شيء من رسائل العيد

محمود الرحبي

لم يعد العيد كسابق عهده. مرّ بارداً هذا العام، ولكنّه في النهاية يظلّ حدثاً منتظراً، وخصوصاً في عيد الأضحى الذي يقترن بوجبتَي العرسية والشواء في العادات العُمانية الراسخة. ويعدّ لهما الكثير قبل وقت من العيد، ولا سيما تلك الخلطة السحرية المسمّاة “التخميرة”، إذ يُمزج الفلفل الأحمر بالملح والبزار المقلي (السنوت) والثوم والجلجلان وخلّ التمر، ويضيف بعضهم القرفة والكركم، ثم تُخمَّر هذه الخلطة أيّاماً عدّة إلى أن يأتي موعد العيد. وبعد أن يُجهَّز لحم الأضحية، وخصوصاً الرقبة، تضاف هذه الخلطة إلى اللحم الذي يُدفن تحت الأرض، بعد لفّه بالسعف وأوراق الموز، في حفرة ملتهبة بالجمر والحطب يوماً ونصف يوم. وحين يُستخرج بعد ذلك في طقس جماعي، تكون المائدة عامرةً بحضور مختلف أفراد العائلة من كبار وأطفال.
الوصفة السرّية الثانية هي ما تسمّى “ترشة العرسية”، وهي خلطة من الزبيب والقرفة والسكّر والتمر الهندي والقليل من الثوم، تُطبخ صباح العيد وتُقدَّم مع العرسية والسمن، فيُخلط الأرزّ المعصود بالدجاج البلدي أو اللحم. وهذه الوجبة تُقدَّم صباحاً بعد صلاة العيد مباشرة.
ما زال العُمانيون يحافظون على العادتَين مهما تقدّم بهم الزمن، لأنّهما ترتبطان بمتعة الطعام والمآدب التقليدية. فالعرسية لا تُقدَّم في غير هذا الموعد، أو لا طعم لها في غيره، لأنّها مقترنة في الذاكرة بعيدي الأضحى والفطر. كذلك وجبة الشواء، يمكنك أن تجدها في غير موسم الأعياد في بعض المطاعم، ولكن لن يكون لها الطعم نفسه ولا المذاق نفسه اللذان نجدهما في أيّام العيد. كذلك إنّ التخميرة التي تُحضَّر قبل أيّام كافية، لن تكون بالجودة نفسها في المطاعم ذات الطبيعة السريعة.
هاتان العادتان، العرسية والشواء، هما ما يجعل العيد حالياً في عُمان مرتبطاً بأصوله وماضيه أكثر من أيّ شيء آخر، بما في ذلك اللباس الأبيض الجديد والمِصَرّ (العمامة)، اللذان يكونان جديدَين ويُرتديان انطلاقاً من العيد. يكفي الآن أن ترتدي ملابس نظيفة من دون أن تكون جديدة كلّياً، فلم يعد أحد ينتبه إلى هذا، خصوصاً مع الغلاء، وفي ظلّ زحمة الأعياد أمام محلّات الخياطة، إذ يرفض الخيّاطون، في أحيان كثيرة، تفصيل أيّ شيء بسبب زحمة الطلبات، وأحياناً قبل شهر من موعد الأعياد.
وزيارات المرضى من الأهل، وإن تباعدت المسافات بينهم، تكون أيضاً واجبةً في الأعياد. هؤلاء الذين لن نراهم بعد ذلك، وخصوصاً المسنّين الذين اختاروا أن يقبعوا في بيوتهم بين أحفادهم انتظاراً لساعتهم. كثير من أقاربي كانت آخر نظرة لي إليهم مقترنة بصباح العيد، من أخوال وأعمام وأقارب. زرتهم في تلك الصباحات ولم أرهم بعد ذلك، إذ ذهبوا إلى رحمة الله الواسعة. وكانت تلك الزيارات تقترن بالمقارنة: فأين هذا الرجل أو هذه المرأة الساكنة في سريرها من سابق عهدها؟
مثل قريب لي كنّا نلقّبه بعنترة بن شداد نظراً لشدّته الظاهرة وعلو صوته الناهر. رأيته هذا العام وكأنّه رجل آخر، هزمه المرض وأذبله. عاش ظروف القسوة في طفولته، زوّجه والده في عمر السادسة عشرة من ابنة عمّه، وكان عليه أن يبني بيته بنفسه من الصخور التي صار يحملها على ظهر حماره، ثمّ يكدّ من أجل إطعام أبنائه وامتهان مختلف المهن الشاقّة، وبعضها كان يشقّه في الظلام بصحبة الحمارة التي ماتت في إحدى جولاته البعيدة ولم تتحمّل مشقّة الطريق.
ومع العهد الجديد، استبدل بحماره سيارة أجرة، وكانت السمرة ترافقه بسبب مشقّة العمل تحت شمس مسقط. وقد سمعته مرّةً يقول: “أنا أستمتع بالحرارة”، ربّما كان نوعاً من المقاومة وبثّ الاطمئنان في نفسه. وكان، توفيراً، يطفئ جهاز التكييف في سيّارته. لم يعد الرجل نفسه حين زرته، فقد هزمه المرض شرّ هزيمة.
أمّا القريب الآخر، الذي قضى في السجن 15 عاماً وهو صغير في ظلّ الحركات اليسارية في عُمان خلال الستينيّات والسبعينيّات، فكان، رغم المرض، ضاحكاً وهو يسرد لنا مواقف مختلفة من حياته. لم يكن يتوقّف عن الكلام والضحك وسرد التفاصيل، مثل موقف حدث له أخيراً حين كان ذاهباً هو وعائلته إلى صلالة لقضاء أيّام من الخريف. وكان يعرف سيّدةً روسيةً تدير أعمال زوجها العُماني في تأجير الشقق للسياح، وحين كانت منهمكة تحدّثهم عن والدها الذي اسمه رمضان، تدخّل هذا القريب ليسألها: “هل والدك هو رمضان قديروف؟” في إشارة إلى الرئيس الشيشاني، فضجّ المكان بالضحك.

المصدر:العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى