية بأشكال جديدة، وتُبقي الأزمات السياسية مفتوحة، وتحوّل التفكيك من مشروع استراتيجي طويل الأمد إلى إدارة مؤقتة للأعراض.
في الخلاصة إن تفكيك الراديكالية في الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقق عبر سياسات انتقائية أو أدوات أمنية معزولة عن السياق السياسي، فالراديكالية نتاج انسداد سياسي، وفشل في بناء نظم إدماجية، وتغليب منطق القوة على منطق التسوية، وما لم تنتقل الولايات المتحدة من إدارة الراديكالية إلى مقاربة أكثر اتساقاً وشمولاً، فإن سياساتها ستبقى تدور في حلقة الاحتواء المؤقت، لا التفكيك الحقيقي.
المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى