
في سياق نقاشه لممكنات وتحديات أن تكون “سوريا ممراً بديلاً لمضيق هرمز”، أشار تشارلز ليستر، إشارة عابرة، إلى جانبٍ قلما تمت الاستفاضة في الحديث عنه. وهو القيمة المحتملة لسوريا، في أن تكون أحد مصادر الأمن الغذائي لدول الخليج. فالباحث المتخصص بالشأن السوري، في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، يشير إلى أن تلك الدول تستورد 85% من إمداداتها الغذائية عبر المضيق، الأمر الذي شكّل مصدر “قلق شديد” من زاوية أمنها الغذائي.
وفي مقالته المنشورة في “فورين بوليسي” والمترجمة في “المجلة”، يتطرق ليستر بشكل عابر إلى مشروع تدرسه السعودية لإنشاء خطة سكة حديد فائق السرعة لنقل الغذاء وسلع تجارية أخرى من سوريا عبر الأردن إلى مدينة عرعر في شمال المملكة. فالضبابية طويلة الأمد حول مدى استقرار الحركة عبر المضيق، تجعل دول الخليج تبحث عن بدائل، تخفف من نسبة اعتمادها على هذا المعبر البحري. وهو ما يفتح نافذة فرص لسوريا، لا على الصعيد اللوجستي فقط، بل أيضاً على صعيد تثمير قيمة أرضها وقطاعها الزراعي، كمصدرٍ للمواد الغذائية.
وفيما يتم الآن حصر الأضرار الاقتصادية والمعاشية الناجمة عن فيضان نهر الفرات على سكان المناطق المحاذية لمجراه، خصوصاً في دير الزور، قد تكون تلك مناسبة دافعة للتأسيس لأمرين: الأول، دراسة الإجراءات الواجب العمل عليها منذ الآن، لتجنّب تكرار هذه المحنة، أو على الأقل، الحد من أضرارها إلى أقصى درجة ممكنة، في مواسم مقبلة، محتملة بشدة، في ظل التغيّر المناخي الذي يعيشه كوكبنا. أما الأمر الثاني، فهو التطرق لسبل الاستثمار في تطوير القطاع الزراعي بعموم التراب السوري. وهو ما يجب أن يتحوّل إلى أولوية من جانب السلطات المعنية، لا بوصف الزراعة إحدى أكثر القطاعات تشغيلاً للعمالة فقط، بل بوصفها مصدراً لاستقرار معيشة سكان الأرياف، وهم يشكّلون أغلبية الشعب السوري. وهو عامل مهم من عوامل الاستقرار الاجتماعي والسياسي. والذي نعتقد أن تجاهله من جانب سلطات نظام الأسد في السنوات العشر السابقة لـ2011، كان أحد الأسباب العميقة للثورة حينها.
وفيما يعيش السوريون المتضررون من فيضان الفرات، صدمة خسارة جانب من مواسمهم وأرزاقهم، تجب الإشارة إلى مكاسب بعيدة المدى ناجمة عن هذه الظاهرة “الفيضانات”، والتي تغذي التربة وتنظّف مجرى النهر وسريره من الرواسب، وتغذي مكامن المياه الجوفية، فتجعل المناطق المتضررة على المدى القريب، ذاتها، مناطق أكثر خصوبة وملائمة للزراعة، في مدى أبعد. وهي إحدى الجوانب التي تجب الانتباه إليها، لتعزيز التنمية الزراعية في تلك المناطق. ولذلك مقدمات مهمة، أبرزها، إنهاء التعديات العمرانية في حرم النهر وسريره، والتي تمادت في سنوات الجفاف وانحسار المياه. إلى جانب معالجة التعديات الزراعية أيضاً، في المساحة ذاتها.
لكن على مستوى وطني، ولو نظرنا لتجربة الفيضان من زاوية الدروس، قد تكون تلك مناسبة لتوجيه الأنظار مجدداً نحو قيمة القطاع الزراعي بسوريا، والحاجة الملحة لتعزيز حياة المزارعين، بدلاً من حسر العمل، كما يجري الآن، على استثمارات متركزة في المدن الكبرى فقط، بكل ما في ذلك من غياب لعدالة توزيع الفرص بين السوريين، وجذبهم نحو مناطق الاكتظاظ السكاني المتخمة بضغوط متفاقمة على البنية التحتية والعقارية.
إحدى مظاهر التعبير الحادة عن ذلك، ظهرت في الأسبوعين السابقين لعيد الأضحى. إذ كان الاحتجاج واسع النطاق في أوساط مزارعي القمح، جراء عدم تناسب سعر الشراء المحدد من جانب الحكومة، مع ما كانوا ينتظرونه. وحتى بعد “المكافأة التشجيعية” التي صدرت عن الرئيس أحمد الشرع، بقي سعر الشراء الرسمي أقل من طموح المزارع. لا لأنه “طمّاع”، بل لأسباب موضوعية تجعل التكلفة بالقطاع الزراعي السوري مرتفعة. ويمكن تكثيف هذه الأسباب في ثلاثة: تفتت الملكية الزراعية، ومحدودية المكننة وأساليب الري الحديث. ومعضلة غلاء مدخلات الطاقة المطلوبة في العمل الزراعي.
إحدى الحلول التقليدية التي يتم طرحها، كلما تمت مناقشة هذه القضية، هي الدعم الحكومي للمزارع. لكن في ظل شح الموارد المالية المتاحة للخزينة العامة، يبدو هكذا “استنزاف” غير حكيم على المدى البعيد. وذلك لا يعني مطلقاً، عدم توفير حد ما من الدعم الحكومي للمزارع، بل على العكس، يجب على الحكومة التفكير بهذا المسار، ودراسته من كل وجوهه الممكنة.
لكن، في الوقت نفسه، نحتاج لبحث حلول من خارج “صندوق” الدعم الحكومي. كالعمل على إعادة إحياء تجربة التعاونيات الزراعية، التي سبق أن عرفتها سوريا، مع تلافي مشكلاتها التي قللت من جدواها سابقاً. أو البحث في سبل جذب مستثمرين خارجيين نحو القطاع الزراعي السوري، بصورة تلغي معضلات: تفتت الملكية، والحاجة لتمويل نوعي لتحقيق المكننة والطاقة المتجددة والري الحديث. وهناك تجارب استثمار خليجية بالزراعة، في دول كأثيوبيا والسودان وأوغندا. وهنا، تجب دراسة هذه التجارب، وتجنب سلبياتها، من قبيل نموذج شراء الأراضي، لما فيه من مخاوف خسارة الملكية للمزارعين. والبحث بدلاً من ذلك عن أنماط شراكة “متكافئة”، تحفظ للمزارع ملكيته، وللمستثمر، استدامة عائدية استثماره.
وتلك مهمة السلطات المعنية، وفي مقدمتها، وزارة الزراعة وهيئة الاستثمار، لبحث سبل رفع جاذبية الاستثمار في قطاع الزراعة بسوريا، مع حفظ مصالح المزارع السوري، بالتوازي مع تفكيك التحديات التي تواجهه.
المصدر:المدن


