معتقلات الأسد.. ومسار العدالة الانتقالية

أحمد مظهر سعدو

في الفترة السابقة وخلال الأسابيع الماضية ظهرت على السطح وضمن منصات (السوشال ميديا) الكثير من التسريبات، عما كان يجري في معتقلات وأقبية الظلام الأسدي الإجرامي، وفي سياق وحيثيات انتشار الكثير من هذه التسريبات والوثائق، عن أحوال المعتقلين السوريين في معتقلات وسجون المجرم بشار الأسد، حيث جرى ذلك ومازال يجري تباعاً، وهنا لا بد من بعض تسليط الضوء على كل الذي حصل في هذا المنحى، لأهمية المسألة وارتباطها بحيوات السوريين جميعاً.

لذلك يجدر بنا التوقف أمام هذا الأمر المهم لجميع السوريين، بل لكل مناصري حقوق الإنسان في سورية والإقليم والعالم، ومن ثم ضرورة القول: أنه مما لا شك فيه من أن أي معلومات أو وثائق مرتبطة بما حصل في سجون ومعتقلات الطغيان الأسدي، لابد وأن تشكل مصدراً مهماً، ودعماً جدياً لمسار العدالة الانتقالية برمته، ومآلاته جميعها، هذا المسار الذي بات يتحرك هذه المرة نحو ملاذاته القانونية المفترضة، لكن عبر حالة من البطء.

ويبدو أن دينامية وحركة مسار العدالة الانتقالية هو الذي ساهم بطريقة أو بأخرى في إفساح المجال قسراً لانبثاق بعض هذه التسريبات أو المعلومات، بينما من المفترض أن تكون حركتها ضمن أساسيات عمل هيئة العدالة الانتقالية المشكَّلة من قبل الرئاسة السورية، وضمن حيثيات عملها. وإذا كانت هذه المعلومات سوف تضيف أي جديد فإن ذلك لا يمكن أن يكون إلا وفق أساسات العمل الجدي والحقوقي لهيئة العدالة الانتقالية، ووفق القانون الخاص بها الذي أصبح ناجزاً كمسودة، حسب تصريحات اللجان التي عملت على صياغته مؤخراً، وحسب الأقوال تلك فهو قد أصبح جاهزاً للصدور مع انعقاد أولى جلسات مجلس الشعب القادم.

ولعل تسريب هذه الوثائق وفي هذه الظروف، وخارج إطار العدالة الانتقالية، وليس ضمن مساراتها، يساهم في التشويش، وليس بالدعم لمسارها، إذ يتوجب على كل من لديه وثيقة تهم هذا المسار، أن يسارع لضمها إلى أدوات وحيثيات عمل الهيئة المشار إليها وليس خارجها. حتى تكون مفيدة للضحايا وأسرهم، الذين مازالوا يبحثون عن آليات عمل واقعية ميدانية ملموسة، تشفي صدورهم، وتجبر الضرر، وتعيد الحقوق إلى أصحابها، ولو بعد حين أو بشكل معنوي ورمزي.

كما أنه من الضرورة بمكان البحث عن أسباب تسريب ذلك، ومدى دقتها ومصداقيتها، ومن ثم مساءلة من قام بذلك خارج إطار العدالة المفترض، وعلى أساس خدمة هذا المسار وليس تشويشاً عليه. كل هذه المعلومات والوثائق يمكن أن تفيد في هذا المسار الطويل، والصعب لكل مسارات العدالة الانتقالية. ولكل مسألة (كما هو معروف قانونياً) شروطها ومدى مصداقيتها، ولعل الحيثيات والشروط المحددة، في قانون العدالة الانتقالية المرتقب، تكمن وتتبين حالاته وضوحاً أو نفياً.

إن الكشف عن مصائر المختفين قسراً والمغيبين في سجون الطغيان الأسدي، هو ضرورة حقيقية ومنطقية لكل ذوي المعتقلين، كما أنه ضرورة عقلانية لإحقاق الحق وتبيان العدالة في المجتمع السوري، والذي يعتبر مدخلاً ضرورياً (كما هو معروف ومتوافق عليه) لمسارات السلم الأهلي في سورية. كما يجب أن تُجَيَّر كل هذه المعلومات لدعم حقوق العائلات والأسر، التي فقدت أبناءها في سياق حراك ثورة الشعب السوري، ثورة الحرية والكرامة، ضد العسف والاستبداد الأسدي، وكل ذلك سوف يساهم عاجلًا أو آجلًا في توضيح وجلاء ودعم الحقيقة، ومن ثم إنجاز وتحقيق العدالة بكل حالاتها.

مسار العدالة الانتقالية وفق ذلك، مازال يتحرك بحركة بطيئة ، دون قدرة (على ما يبدو) نحو انجاز المهمات الكبرى الموكلة له، ولعل تأخر انطلاق جلسات مجلس الشعب السوري، يصب هو أيضاً، في حيثيات هذا المعطى، ويؤخر كثيراً إصدار أهم قانون على طاولة مجلس الشعب المرتقب، وهو قانون جديد وعصري ومتوافق مع متطلبات الواقع الجديد ، للعدالة الانتقالية، من حيث أنه بات من الصحيح أن تستمر محاكمات الموقوفين على ذمة الإيغال بالدم السوري، ومن ثم محاكمتهم وفق قانون جديد للعدالة الانتقالية وليس قانون العقوبات السوري، الذي لم يعد مناسباً وضع هؤلاء ضمن إطاراته القانونية.

إن محاكمة الموقوفين، مع إصدار قانون العدالة الانتقالية، مسالة ضرورية، لأن الكثير من الجرائم المرتكبة بحق السوريين، من قبل أزلام نظام بشار الأسد، لابد لها من نصوص قانونية جديدة تواكب مسار العدالة الانتقالية، وليس خارجه، أي ضمن سياقاته، وليس على اساس الجرائم العادية كجناية أو جنحة المرتكبة من قبل البعض. إن لإجرام أدوات نظام الأسد أوضاعها المختلفة، والتي تدخل وطنياً ودولياً ضمن مسارات معينة بحد ذاتها، وهي تختلف جذرياً عن الجريمة العادية المرتكبة في حالات السلم. ولعل الدخول اليوم في إطار ملاذات السلم الأهلي السوري، باتت ضرورة حقيقية، عبر الولوج الطبيعي في أتون اشتغالات هيئة العدالة الانتقالية وليس بعيدًا عنها.

واليوم لابد من ضبط عملية تسريب الوثائق والفيديوهات، التي باتت تتسرب من أدراج السجون والإمساك بها، لتكون جميعها، ضمن عمل هيئة العدالة الانتقالية، لأن هذه الهيئة هي وحدها اليوم القادرة (كما هو مفترض) على إنجاز المهام الموكل بها إليها، ثم جبر الضرر، وإعادة الحقوق إلى أصحابها ضمن وتحت سقف القوانين السورية الوضعية، وعلى أساس فكرة العدالة الانتقالية، التي لن تكون ولا يجب أن تكون انتقامية، أو ثأرية بأي حال من الأحوال، بل عادلة كل العدل، وتحترم حقوق الإنسان، حتى لو كان هذا الإنسان مجرماً أو مرتكباً.

لم يعد من أحد من السوريين اليوم يقبل بتكرار ما حدث على أيدي نظام الأسد البائد منذ أن خطف نظام حافظ الأسد الوطن السوري في 16 تشرين ثاني/نوفمبر 1970 وحتى فرار ابنه بشار الأسد إلى موسكو صبيحة يوم 8 كانون أول / ديسمبر 2024. من هنا كان الحفاظ على الوثائق المتوفرة في المعتقلات والسجون السابقة، وتقديمها للعدالة مطلباً شعبياً سورياً وكذلك حقوقياً إنسانياً، ومن أجل الولوج في مسارات السلم الأهلي في قادم الأيام.

المصدر :صحيفة الثورة السورية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى