قسوة السوريين

  فايز سارة

يكاد يتفق متابعو الوضع السوري على قول، إنه ما من شعب في العالم تعرض للقسوة، وعانى منها أكثر من الشعب السوري طوال العقدين الماضيين من القرن. ويستند المتابعون في قولهم إلى كم هائل من المعطيات والوقائع المدعومة بوثائق مكتوبة وأخرى مصورة، وثالثة تجمع بين الصوت والصورة، وقد بنيت على أساسها آلاف التقارير الصادرة عن منظمات وهيئات دولية وإقليمية حقوقية وإنسانية وحكومية، تابعت مسار القضية السورية وتطوراتها على مدار نحو 10 سنوات مضت.

ويتضمن الخط الأكثر شيوعاً في مسار القسوة السورية، السياسات والممارسات العنيفة، التي أصابت السوريين، فأوقعت فيهم قتلاً وجرْحاً واختفاءً قسرياً واعتقالاً تحول في كثير من حالاته إلى موت تحت التعذيب أو تسبب في عاهة دائمة، قد يكون الموت أشد رحمة منها، ويضاف إلى هذا الخط في القسوة السورية، خط مضاف، بدا في قسم منه نتيجة للعنف، لكنه في قسم آخر، بدا وكأنه خط مقصود في السياسات والممارسات، وهو خط الحط من الكرامة الإنسانية بمنع السوريين من الوصول إلى احتياجاتهم الأساسية أو منع الحصول عليها، ولئن كان خط القتل وأخواته قد طال ملايين السوريين، فإن الخط الأخير ألقى بظلاله القاتمة على أغلب السوريين، ولم ينجُ منه سوى قلة قليلة، تتربع على سدة سلطة ما، تتجاوز سلطة نظام الأسد وحلفائه وزعماء العصابات المسلحة إلى سلطة أمراء الحرب وأثريائها.

وبطبيعة الحال، فإن تمركز السلطة في تعددها وتنوعها في يد 5 في المائة، دفع نحو توحش الأخيرة في قسوتها، ليس إزاء الآخر، بل حيال داخله بمن فيه من مؤيدين وتابعين، الأمر الذي جعل الجميع ضد الجميع، وتحولت القسوة إلى سلوك عام وشائع، اختلافها الأساسي يستند إلى تفاصيل منها الأدوات، التي يملكها كل طرف.

وإذا كانت وحشية النظام وحلفائه، تمثل الأساس في شيوع القسوة، فإن انعكاساتها في أواسط المناهضين ولا سيما الجماعات الإسلامية المتطرفة، صارت سبباً ثانياً ومهماً، لأن القسوة الشديدة، كانت أداتها في تحطيم قوة الحراك الشعبي في مناطق نشاطها الخارجة للتو من تحت سيطرة نظام الأسد، واستخدمت الجماعات الإسلامية لفرض سيطرتها كل أنواع الأسلحة التقليدية، وأضافت إليها الأسلحة الآيديولوجية بما فيها التشدد وتكفير خصومها، وإشاعة الطائفية، والحط من القيم الإنسانية والشعارات التي رفعتها الثورة ضد النظام، وتوجت ممارساتها في تغييب القانون، وجعل سلطته في أيدي مجموعة من «الشرعيين» الجهلة، تحت إدارة عصابات مسلحة، مما حول حياة السوريين في مناطق سيطرة الجماعات الإسلامية المتطرفة إلى ما يقارب حياة السوريين في مناطق سيطرة النظام مع فارق في الآيديولوجيا المعلنة: «تطرف ديني» يقابل «التطرف الأسدي».

العامل الثالث في تعميم القسوة في صفوف السوريين، تمثله سلسلة انهيارات، قادت إليها الحرب، ولا سيما على صعيد البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومن الأمثلة الشائعة، يمكن القول، إن تدمير البنية الاقتصادية، أدى لتحول فاعلين أساسيين فيها إلى قوة هامشية، ذهبت للانخراط في ميليشيات مسلحة من أجل توفير ما يضمن استمرار العيش، ووسط سيطرة جماعات التطرف حدث انقلاب في الأدوار الاجتماعية، فتحول دور النساء من حضور بارز في بدايات الثورة إلى غياب شبه كامل ولا سيما في المجتمعات المدنية، وانتقلت المكانة الاجتماعية من نخبة أساتذة الجامعات والأطباء والمهندسين إلى الجدد من رجال الدين والبعض لم يكن في هذا المقام سابقاً، وهذه مجرد أمثلة ليس إلا.

وهناك عامل رابع، لا بد من الإشارة إليه، وهو التراجع الطارئ في نشاط الجماعات السياسية والمدنية في الواقع السوري، وبالتالي انخفاض تأثيرهم سواء في الجمهور أو على صعيد القضايا، وهذا أمر طبيعي، لأنه في ظل شيوع السلاح، وازدياد أتباعه المنفصلين عن السياسة، فإن العقل السياسي والنخبة السياسية يتراجعان، ويقل دورهما.

ولا شك أن تأثير العوامل السابقة في تعميم القسوة عند السوريين، تضاعف في ظل الانفلات والتفشي الإعلامي المحيط بالسوريين وبقضيتهم. وباستثناء مئات المواقع والمنصات الإلكترونية، فقد فتحت وسائل التواصل الاجتماعي من «فيسبوك» و«تويتر» و«إنستغرام» و«واتساب» وغيرها نوافذها لهجمات وحروب بين السوريين، تعدت الأفراد إلى حروب بين المجموعات والجماعات.

ثمة من يقول، إن ما يجري أمر طبيعي بعد كل ما عاشه السوريون في السنوات العشر الماضية، وأستطيع القول، إن ذلك صحيح في بعض جوانبه ولا سيما إذا نظرنا إليه من زاوية ما يحيط بهم من سكوت المجتمع الدولي عن الجرائم التي أصابتهم، والظلم الذي يتزايد عليهم مع مرور الوقت، وانسداد آفاق المستقبل. لكن من الصحيح، أن معالجة هذه القضايا وخلق ظروف جديدة للسوريين وقضيتهم، يحتاج إلى تغييرات لعل من أولها تهدئة الصراعات، ووقف سياسات وممارسات القسوة في سلوكياتهم. وثمة مثال ساخن، يبدو في معارك خاضها سوريون مؤخراً في الإعلام وعلى منصات التواصل الاجتماعي حول ترشح الكاتب والشاعر السوري أدونيس لجائزة «نوبل»، ولم يتأخر المتصارعون في استخدام معطيات وأكاذيب لكسب المعركة، علما بأن القضية ليست جديدة، إذ هي مكررة منذ سنوات، وتأثير السوريين من الطرفين على الجهة المانحة والبيئة الثقافية الدولية، يكاد يكون صفراً، فما الفائدة من تلك المعارك، سوى تكريس القسوة في وقت يحتاج فيها السوريون إلى نقيضها في القول والممارسة.

المصدر: الشرق الأوسط

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى