محنة صحافي في السويد دفاعا عن.. الاستقلالية!  

 محمد خليفة 

أمس السابع والعشرون من يناير / ك 2 2021 أكملت تسعا وعشرين عاما من حياتي في السويد. واليوم بدأ عداد العمر والزمن احصاء أيام عامي الثلاثين. لذلك استغرقت طوال اليومين السابقين في استعراض ذكرياتي وفصول تجربتي في بلدي الثاني الذي أحمل جنسيته منذ 22 عاما، أعني السويد، خلال هذه المدة الطويلة التي تعادل جيلا كاملا، وعلى غير ما كنت أتوقع تحولت محنة، وكارثة، لم أعش مثلها في بلد آخر، سوى بلدي الأصلي سورية.

وللعلم، لقد توزعت سنواتي السبعون بين خمسة بلدان، أولها سورية، وآخرها السويد، وبينهما لبنان واليونان وفرنسا. ولم أكابد في أي بلد، قدر ما كابدته في البلدين الأول والأخير. لذلك كثيرا ما أقول إن غاليليو اكتشف كروية الارض وآلية دورانها، وأنا اكتشفت كروية الحياة ودورانها! إذ يقول الجغرافيون إن الإنسان إذا سار في خط مستقيم، فإنه سيقطع الأرض، ويعود الى نفس النقطة التي انطلق منها. مثل رحلة الانسان من الضعف الأول في بداية العمر الى الضعف الأخير حين يبلغ أرذل العمر. كأن هذه الرحلة من الضعف الى الضعف قانون أزلي، مثله مثل الدوران حول الارض!

خرجت من بلدي هربا من القمع والاضطهاد، باحثا عن الحرية، وأعني بالذات حرية الكتابة والتعبير والنشر، وعشقت لبنان منذ أن كنت فتى يافعا، بسبب صحافته التي كانت في أوج تألقها، وذروة ازدهارها وكنت أحلم بالعمل فيها. فقصدت بيروت عدة مرات باحثا عن فرصة عمل في صحافتها، ثم استقريت فيها عامين كاملين 1981 – 1982، وتعلمت فيها الصحافة وزاولتها، وقررت في نفسي أن اقضي حياتي كلها في بيروت. إلا أن المفاجآت القدرية كانت بالمرصاد، ففي مطلع 1983 كنت عائدا من رحلة الى الخارج، فاستقبلني ضابط من الأمن العام اللبناني، وأبلغني قرار طردي ومنعي من الاقامة في لبنان، وأعادوني الى اثينا. وفي أواخر 1984 غادرت اليونان الى فرنسا بناء على طلب المرحوم أحمد بن بلة رئيس الجزائر الأسبق ، لأعمل رئيس تحرير مجلتي (البديل) كان يصدرهما في باريس بالعربية والفرنسية ، ولبيت الطلب ، وبقيت عامين اعمل رئيس تحرير للمجلتين ، ومراسلا لمجلة الشراع اللبنانية ، وحصلت على حق الاقامة من وزارة الخارجية ، ولكن الاستخبارات رفضت تنفيذ القرار ، وتربصت بي لتبعدني عن فرنسا بدون ضجة ، وعندما سافرت الى اليونان لقضاء إجازة قصيرة ، وحاولت العودة أبلغتني السفارة الفرنسية في أثينا بصدور قرار منعي من دخول فرنسا ، فبقيت في اليونان حتى مطلع 1992 ، وكنت أمارس عملي بكل حرفية واستقلالية وحرية ، دون أي إزعاجات أو مضايقات من سلطاتها ، بل وجدت فيها دفئا وودا وتقديرا رسميا ، الى أن غادرتها الى السويد .

عشت السنوات الأولى في السويد مطمئنا، يغمرني الأمل بأن أعيش بقية حياتي مستقلا مستقرا في دولة يفترض أن أهم مزاياها الحرية الفردية والديمقراطية والعدالة واحترام حقوق الانسان. وواصلت عملي الصحافي مراسلا لصحيفة الحياة اللندنية، ومجلة الشراع اللبنانية، وصحيفة بريد الجنوب الباريسية، ومجلة المنبر الباريسية، وصحيفة الراية القطرية. ثم حاولت اصدار صحيفة ناطقة بلسان المجلس السويدي الاسلامي (الرابطة).

ولم يطل تفاؤلي، فبعد سبعة أعوام بدأت المصاعب والمشاكل بيني وبين السلطة العميقة في السويد، لأنني رفضت التعاون مع أجهزتها الأمنية متمسكا باستقلاليتي، وحقي في مزاولة عملي والكتابة بدون املاءات ولا ضغوط ولا رقابة.

تطورت المشاكل حتى تحولت سيناريو مستمرا يوميا، وتحولت حياتي الشخصية والاسرية والمهنية والاجتماعية جحيما لا يطاق. وتعرضت لأذى وتهديد واعتداءات عديدة، ولحقت بي أضرار مادية وبدنية ومعنوية بالغة يصعب تقدير حجمها، أهمها أنه جرى توقيفي عن العمل بطريقة ماكرة لا تقوى عليها سوى أجهزة استخبارات قوية. ولقد قمت بمقاومتها وفضحها باستمرار منذ عام 2000 حتى اليوم، فتحولت قضية رأي عام في ستوكهولم، لا سيما في أوساط المهاجرين العرب والمسلمين. ولجأت الى كل مؤسسات الدولة القضائية والسياسية والادارية والحقوقية.. إلخ بلا جدوى، ولمست في هذه التجربة الاستثنائية نسبية المزايا المنسوبة للسويد، مثلها كل الدول، واكتسبت خبرات لا يمكن اكتسابها إلا من خلال تجربة مريرة كالتي عشتها، واكتشفت حقائق مذهلة عن (العولمة الأمنية) التي تسود العالم وتتحكم به، وعن تعاون أجهزة الدول الديمقراطية مع أجهزة الدول الديكتاتورية ضد أشخاص ومواطنين هنا وهناك، وبخاصة ضد الاحرار والمعارضين.

لقد اضطربت حياتي اضطرابا عنيفا وحادا طوال أكثر من عشرين سنة ، ترك أثارا على كل جوانب حياتي وعملي وقناعاتي ، وتغيرت ثقافتي العامة ، ورؤيتي المثالية السابقة للدولة الديمقراطية في الغرب ، في ضوء ما رأيته ولمسته من تعاون استخباراتي ماكر وعدواني ، بين أحقر الأنظمة الاستبدادية الشمولية ، وأرقى الأنظمة الديمقراطية المصنفة مثالية .

أعلم أن كثيرين من القراء والأصدقاء سيفاجئهم ما أقوله مرارا عن تجربتي المريرة في السويد ، ولكنه للأسف حقيقي وواقعي . والبعض من أصدقائي يطالبني بالسكوت وعدم الاعتراض على اجرام الأجهزة الأمنية في السويد ، طالما أن القمع والتنكيل في الدول العربية ، وخاصة سورية أقسى وأعظم وأشد ، وكان ردي دائما أن هذا لا يبرر ذاك ، والانسان الحر يجب أن يرفض كل ما ينال من حقوقه وحريته ، سواء في سورية أو في السويد ، أو في أميركا أو في الهند ، وعليه أن يدافع عن حقوقه ، فهذه دائما وفي كل البلدان والأزمان إنما تؤخذ وتنتزع بالنضال  ولا تعطى مجانا على طبق من ذهب .

النضال من أجل الحرية والكرامة واحد ومستمر ، وبالنسبة لي على الأقل ، سأواصل النضال من أجل حقوقي ، ووجودي في السويد وحصولي على حق اللجوء فيها ليس احسانا من السلطات السويدية عليّ ، ولا منة لها عليّ ، ولا يوجب علي أن أسكت عندما أتعرض لأي انتقاص من حقوقي وحريتي وكرامتي ، فالفضل يعود حصرا للقانون الدولي لا للسلطة السويدية ، وحقوق اللاجئ في القانون الدولي لم يكن ممكنا أن تتحقق، لولا تراكم نضالات تاريخية خاضها أحرار وثوار وقوى اجتماعية تقدمية ، بشكل تراكمي أدت الى ظهور تشريعات دولية لحماية اللاجئين والمضطهدين والفارين من الأنظمة المتعسفة والمتغولة على طلاب الحرية والمقاتلين والثوار .

إنني أعتبر نضالي ضد ظلم وغبن واجحاف بعض دوائر وأجهزة السلطة الرسمية في السويد دفاعا عن الديمقراطية في السويد، لكي لا تتكرس الانتهاكات والارتكابات المسيئة. لا سيما أن ما اصابني لا يمكن عزله عن ظاهرة تفشي العنصرية وكراهية الأجانب الآخذة بالتضخم منذ عقدين، اضافة لاستفحال ظاهرة التعاون الأمني بين الدول، وتقييد الحريات، واتخاذ اجراءات استثنائية ضد كثير من المعارضين الديمقراطيين بناء على اتهامات جاهزة وظالمة ملفقة أحيانا بشكل متعمد للمستهدفين بها، مثل تهمة التطرف، أو تهمة العداء للسامية على سبيل الذكر لا الحصر.

وأنا أدخل عامي الثلاثين في السويد، سأستمر في نضالي ومطالبتي للسلطات السويدية بوقف بغيها واجحافها، وإنصافي وإعادة الحرية الكاملة لي ووقف البرنامج العقابي المطبق علي بالتعاون مع دولتين عربيتين على الأقل. ولن أتوقف عن المطالبة بمحاسبة كل من شارك في مسلسل الاجرام الذي تعرضت له منذ 1999 حتى اليوم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى