
يتعامل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع الشرق الأوسط كمزرعة بلا بوّاب، أو كأنّ هذه المنطقة بلا أهل أو تاريخ أو حضارة، وهو سيغيّر وجهها ويشكّلها وفق رؤيته ومصالحه. يهدّدها منذ أعوام بمصير كارثي، ويطمح إلى أن يقرّر حاضرها ومستقبلها، وأن يتحكّم بمقدراتها، من فلسطين وسورية ولبنان والأردن إلى الخليج العربي، وصولاً إلى إيران التي تُعدّ قارّةً متنوعةً بشريةً ومترامية الأطراف. ينام ويصحو على حلم وحيد لا يفارقه، توسيع مساحة إسرائيل وتحويلها إلى القوة الوحيدة في الشرق الأوسط بتهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية وغزّة، وبالتمدّد في سورية ولبنان ووصولاً إلى الخليج العربي وإيران.
في الضفة الأخرى، هناك مشاريع إيران وما سبّبته لهذه المنطقة من كوارث منذ انتصار ما سمّيت “الثورة الإسلامية” (1979) التي كان أول ما طرحته تصدير الثورة إلى الجوار العربي، وبذلك أشعلت شرارة حرب مدمّرة مع العراق. ولم تخفِ طهران طموحها في استعادة دور “شرطي الخليج” الذي لعبه الشاه محمد رضا بهلوي. وليس بعيداً من أحلام السيطرة والعظمة تصميمُها وإصرارُها في العقدَين الماضيَين على بناء مشروع نووي تحوّل إلى سبب للنزاع الإقليمي، وتولّدت منه حروب كثيرة لم تقتصر تداعياتها السلبية على إيران وحدها، بل أصابت منطقة الخليج العربي والعراق واليمن وسورية ولبنان. وبدلاً من أن تخصّص إيران القسط الأكبر من عائدات نفطها وغازها للتنمية والتطوير ورفاهية شعبها، صرفتها على البرنامج النووي وبرامج الصواريخ وبناء المليشيات العابرة للحدود، ودخلت في نفق طويل من العقوبات والحروب التي لم توصلها إلى نتيجة، بل انعكست دماراً عليها وعلى العرب. وعلى نقيض الادّعاءات كلّها، لم تستفد القضية الفلسطينية من ممانعة إيران وحلفائها إلا الشعارات والدمار، واحتلال إسرائيل أجزاء من أراضي لبنان وسورية.
العالم العربي خارج المعادلة، منقسم بين مصالح وحسابات ضيّقة، بلا مشروع يحمي به نفسه من النزاع الإسرائيلي الإيراني. وقد تخلّت الدول العربية الكبرى: مصر والسعودية وسورية والعراق، عن دورها في حماية الأمن القومي العربي المُهدَّد من إسرائيل وإيران، وانخرطت في نزاعاتٍ حوّلت الدول العربية إلى ملعب للطرفَين المتحاربَين، ما سمح لهاتَين القوّتَين باختراقها وتقسيمها بين ممانع ومطبّع ومتفرّج. وتعيش الدول العربية اليوم وضعاً لا تُحسد عليه وسط حرب مدمّرة تدور في أجوائها وداخل مياهها، في وقت تبدو فيه عاجزةً عن التدخّل في مجرياتها، أو حتى الدفاع عن نفسها.
الولايات المتحدة حاضرة في هذا النزاع المفتوح، وهي طرفٌ أساسٌ فيه منذ البداية، وكان لها الدور الفاعل في الحرب العراقية الإيرانية وما تفرّع منها من انهيارات أصابت الأمن القومي العربي في الصميم، بدءاً من احتلال العراق عام 2003 ثم تسليمه لإيران، التي تحكّمت بثرواته، وحوّلته إلى ساحة سياسية وأمنية خاصّة بها. وقامت سياسات ومواقف الإدارات الأميركية المتعاقبة حيال العالم العربي على أساس الحفاظ على مصالح وأمن إسرائيل أولاً، ولهذا بات بعض العرب يسدّدون فاتورة النزاع بين إسرائيل وإيران، يتلقّون الصواريخ الإيرانية رغم أن الحرب ليست حربهم.
وسواء انتصرت إسرائيل أم إيران، فإن بلدان الخليج العربي شريكة في الخسارة. وإضافة إلى أن اقتصاداتها باتت في دائرة الخطر، وأراضيها بين مرمى النيران، فإن مستقبلها مهدَّد من الطرف المنتصر الذي يطمح إلى فرض نفوذه ومعادلته على المنطقة. وهنا لا يبدو أن الوقت متأخرٌ على وقفة عربية ضمن إطار جامعة الدول العربية، ومن منظور التضامن العربي، بهدف بناء موقف عربي مشترك يجنّب الخليج العربي وسورية ولبنان والعراق نتائج هذه الحرب. لا سبيل أمام العرب سوى هذا الطريق، طال أم قصر.
المصدر: العربي الجديد






