لو أنك انتظرت قليلًا أيها الموت

علي محمد شريف

الموت ليس شيئاً.. الشيء الرهيب هو ألا نعيش (1). لم يكُ أحمد غريباً ولم نكن غيره أو غيرنا، وغير ما صرنا وصارت إليه دفاترنا الموشحة بالسواد، لم تنضب ينابيع الذاكرة في لوحنا الحجريّ، كنا معا نشتل الأسماء في حقل البنفسج ونعدّ حقائبنا لإيلاف العبور إلى الغد السوريّ.

كان “أحمدو” أجملنا وأكثرنا يقينا إذا ما استعر الشكّ في زوّادة المنفى. -: لا ريب سوف يزهر وعدنا، كان يقول، إن نحن عبرنا أمسنا الموهوب للنسيان، ونزعنا الأفخاخ عن يومنا الطويل.

وكان يحملنا على التخفّف من وطأة الخوف، ومن أحمال لا تجدي، وتنهك القلب في السفر السعيد، وأن نحاذر من خيانات البيادق والبطارق والطريق.

كان يحمل ظلّه في قلبه لكي يحيا، وكي يدثّر حلمنا المرصود من قنّاصة الفيء ومن سراب الدرب، وكان، مثلنا، يخشى من نجومٍ قد تؤثر السقوط في حلبة تكتظّ بالموتى، وبالحمقى وبالأصدقاء اللاعبين.

لا ظلّ لك يا موت فأنت الظلّ، لا شيء يستر عريك الأزليّ سوى ما شفّ من البياض في الأكفان، لا شيء يمنحك الوجود سوى نقيضك في الوجود وخوف من ماتوا وهم أسرى شراكك العبثية المضحكة.

لن تتركه بلا ظلّ أيها الموت فأنت محض الظلّ، وأحمد السوريّ خبّئ ظلّه في صدره وقرّر العيش دونما وهمٍ، ودون أن يغادر ظله الموشح بالزيتون والجلنار.

إنّه يستريح فقط وليس في خلده أن يغادر صوته.

هو، مثلنا، لا يفكر فيك الآن ليس خوفا منك أو هربا من يديك الطائلتين، فما يشغله ويشغلنا حديقة وساقية وضوء معمّد بالحبّ.

ليس جبنا أو شجاعة أن نحيا حقيقتنا وننسى طيفك السرمديّ، فلقد أدمنا وجودك في بلادنا المنكوبة بالقوارض وبالوحوش، وفي مخالب عالمٍ هو أشد إيلاما وقسوة من حضورك الزائد عن حاجتنا للحياة.

هو الإيمان ما يمنحنا القوة ويدعونا كي لا ننتظر يا أيها الموت، أن نعدو إلى الحياة غير آبهين لما يكمن لنا في أنفاق العالم ودهاليزه المعتمة.

ها أنت تحاول أن تقطف الحلم المعلق على سنديان الأمل، وها هي أصابعك الخشنة تنزع من شجرة الحياة غصنا ما زال أخضر ومشرئباً نحو الشمس.

لقد استعجلت يا موت المجيء وأخطأت الهدف. فكما ترى لم يستسلم لك أحمد السوريّ، كان قراره حازماً في أن يعود وأن يعيش، ولم تكن شيئاً مهمّاً له، ولا مثبطاً لروحه العاشقة للجمال وللحقيقة، وللخير المنذور للإنسان في وطنه السوريّ.

ها هو “أحمدو” يسبقنا بحقائبه البيضاء مترعة بزهور محبّيه إلى حاكورته الأثيرة، يعود حاملا ومحمولا إلى حيث تنتظره أمه ويلوّح له أبوه. سيضم بحواسه روح الأرض، ويمسح عن جبينها لوعة الفقد وألم الفجيعة.

لو أنك أتيت لنا، أيها الموت، هناك حيث في غدنا القريب نكون. كان يمكن لك أن تسير إلى هدفك على السجاد الأحمر. وأن تستقبل بما يليق بسلطان هيبتك، وبجلال حضورك المهدور، وكانت ستنصب لأجلك البيوت وتذبح القرابين..

لعلك تشعر بالخيبة والحزن ممّا فعلت أيها الموت…؟

___________________________________

  • العبارة لجان فالجان في رواية البؤساء لفيكتور هيجو.

المصدر: إشراق

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى