17 عاماً على الانتفاضة الكردية: محطة بطريق الثورة السورية

عماد كركص و سلام حسن

في مثل هذا اليوم قبل 17 عاماً، أنهى النظام السوري الانتفاضة الكردية التي خرجت ضده في العام 2004. تلك الانتفاضة التي كلفت الأكراد في الحسكة عشرات القتلى والجرحى والمعتقلين، وزادت من التضييق عليهم في ما بعد. هذه الانتفاضة تعد واحدة من التجارب السورية المتراكمة للاحتجاج في وجه نظام القمع في سورية، القابض على السلطة منذ أكثر من 50 عاماً، وجميعها أدت إلى طريق الانتفاضة الأكبر، الثورة السورية مطلع 2011، والتي تمر ذكرى اندلاعها العاشرة في مثل هذه الأيام.

ومنذ وصول حافظ الأسد للسلطة بشكل رسمي بانقلاب 1970، وانتخابه مطلع 1971، بعد أن مهد لذلك بتصفية من شاركوه انقلاب عام 1963، الذي سمي بثورة “البعث” وأبعدهم عن المشهد تباعاً حتى الانقلاب الأخير، لم يُستقبل من قبل السوريين كما كان يشتهي. فقوبل بإدلب، في أول خطاب له بعد تنصيبه، بالاستهجان، وتعرض لما يشبه الطرد، ثم بدأت الحركات الاحتجاجية على حكمه في كل من حماة ودمشق وإدلب وحلب منذ العام 1974، حتى بدأت حملات الاعتقال المنظمة عام 1976 في إدلب وحلب على سبيل المثال. وبين العامين 1979 و1981، كانت الإضرابات النقابية احتجاجاً على حكم الأسد تعم البلاد، لا سيما العاصمة دمشق، والتي شلت الحركة الاقتصادية في البلاد، وكانت نذير انهيار النظام. حينها قرر الأسد استخدام القوة المفرطة لوأد كل حركات الاحتجاج، فأنهى دور النقابات العمالية والمهنية، وزج إليها بكوادر مرتبطة بحزب “البعث”، وقوى الأفرع الأمنية ووسع من سلطتها وصبغها مع وحدات الجيش المقاتلة بصبغة طائفية من لون واحد.

بالتزامن مع ذلك، كان الأسد الأب، يتحضر لشن حرب داخلية بغية تصفية أي حراك شعبي ضده باستخدام الآلة العسكرية. وكانت تلك الحرب ذات هدفين رئيسيين، الأول وأد كل التحركات الشعبية ضد النظام في مناطق مختلفة، والثاني إرهاب من تسول لهم أنفسهم الاحتجاج أو التمرد عليه في مناطق أخرى. ومع التعتيم الإعلامي، والضوء الأخضر السوفييتي حينها، ارتكب النظام عشرات المجازر خلال تلك الحرب، بدأت بمجزرة جسر الشغور بريف إدلب الغربي عام 1980، ومن ثم مجزرة حي المشارقة في حلب في العام نفسه، ثم وأد تحركات شعبية في مدينتي أريحا ومعرة النعمان جنوب إدلب، ومدينة إدلب ذاتها.

وشهد مطلع فبراير/شباط 1982، المجزرة والجريمة الكبرى في حماة، حين اجتاح النظام المدينة واستباحها لأسابيع وسوّى بعض أحيائها بالأرض، وكانت النتيجة أكثر من 30 ألف قتيل، والآلاف من المعتقلين الذين لم يعرف مصير نسبة كبيرة منهم. وبهذه المجزرة، استتب الحكم للأسد الأب، بعد أن أرهب السوريين بالقتل، مستخدماً ذريعة محاربة “الإخوان المسلمين”. وبعدها اتجه لتصفية معارضيه الذين زجهم في السجون، فكانت مجزرة سجن تدمر، والعديد من المجازر التي ارتكبت بشكل متقطع، من خلال تنفيذ عمليات الإعدام الميدانية في السجون والمعتقلات، بعد محاكمات ميدانية وشكلية لم تستمر دقائق.

وبعد العام 1985، أحكم الأسد قبضته على البلاد، من خلال الأجهزة الأمنية، التي جاوز عددها 14 جهازاً، نشر لها أفرعاً ومفارز في كل بقعة من الجغرافية السورية. وكان عنوان فترة نهاية الثمانينيات وكل تسعينيات القرن الماضي، الخوف والإرهاب الأمني الذي شهدته البلاد بأسرها، ما جعل التمهيد لإيصال بشار الأسد إلى الحكم يمر بلا صعوبة تذكر بعد موت والده حافظ في العام 2000.

في فترة احتضار حافظ الأسد، وقبيل موته بقليل، شهدت السويداء جنوب سورية، انتفاضة في وجه النظام، كلفت المحافظة العديد من أبنائها. ووأد النظام تلك الانتفاضة، على الرغم من أن حراكاً سياسياً ضده كان ينشط في البلاد، في الفترة التي سميت “ربيع دمشق”، وهي الأشهر الأولى من حكم الأسد الابن. وبدأت الأحاديث حينها تخرج إلى العلن من قبل مثقفين وسياسيين حول التغيير في البلاد والانتقال للديمقراطية بالتمهيد لإنهاء النظام، لكن الأسد الابن سرعان ما تحرك وأنهى هذا الربيع، باعتقال الكثير من رجالاته والتضييق على أطرافه السياسية من أحزاب وصالونات وتجمّعات.

وفي شمال سورية، وشمالها الشرقي تحديداً، كان الأكراد ينشطون بحراكهم الخاص. وشهد العام 2003 تنظيم مجموعة من الأكراد السوريين اعتصاماً، شارك فيه 200 طفل من الأكراد المجردين من الجنسية (أجانب الحسكة)، أمام مقرّ اليونيسف في دمشق في 25 يونيو/حزيران 2003، للمطالبة بإعادة الجنسية السورية لهم، واعتبار اللغة الكردية لغة رسمية في البلاد حتى يتمكنوا من التعلم بلغتهم الأم. وفي ذلك الاعتصام تعرض سبعة أشخاص للاعتقال، وحكم عليهم بالسجن لفترات متفاوتة، فضلاً عن ملاحقة آخرين.

في 12 مارس/آذار من العام 2004، اندلعت الانتفاضة الكردية في مدينة القامشلي في ريف الحسكة، وخلالها أحرق المتظاهرون الأكراد المكتب المحلي لحزب “البعث العربي الاشتراكي”، الأمر الذي قابله النظام وأجهزته الأمنية ووحدات الجيش، التي أرسلها إلى هناك، بالقمع المفرط، فقتل أكثر من 30 شخصاً من أبناء القامشلي، بينما أصيب أكثر من 200. وبلغت الأحداث ذروتها عندما قام المتظاهرون في القامشلي بإسقاط تمثال حافظ الأسد. تدخل جيش النظام حينها بسرعة، ونشر الآلاف من القوات، مدعومة بالدبابات وهبطت المروحيات في المدينة ومحيطها لاستعادة أجهزة الأمن السيطرة عليها. وأثناء عمليات الدهم، التي تلت تلك الأحداث، اعتقل النظام قرابة 2000 مدني، معظمهم من الأكراد في القامشلي ومحافظة الحسكة.

ونتج عن ذلك تحرك الأكراد في باقي المدن والمناطق السورية، إلى أن وصلت التظاهرات إلى العاصمة، حيث اعتصم الأكراد السوريون المقيمون في دمشق رداً على حملات الاعتقال التي شنتها قوات الأمن السوري، ما أدى إلى اعتقال المزيد منهم، أغلبهم طلبة وجامعيون. وفي يونيو 2005، تظاهر الآلاف من الأكراد في القامشلي احتجاجاً على اغتيال الشيخ معشوق الخزنوي، وهو رجل دين كردي بارز في سورية. وتخللت تلك التظاهرة اشتباكات بين الأمن والمحتجين، ما أدى إلى مقتل شرطي وإصابة أربعة متظاهرين من الأكراد. وفي مارس 2008، فتحت قوات الأمن النار على الأكراد الذين كانوا يحتفلون بعيد “النوروز” في مدينة القامشلي شمالي الحسكة، ما أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص من المحتفلين الأكراد.

وفي العام 2005 أيضاً، كانت القدموس، التابعة لمحافظة طرطوس في الساحل السوري، والتي تحتوي خليطاً مذهبياً غالبيته من الطائفة الإسماعيلية، على موعد مع قمع النظام، حين أقدمت مجموعات علوية، يدعمها أمن النظام، على إحراق وسرقة نحو 25 محلاً تجارياً للإسماعيليين في المدينة، ما أدى لتذمر الإسماعيليين واحتجاجهم على النظام. وسرعان ما امتد هذا الاحتجاج إلى مدينة مصياف بريف حماة، والتي تحوي خليطاً مذهبياً مشابهاً للقدموس، بعد مشكلة بين سائقين علويين وإسماعيليين داخل كراجات المدينة، والتي قابلها النظام بمناصرة العلويين، ما أدى لانتفاضة في المدينة ضد الأجهزة الأمنية، ساند فيها السنّة الإسماعيليين، وقابلها النظام بقمع الطرفين، واعتقال العديد من الشبان. كل تلك الإرهاصات أدت بالنهاية إلى الانتفاضة الكبرى، التي انتشرت في أنحاء البلاد بالثورة السورية ضد النظام القمعي الحاكم قبل عشر سنوات من اليوم.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى